شواهد التّاريخ ودروسه المستفادة لتفنيد ادّعاءات كيلروي

 

 

 

بقلم :عبد الرّحمان المرساني

 

يفاجأ العرب بين الحين والآخر بهجمة شرسة مغرضة عليهم من اعلاميّين وسياسيّين، تستهدفهم مباشرة وتنال من تاريخهم وهويّتهم وكينونتهم، فبعد اعتبار الحاخام الصهيوني بأنّ العرب هم أحفاد القردة والأفاعي ها هوّ أحد الصحفيّين والاعلاميين الانجليز وهوّ روبرت كيلروي ينصح العرب أن يحمدوا اللّه علي وجود أمريكا، ويتّهمهم بالارهاب ويصفهم بأنّهم قطّاعو أوصال بشريّة وانفجاريّون وهم الشّعب الوحيد الذّي لم يساهم في بناء دعائم الحضارة العالميّة عدي عن كونهم من مضطهدي النّساء، وحتّي البترول الذّي تتوفّر عليه أراضيهم لم يكتشفوه بل اكتشفه الغرب وقام بتخصيص استثمارات ضخمة لاستخراجه وتكريره .

وتغافل هذا الاعلاميّ عن أنّ العرب الحاليّين هم ضحيّة سّياسات ومؤامرات حيكت ضدّهم من قبل شيوخ الاستعمار تحت ذرائع واهيّة من قبيل أنّ هذه الشّعوب متوحّشة ومتخلّفة ومن واجب قوي التّنوير الأوروبيّة أن تسوقها نحو المدنيّة والتطوّر، ونعلم جميعا أنّ هذه التعلّة ماهيّ الاّ واجهة لتسويق استغلال خيرات المنطقة الطبيعيّة من موادّ أوليّة تحتاجها بلدان أوروبّا لنهضة صناعتها . فكانت معاهدات التّقسيم والتّجزئة بعد احتلال الأقاليم العربيّة تحت مسميات شتّي فتارة يسوّق هذا الاحتلال علي أنّه حماية وطورا يسوّق علي أنّه انتداب وبقي الانسان العربي يرزح تحت نير الاستغلال والصّخرة في المناجم والصّحاري وشقّ الأنفاق وخدمة السّادة الأوروبيّين في صروف من القهر والامتهان .

فكانت الرّسالة التمدينيّة الموعودة ايذانا بتهميش شعوب بكاملها وتفقيرها وتجهيلها وتشريدها والمساهمة في تخلّفها ثمّ ختمت حركة الاستعمار وخاصّة في وجهه الانجليزي نهاية عهده بالمنطقة بوعد يهود العالم بوطن لهم في فلسطين (ما اصطلح علي تسميّته بوعد بلفور) وتشجيع اليهود من كلّ أرجاء العالم الي التوجّه والهجرة نحو فلسطين .

وكان الشّعار المرفوع من قبل الحركة الصهيونيّة في استلاءها علي الأرض وتمرير مشروعها الاستيطاني عبر اعتبار فلسطين أرض بلا شعب وضروري أن يعمّرها شعب بلا أرض وكانت المأساة التاريخيّة المسلّطة علي كلّ العرب في شكل مجازر وتهجير جماعيّ وتقطيع أوصال آدميّين ودفنهم أحياء. فالأعمال التّي قامت بها العصابات الصهيونيّة أراغون وشتورن والهاجانا وما يقوم به الجيش الاسرائيلي اليوم وعصابات المستوطنين لم يشهد تاريخ البشريّة لها مثيلا في البشاعة أمّا الولايات المتّحدة الأمريكيّة فهيّ الحليف الأوّل للدّولة العبريّة تزوّدها بما تستحقّه لمزيد الامعان في قمع الفلسطينيّين واحتلال الأراضي العربيّة والابقاء علي الواقع كما هوّ وهيّ تعتبر أنّ شارون حمامة سلام وأنّ عرفات الرّئيس المنتخب من قبل شعبه ديمقراطيا، هوّالمتسبّب في التّدهور الأمني بالمنطقه وهوّ الدّاعم للارهاب . فهل بعد ذلك منطق أو معقول أو عقل أو ضمير...

يظلم العرب دائما والسّبب في ذلك نجاح اللّوبي الصهيوني في تشويه صورتهم في وسائل الاعلام وتأليب الرّأي العام الغربي عليهم ووصفهم في بعض الأحيان بالكلاب والقردة للحطّ من آدميّتهم وكرامتهم . ويتناسي الغرب والسيّد كيلروي وأمثاله أنّ خيرة أبناء هذه الأمّة ساهموا بالفكر والسّاعد في نهضة أوروبّا ويكفي للتّدليل عليذلك أنّ لنا كفاءات عربيّة في حقول معرفيّة وعلميّة عديدة كان لها دور كبير في تطوير المعارف والمنظومات العلميّة والصناعيّة. فجامعات أمريكا وأوروبّا تدين بما حقّقه لها نخبة من الأساتذة الأكفّاء اللاّمعين من أبناء هذه الأمّة، ووكالة الفضاء الامريكيّة النّاسّا لن تنسي ما قدّمه العرب لتطوير مركباتها، والانسانيّة لا تتغافل عمّا قدّمه أدباء هذه الأمّة وشعراؤها للأدب الانساني والفزيائيّين لن يتناسوا ما قدّمه العديد من العرب في تطوير النظريّات الفيزيائيّة ...

هذا عدي عن مساهمات العرب القدامي في تطوير العلوم ونقلهم لحضارة الشّرق عبر حركة التّرجمة الي الأندلس ومنها الي أوروبّا...

وتبقي مآثر العرب كثيرة وغير مرئيّة لمن يناصبوهم العداء ما دام الطّمع في خيرات أراضيهم قائما ومادام وجودهم ومقاومتهم لكلّ صنوف الاستغلال لا تثنيها أيّ ردّات فعل مهما كانت عنيفة .

لم يفهم الي حدّ الآن العديد من المفكّرين والاعلاميّين الغربيّين بأنّ من يضحّي بجسده يريد ايصال رسالة الي العالم مفادها أنّ ثمن الحريّة باهض وأنّ الأرض لا يعوّضها أيّ شيئ فالتضحيّة بالنّفس تعني بقاء المعتقدات والأفكار حيّة لتجد فيها الأجيال القادمة معينا لا ينضب، فالفلسطينيّ حرّ وسيبقي كذلك، يرضي بالاستشهاد في ساحات المعارك علي أن يستعبد من قبل أمريكا ووكلاءها والعراقيّ كذلك، لا يرضي بالاستعمار مطلقا ...

يقرّ كيلروي في مقالته بأن ّ علي العرب أن يحمدوا اللّه علي وجود أمريكا !

نعم يحمد العرب اللّه علي كلّ الأحوال، لكنّ حمدهم هذا غير موجّه للادارة الأمريكيّة اذ لايوجد كائن واحد لم تلحق به الادارات الأمريكيّة المتعاقبة ضررا مباشرا أو غير مباشر . فمن استعمالها لأسلحة البطش والفتك خلال الحرب العالميّة الثانيّة في هيروشيما وناكازاكي التّي خلّفت مئات الضّحايا وآلاف المشوّهين الذّين مازالوا يعانون من تبعاتها الي اليوم، الي اسقاط أنظمة ديمقراطيّة وتعويضها بأخري ديكتاتوريّة، الي نسج خيوط انقلابات عسكريّة عاصفة بكلّ التّجارب التنمويّة المستقلّة في العديد من بلدان العالم الي التّخطيط لاغتيّال زعماء وطنيّين، الي دوس علي القانون الدّولي والشرعيّة الدوليّة، الي تجاوز لكلّ الأعراف والأخلاق ...

أمريكا التّي حاصرت العراق وجوّعت شعبه وقتّلت أطفاله لازالت الي اليوم تلحق الدّمار بالانسان والحيوان وتمعن في اذلال عائلات بأكملها تقتيلا داخل المنازل وفي الأزقّة والشّوارع ليتكرّر السّيناريو الاسرائيلي بأيادي أمريكيّة داخل العراق .

وبعد ذلك يطلب هذا الاعلاميّ بكلّ فظاظة وغلظة أن يسبّح العرب بحمد أمريكا .

وعليه، أقول له أنّ العرب لا يعادون أمريكا كشعب، بل يحترمون فيها نضالات مارتن لوثر كنغ ويحترمون المنظّمات العاملة في مجالات البيئة وحقوق الانسان والحيوان كذلك، هم يحترمون أمريكا كمراكز بحوث ودراسات وجامعات واختراعات متنوّعة لخدمة الانسانيّة ، ولا يحترمون ما تأتيه الادارة الأمريكيّة من حيف وظلم في حقّ قطاعات كبيرة من شعوب العالم والعرب أوّل هؤلاء .

أمّا مسألة اكتشاف النّفط من قبل الغرب فهيّ كلمة حقّ أريد بها باطل، فجرّاء هذا الاكتشاف استعبدت شعوب ونهبت أوطان واستغلّت خيرات ولوّثت بحار وعطّلت شعوب عن اكتساب ناصيّة استقلالها والتحكّم في مقدّراتها فكان التربّص بها منذ سنين منصرمة بالتّخطيط لاحتلال منابع النّفط، والتّخطيط كذلك لاغتيّال زعماء أفذاذ لا يخافون في قولة الحقّ لومة لائم واغتيل آخرون عند وقوفهم ضدّ الأطماع الأمريكيّة وآخر هذه الأطماع احتلال العراق واسقاط النّظام وهدم وحرق شواهد التّاريخ من متاحف آثار ونهب مراكز علميّة وكليّات وأكاديميّات وانهاء كلّ دور لمؤسّسات الدّولة قصد افقاد الانسان العراقي معني الحياة في مجتمع منظّم، لتسود من جديد أنظمة العشيرة والقبيلة وتفسح المجال أمام عدوات الماضي ونزاعاته ولكنّ العراقي فطن لكلّ محاولات الاحتلال في اعتماده علي سيّاسات فرّق تسد فحوّل كلّ طاقاته لدحر الاحتلال من علي أرضه .

فهل أنّ مقاومة الاحتلال في ذهن السيّد كيلروي حرام أو عيب مشين ؟

فان كانت الاجابة هذه أو تلك فعلي السيّد كيلروي مراجعة التّاريخ بامعان وسيتبيّن عثراته وزلاّته ان كان لديه شيئ من النّــزاهة وسيحترم الفلسطينيّ الذّي يكافح ولا زال في ظلّ تنكّر دول العالم وغفلة شعوبه.