اكبر عدو لامريكا هو قوتها: هل يدفع ضعف بوش الانتخابي لمهاجمة سورية؟
بقلم :احمد
منصور*
سورية الاسد الشاب
تجتاز حاليا اصعب مرحلة في تاريخها الحديث بعد ان سقط النظام العراقي بسرعة اكثر
مما كنا نتوقع كالمعسكر الشرقي الذي استبقه، والغرب غدا غربين: اوروبيا وانكلوساكسونيا.
الغرب الاوروبي المناصر لامريكا ومحوره لندن ـ مدريد ـ روما.. والغرب الاوروبي
المستقل ومحوره باريس ـ برلين ـ بروكسل.. والذي لا تتعارض اهدافه مع الولايات
المتحدة فيما يخص العراق بل في الوسائل المطلوبة المعتمدة علي القانون الدولي
ومؤسسات الامم المتحدة. فالجميع من حيث المبدأ كانوا ضد نظام الرئيس العراقي
السابق ومن غير المعارضين لاسقاطه ورغم التفرد الامريكي في احتلال العراق فان
الجميع عموما لا يريدون هزيمة للولايات المتحدة فيه لان ذلك بمثابة هزيمة كبري
للغرب بشكل عام. وهذا ما يشكل كارثة برأي كيسنجر ومعظم المفكرين الاستراتيجيين
والمسؤولين الكبار في الدول الغربية.
غير ان المطلعين من
الغرب علي المخطط الامريكي لن يكونوا سعداء في حال نجاحه علي المستوي العراقي، لان
ذلك ليس سوي خطوة اولي رئيسية من خطوات تقتضي السيطرة علي الشرق الاوسط: من المغرب
الي الحدود الصينية للسيطرة علي النفط بالدرجة الاولي وعلي الامتداد الاستراتيجي
وجعله امتدادا للولايات المتحدة الامريكية علي الجهة المقابلة لها من الجانب الاخر
في الكرة الارضية، فتصبح طيفها المنعكس علي العالم القديم كمنطقة صناعية تجارية
تقوم علي الكفاءات العلمية الموجودة علي الارض وكذلك علي الايدي العاملة الرخيصة
وفي الوقت نفسه تشكل الاذرعة الامريكية المتقدمة نحو الصين وروسيا والهند واوروبا
والويل لمن تسول نفسه الوقوف في وجهها انها تريد ان تكون القوة الاعظم ليس لبضع
سنوات آتيات بل خلال قرن من الزمن علي الاقل. وفي هذا المدي الحيوي او الفراغ
الطويل الشاغر لن تسمح الولايات المتحدة لاية قوة ان تقف عائقا امام مشروعها هذا. فالعراق
محتل وايران محيدة بنسبة كبيرة وذلك بعد ان استجابت لتجريد نفسها من طموحاتها
النووية، واستراقت الي غزل الغزل علي مغزل الزلازل الذي فعل فعله في النفوس، وافغانستان
في الجيب وباكستان لن تعارض. والعائق الباقي في الميدان فقط هو سورية المنفردة
التي لا ظهير لها سوي التنسيق الرسمي الهش مع جارتها اللبنانية الشقيقة. ناهيك ان
العلاقة الاستراتيجية بين ايران وسورية ليست في احلي حالاتها، وقانون محاسبة سورية
الامريكي واستعادة سيادة لبنان أقر باكثرية ساحقة في مجلسي الكونغرس الذي توج
بمصادقة الرئيس بوش الابن كسيف ديموقليس المسلط علي عنق سورية.
امام هذا الضغط اتجه
الاسد الابن الي اقتداء سياسة والده الصداقية والاستراتيجية علي صعيد العلاقات مع
الخارج ففتح الخط سابقا علي انكلترا بعد فرنسا ومع المانيا وكذلك مع اسبانيا
واليونان واخيرا مع جارته اللدودة القريبة تركيا. وقد كان دائما علي اتصال مع
الاكراد العراقيين والمعارضين العراقيين الذين اصبحوا في السلطة وما نسي شيوخ
العشائر في العراق.. لقد قام بكل ذلك لعدم عزل سورية ولتحقيق الكابوس الامريكي
المتواصل والآخذ شكل الاوامر التي لا تقبل الجدل بل التنفيذ وبسرعة البرق والا
الويل والشرور وعظائم الامور، وزاد علي ذلك كله بدعوته اسرائيل الي العودة
للمفاوضة. وسورية ـ في وجهة نظر امريكا ـ يجب ان تنسي دورها العربي، وعليها ان
تكون رديفا مساعدا لامريكا للسيطرة علي العراق بشكل محكم وهي الاكثر اهلية لهذا
الدور لالف سبب وسبب، وعليها ان تعيد مليارات الدولارات التي تعتقد بأن الرئيس
العراقي السابق اودعها في مصارفها وعليها كذلك اقفال المكاتب الفلسطينية وختمها
بالشمع الاحمر وقطع العلاقة مع الانتفاضة الفلسطينية وقطع علاقاتها مع حزب الله
اللبناني وتجريده من سلاحه واجلاء جيشها من لبنان وعدم معارضة توجه الجيش اللبناني
الي حدوده مع دولة اسرائيل وعدم التلفظ بكلمة عربي وعروبة وقومية عربية.. وكذلك
اخذت تستعرض المعارضة السورية الضعيفة الممزقة في بعض منابرها. وطالبت سورية
بالتصريح عن كل ما تملكه من اسلحة الدمار الشامل وان تتعض بتجربة ليبيا وايران
والا فالعقاب علي الابواب وان لا فاسرائيل جاهزة لاجتياحها واسقاط نظامها.
ان سورية والحالة هذه
في وضع لا تحسد عليه علي الاطلاق فمصر اصبحت منكفئة والاردن عاد الي ما كان عليه،
والسعودية في معمعة تنفيذ المطالب الامريكية من جميع الاشكال. والسلاح السوري
متخلف امام السلاح الاسرائيلي فكيف به امام الامريكي؟
ان الوضع السوري في
الواقع كوضع المحكوم بالاعدام والذي لا يعرف متي سيكون التنفيذ. ولن يرفع السيف عن
العنق الا اذا وافقت سورية علي كل ما تريده امريكا وبظهرها اسرائيل فالحوار الذي
يريده السوريون مع امريكا تعتبره امريكا اضاعة للوقت وتسويفا من الجانب السوري،
وامريكا التي تدفعها اسرائيل المستعجلة في امرها لا تريد ان تمتد المقاومة في
العراق فتكون الكارثة التي تتجاوز مثيلتها الفيتنامية التي ما صدق الامريكيون ان
نسوها في رمال الكويت والعراق افغانستان. والاسرائيليون يكادون لا يصدقون ما يرون
بأن وحدة عربية وعروبة وقومية عربية وعالما عربيا كلمات اختفت من القاموس اليومي
واصبحت الدولة القطرية هي سيدة المواقف لا تفكر الا بمصالحها فقط فاللهم نفسي وليكن
ما يكون. فكأن ما يجري في فلسطين وموريتانيا والعراق يجري في هونولولو وبلاد الماو
ماو الاسكيمو، واسرائيل في موقع المنتصر الاكبر الذي تحارب امريكا عنه وهي لا تريد
اضاعة فرصة الانتصار الكامل بل المطلق.. اذن فلتتنازل سورية عن اسلحتها الكيمياوية
والبيولوجية وجيشها وبعدها تسقط كثمرة التين المستوية.
فما يمنع اذن من
اضافة الف ومئتي وحدة سكنية في الجولان التي غدا فيها المستوطنون اكثر من
المواطنين، ولقمة العراق اصبحت في الفم وامريكا لا تستطيع التراجع بأي شكل من
الاشكال حتي ولو كلفها ذلك عشــــرات الالاف من القــتلي؟ وما كل ما يقال عن
انتخابات حزيران الـــــقادم او نقل السيادة الي العراقيين، وكذلك ما يطلقه وزير
خارجية المكر البريطاني من تصريحات بان امريكا ستغادر بعد سنتين او ثلاث ليس سوي
مخدر للعراقيين ريثما يتجذر الوجــود الانكلوساكسوني بشكل اساسي وكلنا نعلم ان الجيش
الامريكي ما زال في اليابان والمانيا منذ ستين عاما من انتهاء الحرب العالمية
الثانية.
صحيح بانه ليس
استعمارا تقليديا الا انه سيستمر في العراق والمنطقة بشكل او بآخر بحيث لا يهدد
احد مصالحه في القرن الجاري علي الاقل.
سورية تعرف انها لا
تستطيع مواجهة امريكا او اسرائيل عسكريا سيما في الظروف الحالية فهي مضطرة للمرونة
وتنفيذ ما امكن بالشكل الذي حفظ لها كرامتها وموقعها في المنطقة.
لقد قدمت الالاف من
الوثائق بخصوص القاعدة والاسلاميين الي الامريكيين وجمدت نشاط المكاتب الفلسطينية
واخذت تراقب الحدود مع العراق وتفعل ما تستطيع لردع التسلل وايقافه الا ان كل ذلك
لا يكفي بالنسبة لامريكا فالمطلوب ان تستنفر سورية كل امكانياتها في خدمة المخطط
الامريكي في جميع المجالات وعلي الطريقة الكويتية والكردية والا فالعقاب مخيم علي
الرقاب.
ان اكبر عدو لامريكا
هو قوتها. وقوتها هي ضعفها في نفس الوقت. ولو تحامقت امريكا واجتاحت سورية فان ذلك
ليس بالصعب علي ماكينتها الحديدية النارية، الا ان السيطرة علي البلد وفرض السلطة
التي تريدها ليستا بالامر السهل فمن سيكون البديل؟ هل ايصال الاسلاميين الي السلطة
سيكون من مصلحة امريكا؟ ان اي عاقل لا يستطيع تصور ذلك.. علما ان الشعب السوري
بمجموعه يعادي امريكا واسرائيل قبل وبعد ظهور الدولة السورية ولو نفذ الامريكيون
هذا المخطط فلن يقف احد امام امتداد المقاومة العربية الاسلامية من جنوب لبنان حتي
تخوم الصين وهنا ستتضعضع قوة امريكا وجبروتها فكأنما تحفر قبرها بأظافرها والدولة
السورية لن تغدو كالغبار فهي بالطبع ستكون آخذة كل الاحتياطات اللازمة لتبقي تحت
الارض وفوق الارض مستمرة في دورها المرسوم ولكن في هذه الحال بشكل اقوي علي صعيد
المقاومة لان الاحتلال الامريكي سيريحها من كل ضغط قانوني دولي.. ومن هنا علي
امريكا ان تعد الي المليار قبل ان يتحرك جندي لها باتجاه الحدود السورية. وما
تجربة المقاومة اللبنانية سوي اكبر مثال علي ذلك، فلو كان في لبنان حكم مركزي وجيش
قوي ودولة قوية لما كانت المقاومة الوطنية او الاسلامية اللبنانية نشأت ولا طردت
الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان كالارانب والفئران..
عندما تتجسد المواجهة
المباشرة فالتكنولوجيا تسقط وصاحب الارض صاحب الحق هو الاقوي وهو الابقي في
المواجهة مع المحتل الغريب الذي دفعه الخداع والنفاق الي محاربة الاخرين.
ان تهديدات امريكا
لسورية مستمرة واتصالاتها الدبلوماسية بها مستمرة، ولكن امريكا لا تحسن الاصغاء
الي الاخر. فهي دائما تتصرف تصرف الآمر والاقوي وهذا ما دفع وزير الخارجية
الامريكية الاسبق جيمس بيكر ايام بوش الاب في حديثه مع رولان ديماس وزير خارجية
فرنسا انذاك الذي امتد عدة ساعات فتبرم بيكر وصرخ قائلا في وجه ديماس اريد ان افهم
شيئا واحدا هل انتم مع العراق ام ضد العراق.. فالجواب طبعا كان بحكم التحصيل
الحاصل ولو دون كلام.
الرئيس بوش الابن
مستعجل لان الانتخابات الرئاسية علي الابواب وتصاعد المقاومة في العراق سيكون
المانع الاكبر لتجديد رئاسته التي سيدفع ثمنها من دم العراقي والفلسطيني والسوري الي
اسرائيل، وان لا فسيكون هناك ديمقراطي اخر في الانتظار يوفر لاسرائيل ما لا يوفره
بوش الابن وجوقته اليمينية الصهيونية المحافظة.
يقول المثل الامريكي:
تستطيع ان تكذب علي بعض الناس بعض الوقت وليس كل الوقت والحصان تستطيع ايصاله الي
الماء ولكن لا تستطيع اجباره علي الشرب .
فهل سيدفع ضعف بوش
الي مهاجمة سورية ليكتب نهايته بنفسه وليبدأ تاريخ المنطقة العربية الاسلامية انئذ
من جديد؟
تلك هي المسألة
والحماقات الامريكية دائما حبلي بالمفاجآت ومنطقة الشرق الاوسط المعقدة لا يمكن ان
تطير اليها بافكار بسيطة، وان الرئيس الاسد لن يكون زعيما منبطحا اخر ولا السوريون
اكراد امريكا الجدد.
-------------------------------
* شاعر من لبنان يقيم في
باريس