في ظل انقسام العالم بين معسكري الرجعية والتقدمية

 

 

 

بقلم : مطاع صفدي

 

العالم اليوم لا ينقسم الي كتل سياسية كما كانت الحال ابان الحرب الباردة. لم يعد هناك معسكر للاشتراكية وآخر للرأسمالية بالاضافة الي كتلة العالم الثالث. بل ان عالم القرن الواحد والعشرين يواجد انقساما بنيويا علي المستوي الهرمي وليس علي المستوي الافقي. انه عالم الدول والحكومات في اعلي الهرم، وعالم الشعوب والمجتمعات المدنية المحتشد في صدر وقاعدة الهرم الكوكبي. وهذا الانقسام هو الذي يسمح لاقوي دولة ان تطارد بقية الدول وان تفرض عليها خيار الانضمام الي تبعيتها او يكون مصيرها العزل والزوال. بالمقابل تجد الشعوب نفسها تدريجيا انها قد امست علي وشك ان تفقد الحد الادني من مكتسباتها الحقوقية والانسانية. وليس ذلك بسبب الصراع الطبقي داخل مجتمعاتها، او طغيان حكوماتها قدر ما هو نتيجة محتومة للانقسام الرأسي الذي يجتاح العالم، ويصب في مآله الاخير في صالح القطب الاكبر المتزعم لهذا الانقسام والمستفيد الاول منه.

ويبدو ان الامركة هي التي ترشح نفسها، وخاصة في عهد بوش، الي استثمار هذا الانقسام، بقدر ما تجعل بقية الدول الاخري، بصرف النظر عن تقدمها او تأخرها، عن قوتها او ضعفها، تقع جميعها في منطقة رد الفعل فحسب علي تصرفات الامركة. ويكون رد الفعل هذا لدي كل دولة محسوبا ومنظما سلفا من قبل الامركة التي تحتفظ دائما بقوة المبادرة وتسلطها علي الاخر، وجعله يتحرك ضمن الدائرة المرسومة له مقدما. وهذا هو المغزي الحقيقي لمبدأ بوش في تقسيم العالم الي من معه او ضده، معسكر الخير ومعسكر الشر. حاول العهد البوشي الموشك علي انهاء دورته الرئاسية الاولي، ان يستثمر الاسلوب الامني كمدخل لتطبيق استراتيجية القسمة والتوزيع الجديد لخارطة القوي العالمية علي اساس استقطاب قطاع الحكومات الاخري في شبكة سياسة داخلية وخارجية تابعة، في ايديولوجيتها وتصرفاتها الرئيسية، للادوار الاقليمية والدولية المرسومة لها من قبل المخطط الاكبر للاستراتيجية الكونية في هذا العصر. فالعولمة الاقتصادية وشريكتها العولمة الامنية جعلت مثل هذه الاستراتيجية ليست قابلة للتحقيق فحسب، بل انها قطعت مرحلتي المبادرة والتجريب في رحلة التحقيق هذه، المستمرة والمتنامية منذ سقوط جدار برلين وانقضاء عصر القطبية الثنائية فلقد بادر بوش الاب مع مطلع التسعينات الي ممارسة اول اختبار في تحشيد معظم دول الارض الفاعلة، في شن ما يشبه حربا عالمية ثالثة علي العراق. وقد انصاعت اهم واكبر تلك الدول من اوروبا الغربية الي روسيا للقائد الامريكي، وانجرت في حرب قد يكون النجاح الامريكي في كسبها بمثابة هزيمة حقيقية لمصالح تلك الدول الحيوية. ثم ان سياسة الانصياع هذه تتابعت في فرض اقسي حصار شامل مجرم علي ذلك البلد طيلة عقد ونيف. ولم يحدث ان تنبهت تلك الدول، ومعها الامم المتحدة، الي مقالب الانجرار الطوعي او القسري وراء الامركة الغازية الا مع التخطيط لحرب اخري ضد العراق واحتلاله. فاضطرت واشنطن هذه المرة الي التحرك وحدها، مع جدتها بريطانيا رمزيا، وحققت اسقاط النظام والدولة، وانهيار المجتمع كمؤسسة وطنية وتاريخية واخلاقية متماسكة منذ ايام الرشيد، في بغداد. لكنها عادت فالزمت العالم، وفي مقدمته دوله العظمي نفسها، بالتعامل مع الاحتلال كأمر واقع بمعني ان هذه الكيانات السياسية الكبري من اوروبا الي روسيا والصين، لم تبرح منطقة رد الفعل المحشورة ضمن حدودها المرسومة، سواء كانت في حال التمرد والامتناع او حال الانصياع والاتباع، ورغم صعوبات الاحتلال وتكاليفه البشرية والمادية الباهظة إلا ان الامركة استطاعت ان تتملك علي الاقل من المصير العراقي سياسيا واقتصاديا وان تجعل دول محيطه العربي والاسلامي رهن مشيئتها سواء استمر التواجد العسكري في شكله الكثيف حاليا او انه اعتصم بقواعد ثابتة مستقبلا، وكما هو مقرر له. كذلك الامر بالنسبة لاوروبا التي مهما شعرت بقيمة موقفها المعارض اصلا للحرب وللاحتلال فيما بعد، وصواب نظرتها الي النتائج الكارثية التي توقعتها، فانها مضطرة مع ذلك الي استعادة بعض ادوارها الضائعة، وهي اليوم تساوم حول مشاركتها في مرحلة الاعمار مقابل ان تكون لها آراؤها وممارستها الفعلية فيما يتعلق بالبناء السياسي لعراق الغد. لكنها تعلم ان الكلمة الاولي في كل هذا ستبقي من احتكار الامركة ومخططها وطريقة توزيعها لحصص المنافع والتبعات كذلك علي الاخرين.

هكذا نري ان ما كان يسمي بالعلاقات الدولية فانها سائدة رغما عن كل شيء، ليس نحو تأكيد واقرار الاحادية للقطب الامريكي فحسب، بل ان هذا القطب امسي يحتل موقع المركز في شبكية هذه العلاقات، وعاملا بجهد وتصميم علي الزام كل الكيانات الاخري بالانتماء الي استراتيجيته، كما لو كانت من تخطيط وصنع كل احد من مجتمع الدول الكبري والصغري معا، وحيثما سيغدو الكل فيه صغيرا، فالجميع منخرط في (الحزب) الامريكي شاء ام ابي، ومن يؤلف هذا (الجميع) هي الدول، اما الشعوب فلها حديث آخر. انها اولا ليست مضطرة للاعتراف بهذا الواقع مهما كانت درجة موضوعيته ووضوحها. فهي لا تزال قادرة علي اتباع حدسها الطبيعي، واذا كانت العولمة الاقتصادية، ثم الامنية والعسكرية قد وضعت معظم حكومات العالم في سلة واحدة، وعلقتها بالمشجب الامريكي، فان هناك العولمة الاخري المغايرة والبديلة التي تبني وتفرض نوعا من الحضور الذاتي لكل منها علي مستوي انبعاث مجتمعها المدني كما تحقق انفتاحا علي بعضها، لا سابقة له بفضل التقدم الهائل للاتصالات المباشرة ووسائلها الالكترونية.

في الامس القريب تم انعقاد المنتدي العالمي في بومباي، في قلب آسيا بعد ان بدأ من البرازيل، في قلب امريكا اللاتينية، محققا النقلة النوعية الاولي نحو تضامن النخب الشعبية بين القارات المتقدمة والقارات النامية. ولقد ضم لقاء الامس اكثر من مئة الف شخصية سياسية وفكرية وابداعية من جميع انحاء الكرة الارضية، وكانت قضية العراق احتلت مركزية كل المداولات والنقاشات الرئيسية. وهذه الاشارة وحدها كافية لترمز الي ان قضية العراق والعدوان الامريكي، اضحت ظاهرة ليست عالمية فقط، بل هي من شأن النخب الشعبية لنصفي الكرة المتقدم والنامي معا، باعتبارها تشكل بؤرة التفكير والتغيير في استراتيجية الجماهير المضادة للامركة كثقافة تهجين وطغيان امبراطوري في غير زمانه ومكانه.

كان اليوم الاخير للقاء بومباي هو اليوم الاول لمنتدي دافوس في سويسرا، حيثما اعتادت علي اللقاء النخب الاخري الموصوفة بالعليا القائدة لسياسة العالم الرسمية واقتصاده المعولم، فالمنتديان اصبحا يمثلان حقا هذه القسمة الجديدة لعالم القرن الواحد والعشرين، علي المستوي الافقي من حيث الشمول للارض قاطبة، وعلي المستوي الهرمي. هنالك اذن مشروع استقطاب كوني جديد بين حزب لجماهير العالم وآخر لصانعي القرارات فيه، او لمخططي مصائر دوله. وهو استقطاب لا يكرر ثنائية المعسكرين ابان حقبة الحرب الباردة لانه اولا لا يقوم بين حلفين عسكريين من الدول المتناقضة ايديولوجيا ومصلحيا، ولكنه يمهد لطبيعة صراع كوني غير مسبوقة لا في تكوينها او في وسائلها، وان كان هدفها قديما وعريقا قدم الحلم الانساني بعصر من المساواة والعدالة لمجتمع كوسموبوليتي ما فوق الاعراق والعقائد والدول. ولسوف يجدد مشروع الصراع الكوني من بعض المصطلح السياسي الاجتماعي التابع لقاموس الحرب الباردة. كثنائية التقدمية والرجعية، فالعالم كلما راح يتقدم بالتواصل الفكري والتقني بين عائلاته جميعا، وتتقارب الي حد المشابهة والتطابق مصالحه الجماعية، كلما راحت تتشبث امبريالية المال والتسلط السياسي بخارطة العالم القديم، وثقافة الاستغلال اللامحدود المقرون باحدث وسائل العنف الاستئصالي للاخر، مع احتكار اعلي تقنيات الفتك الجماعي، الموصوفة بأسلحة التدمير الشامل. هذه الاسلحة كانت دائما من اختراع واحتكار المتسلط الاكبر في كل عصر.

غير ان ثنائية التقدمية والرجعية تنطبق اليوم كليا علي هذه القسمة للعالم الراهن، ما بين انسانيته المتصالحة مع نفسها في ظل مدنية موضوعية تكاد تفرض مفاهيمها وقيمها علي الاغلبية العظمي من النخب الواعية عبر مجتمعات الغرب والشرق. وبين اقلية المستغلين الذين يشجعون دولهم علي انبعاث البربرية مسلحة هذه المرة بأعلي جناحين للقوة التدميرية المطلقة، المال والتكنولوجيا. فالامركة الغازية ليست وليدة اليوم، بل اصبحت تمثل اعلي تتويج لامبريالية القرن العشرين. وهي تحمل كل خصائصها بالاضافة الي كونها ليس لها اعداء يناظرون سطوتها او قادرون علي الحد من غلوائها، الا اذا تضامنت ضدها هذه القوي المعنوية الهائلة الصاعدة من قاع العالم كأول تجربة من نوعها في تاريخ الصراعات الكبري الجدية. انها جمهورية القطيع الانساني النائم والمهمش الذي آن له ان يفيق ويستغل قواه المعنوية الهائلة تلك، ويقلبها الي قوة تغيير مادية فيما سيأتي من وقائع الصمود والتصدي التي ستفرضها الرجعية البربرية من وراء ايديولوجيا الامركة وحربها علي العالم تحت دعوي اتهامه بالارهاب.

الم يسع بوش في خطابه الاخير عقب انعقاد لقاءي بومباي ودافوس، الي طمأنة شعبه والرأي العام الدولي الي ان الارهاب لم ينته، وان غزوه للعراق كان مفيدا لان ليبيا سلمت (اسرارها النووية) اليس ذلك هو صميم المنطق الارهابي المجنون الذي يبرر حربا عالمية من اجل ان تستسلم ليبيا وزعيمها القذافي لارادة امريكا وبريطانيا لم يجد بوش وكاتب خطابه المستوحي كله من آخر كتاب لمنظر العهد البوشي، وهو ريتشارد بيرل وعنوانه نهاية شر ثمة من برهان مادي يتيم، يسوغ غزوه للعراق الا الفوز بأسرار الذرة القذافية، وقد كلفت هذه السياسة خزينة امريكا خسارة ترليون جديد يضاف الي دين الدولة، اي ما قيمته الف الف مليار فقط. ومع ذلك يقول بوش في خطابه ذاك انه يستوحي سياسته من المباديء العميقة لامريكا، وانه لا يسعي الي بناء امبريالية ولا امبراطورية. كل همه اليوم ان يطور (الديمقراطية) في افغانستان والعراق.. والبقية تأتي.

من حق شعب امريكا ان يسأل رئيسه وهو يعد نفسه للبقاء اربع سنوات اخري في البيت الابيض عن مصير الديمقراطية في بلده امريكا نفسها، بعد ان فقد ثلاثة ملايين من العاملين وظائفهم خلال عهده الميمون، وانتكست ديمقراطية امريكا الشكلانية علي يد ذلك القانون المسمي بالقانون الوطني الذي يشرعن التمييز العنصري ضد العرب والمسلمين، ويبيح الرقابة علي الحريات الشخصية لمجموع الشعب الامريكي نفسه. هذا ما عدا ان جيش هذا الشعب اضحت حرفته المميزة غزو الشعوب الاخري المضطهدة، وان يعيث فسادا وقتلا وقمعا يوميا في افغانستان والعراق. فالعصر هو للديمقراطية الحقيقية وحقوق الانسان. لكن الرجعية العالمية تنطلق اليوم من معقل الدولة التي كان من المفترض ان تكون قائدة هذا التحول الكوني العظيم. كما تدعي تقاليدها المعلنة علي الاقل. لكنها مع تعميم حروب الارهاب فانها تجبر معظم حكومات الدنيا علي الحد من حريات شعوبها، واتباع القمع والاضطهاد داخليا وخارجيا. ذلك هو حزب الرجعية العالمية الذي تتزعمه ادارة بوش، وتنوي المضي في اشادة نظام عالمي جديد يكبح عصر الديمقراطية ويطيح به الي عقود اخري من استمرار منطق القوة في العلاقات الدولية، ودعم حكومات الطغيان خاصة في العالم الثالث شرط ان تعلن استسلامها السياسي كليا لزعامة الطغيان الكوني في واشنطن، علي طريقة ليبيا ومن سوف يتبعها ممن تبقي من دول الاستقلال العربي والاسلامي البائس.