بشري للمنطقة: نظام الكفيل ينتقل من دول الخليج إلي العراق!
بقلم :بنعيسي
عبد السلام
حكم صدام حسين العراق
بقوة الحديد والنار، كان لا يقبل بوجود أي معارضة لنظامه في الداخل، الذي كان يهمس
بمجرد انتقاد بسيط لكيفية تدبير الشأن العام العراقي كان يقتل أو يجد نفسه في
غياهب السجون، كانت سعة السجون العراقية كبيرة جدا، ولقد كان يتعين عليها أن تكون
كبيرة لكي تستوعب الطاقة القمعية التي ظل النظام ينتهجها كأسلوب وحيد للحكم. سعة
السجون العراقية هذه في عهد صدام حسين والتي صارت بذكرها الركبان لم تتحمل العدد
الهائل من العراقيين الذين تم اعتقالهم من طرف قوات الإحتلال الأمريكية عقب غزوها
للعراق، ولذلك لم يجد الحاكم المدني للعراق بول بريمر من خيار بعد هذا الإكتظاظ
المفرط للسجون العراقية بالمعتقلين ســوي السعي للإفراج عن بعضهم.
لقد قرر اطلاق سراح
من اعتبر أن أياديهم غير ملطخة بدماء الأمريكيين وممن لم يشاركوا في أعمال عنف، أي
أولئك الأبرياء الذين مع ذلك تم اعتقالهم لمجرد الظن و الإشتباه. فهؤلاء قرر بريمر
الإفراج عنهم، ولكنه اشترط علي كل واحد منهم قبل إطلاق سراحه، الحصول علي كفيل له
من وجهاء العشائر أو من علية القوم لكي يضمنه ويكون مسؤولا عنه أمام سلطات
الإحتلال حتي لا يقوم بأفعال لا ترضي القوي المحتلة للعراق، وإذا تعذر علي من هو
مرشح للإفراج عنه الحصول علي كفيل فإنه سيظل قابعا في السجن، أما إلي متي فعلم ذلك
عند السيد بريمر وعند الله الواحد القهار، وبسبب استحالة تحقيق هذا الشرط العجيب
والغريب مازال في السجون العراقية الآلاف من العراقيين الأبرياء، هذا إذا سلمنا
بوجود عراقيين مذنبين لأنهم قرروا مقاومة الغزاة المحتلين..
الواضح أن سلوك
الحاكم المدني هذا يتنافي مع حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ولا يحترم
الحد الأدني من المعايير الكونية لدولة الحق والقانون التي بشرتنا الإدارة
الأمريكية بإرساء أسسها في العراق لكي تكون منطلقا يعم إشعاعها باقي دول الجوار،
ففي دولة الحق والقانون لا يمكن لأي سلطة مهما كانت طبيعتها اعتقال شخص لمجرد الظن
أو الإشتباه وتركه في السجن لشهور طوال، ثم فجأة يقرر مسؤول ما الإفراج عنه
لاعتبارات تخصه، حق الفرد في التمتع بحريته في الدول الديمقراطية حق مقدس، ولا
يجوز المساس به تحت أي مبرر من المبررات، وكل من يتعرض للإعتقال، يتم ذلك وفقا
لمسطرة قانونية واضحة ومضبوطة، وفي فترة زمنية قصيرة ومحددة بالقانون، ويحال علي
إثرها علي المحكمة التي تقرر في أمره إن كان يستحق السجن أم الإفراج عنه،
والأولوية تكون دائما للإفراج وليس للسجن.
الأمر علي ما يبدو
مختلف حاليا في العراق، فالجيش الأمريكي يعتقل العراقيين بالآلاف ويضعهم في السجون
بالجملة دون تهم محددة، وعندما تتكاثر أعدادهم وتصل إلي أرقام فلكية، ومن أجل
التوظيف السياسي والدعائي يقرر السيد بريمر إطلاق سراح البعض منهم ولكن بشروط
تعجيزية يصعب الإستجابة لها وتتنافي مع الكرامة الإنسانية التي وعدت الإدارة
الأمريكية بأنها ستكون مكفولة للعراقيين في ظل الإحتلال. الكرامة الإنسانية تقتضي
الإيمان بالمساواة بين بني البشر، وأن لا فرق بين الوجهاء والبسطاء من المواطنين،
وأن للجميع نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، وأن مواطنة المواطن هي التي تضمن له
الحق في الحرية وأن لا يعتقل أو يسجن إلا بموجب القانون.
ولكن يبدو أن حرية
العديد من العراقيين أصبحت في ظل الإحتلال مرهونة بإرادة الوجهاء من العشائر،
فالذي يريد له الوجهاء أن ينعم بحريته فإنهم سيتكفلون به وسيخرجونه من السجن، وقد
يتوسطون من أجله لدي سلطات الإحتلال للحصول علي عمل أو لممارسة التجارة وللإندماج
في الدورة الإقتصادية للإحتلال، أما من لا يقبل الوجهاء بتوفير الكفالة له فإنه
سيظل قابعا وراء القضبان، وعلي أسرته وذويه أن يتوسلوا الوجهاء ويترجوهم التفضل
بقبول التبرع بالكفالة علي القريب المحشور في السجن لكي ينعم بحريته ككل الذين
سبقوه لذلك، وعلي هذا الأساس فإن المجتمع العراقي سيصبح تحت رحمة وجهاء العشائر
لكي ينقذوه من سجون الإحتلال، والمتوقع في ظل هذه الأوضاع أن سلطة الوجهاء ستتقوي
وسيتمكنون من إحكام السيطرة علي العراقيين، فلقد أصبحت لهم القدرة علي الإخراج من
السجون بتوفير الكفالة، وحشر المواطنين فيــها بسحب الكفالة عنهم.
ولاشك في أن الذي
يخرج من السجن بكفالة أحد الوجهاء سيظل يخضع لنوع من التبعية للذي وفر له الكفالة
وأخرجه من خلف القضبان، فالفضل في الحرية التي ينعم بها يعود للكفيل وليس للقانون،
فالمجتمع العراقي يعيش سطوة فئة اجتماعية التي هي فئة الوجهاء علي أغلبية
المواطنين العراقيين وذلك بتزكية من قوات الإحتلال الأمريكية وضدا من القانون كما
هو جار به العمل في جميع أنحاء العالم.لقد قسمت إدارة الإحتلال بإجرائها هذا
المجتمع العراقي إلي طائفتين، طائفة الوجهاء التي لها الحظوة والتقدير من
الأمريكان، وكلمتها مسموعة ورأيها مصان، وطائفة البسطاء من العراقيين المشتبه فيهم
والمعرضين للقمع والسجن والإعتقال والذين عليهم القبول بالخضوع للإحتلال وبوصاية
الوجهاء وكأنهم قصاري العقول.
لا نظن أن بول بريمر
سيقبل لنفسه التعامل بنظام الكفيل الذي يعامل به العراقيين، لانعتقد أنه يرضي أن
يتكرم عليه واحد من أغنياء واشنطن أو نيويورك أو تكساس بإخراجه من السجن بأن يكون
كفيلا له، فهذا أمر غير معمول به في أمريكا وفي كل الدول التي تحترم فيها حقوق
الإنسان، لأنه ليس لأي كان سلطة تضعه فوق الناس وخارج القانون، فنظام الكفيل نظام
لا تنطبق عليه المواصفات القانونية التي توفر كامل الضمانات لعدم الإعتداء علي
حقوق الإنسان، فالذي خرج من السجن في العراق بكفالة أحد الوجهاء من العشائر شخص
سيعتبر محظوظا، لأنه شاءت له الصدف العثور علي كفيل..
أما العراقي الذي لم
يتمكن من العثور علي كفيل وما زال إلي اليوم في السجون، فاستمراره رهن الإعتقلال
هو ظلم وتعسف حتي بمنطق الإحتلال، فعدم وجود كفيل للذي مازال وراء القضبان ليس
ذنبا ارتكبه السجين، إنه ضحية لوضع ليس مسؤولا عنه، فإذا لم تجد أســــرته من يوفر
له الكفالة للخروج من الســـجن فإن هناك أسبابا كثيرة يمكن إدراجها لتعذر العثور
علي الكفيل المطلوب، لا يمكن لوجهاء العشائر أن يوفروا الكفالة لكل المعتقلين
العراقيين، فهــــؤلاء عددهم كبير، وتوفير الكفالة تتــــرتب عليه التزامات تصل
إلي حد تحمل المســــؤولية فيما يرتكبه الشخص المفرج عنه في المستقبل من جنايات،
ومن المتوقع أن يتخوف الوجهاء من تحمل تبعات أفعال أشخاص ليس لهم بهم علاقات متينة
خصوصا في ظروف الإحتلال.
إدارة الإحتلال تريد
أن تحول بطريقة غير مباشرة وجهاء العشائر العراقيين إلي متعاونين مع المحتلين،
فالذين يوفر الوجهاء لهم الكفالة للخروج من السجن يصبحون تحت عهدتهم وعلي
مسؤوليتهم، ويضطرون لمتابعة أنشطتهم وتحركاتهم، وقد يبلغون عنهم في حالة ما إذا
كانوا ينوون القيام بأفعال مناهضة للإحتلال، وبذلك يصبح الوجهاء وشاة، فالمحتل
يضعهم في ورطة، فإما التعاون معه بالوشاية بالأشخاص الذين يقعون تحت كفالتهم، أو
السكوت عن سعي هؤلاء المشروع لمقاومة المحتل مما قد يفسر بأنه دعم للمقاومة وإسناد
لها.والراجح هو أن إدارة الإحتلال تريد من وراء هذه الخطوة أن تجعل من الوجهاء
حشدا من الوشاة لها، علما بأن فيهم المناضلون والشرفاء والكرماء والذين لا يرضون
باحتلال بلدهم من طرف الأمريكان والإنكليز..
القوات الأمريكية
تقول إنها جاءت إلي العراق من أجل دمقرطته وتحديثه والخروج به من عصر الظلمات إلي
عصر الأنوار، ومن الجاهلية والتوحش إلي المدنية والتحضر، ولكن المعروف هو أن نظام
الكفيل نظام عتيق ومستمد من عصور التحجر والإنغلاق والإستبداد والعشائرية التي
تتنافي مع الحداثة والعراق الجديد الذي يزفه إلينا كل يوم إعلام أعضاء مجلس الحكم
الإنتقالي، لقد كان المنتظر من الإدارة الأمريكية انسجاما مع خطابها الإعلامي أن
تضع قطيعة وحدا فاصلا مع كل ما يرمز إلي العهد القديم الذي تقول إنها خلصت
العراقيين منه، وأن تبادر إلي احتضان وتشجيع المؤسسات ذات الطبيعة الحداثية من قبيل
الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، وأن تعتمد عليها في المساهمة في إنجاز
برنامجها التي تزعم أنه يهدف لإعادة إعمار العراق، وأن تتقيد في كل تصرفاتها
بالقانون.
غير أنها بدل هذا
ترتد بالعراق إلي عهد ما قبل الدولة العراقية الحديثة، إلي العصر الذي لم يكن فيه
أي وجود للمؤسسات، و كأنها تريد أن ترسخ بذلك في ذهن الجميع عدم وجود أي شيء يعتد
به ويعتمد عليه في العراق، فالأمريكيون هم الذين يدربون أفراد الشرطة و الجيش
العراقي الذي وقع إنشاؤه في ظل الإحتلال، وفي هذا السياق تم كذلك إيفاد مجموعة من
الأطر العراقية إلي الأردن للتدريب علي أداء الوظائف الديبلوماسية.. فالدولة في
العراق، وفقا لهذه النظرة الأمريكية تنشأ من العدم، ولذلك لا بأس إن تم اللجوء إلي
العشائر والإعتماد عليها وتوريطها في توطيد الأمن عوض أن تكون الكلمة في هذا الباب
للمؤسسات الحديثة التي تشرك المواطن وتعتمد علي مواطنته في تحقيق الإستقرار للعراق.
لقد فشلت القوات
الأمريكية في كل شيء في العراق، فلقد احتلت البلد وقالت إنها قامت بذلك من أجل
تخليصه من الديكتاتورية وجلب الديمقراطية إليه مع ما يعني هذا من قبول بالتعددية
وبالحق في الإختلاف، وبممارسة المواطن العراقي لسيادته بالتصويت في انتخابات حرة
ونزيهة لاختيار من يحكمه ويمثله، ولكن هاهي القوات الأمريكية ترفض اليوم إجراء
الإنتخابات وتلتمس لنفسها الأعذار والمبررات في عدم قبولها الإحتكام لإرادة الشعب،
ولقد زعمت أنها ستنقل الشعب العراقي من الحكم الفردي والمزاجي إلي الحكم بالقانون،
غير أنها اليوم تعتقل الناس بالجملة وتحتفظ بهم لشهور قيد الإعتقال من غير أن توجه
لهم تهما محددة ولا تقدمهم حتي لمحاكمات صورية، وحين يعن للحاكم المدني الإفراج
عنهم يقوم بذلك من غير أن تقع مساءلة الجهات التي اعتقلتهم عن أسباب ومدة الإعتقال.
وحتي النظام القديم
الذي أسقطه الأمريكان أصبحوا حاليا يعودون إلي الآليات التي كان يعتمد عليها في
إحكام السيطرة علي الشعب العراقي ومن بين هذه الآليات الإعتماد علي عناصر من
مخابراته وعلي نظام العشائر والقبائل والوجهاء والوسطاء لتوفير الأمن للمحتل تماما
كما كان يفعل صدام حسين إبان حكمه.
الآلة الإعلامية
الأمريكية كانت قبل غزو العراق وفي لحظة الإنقضاض عليه تردد علي مسامع العالم
أسطوانة أن العراق سيتحول إلي البلد النموذجي من حيث الديمقراطية والتعددية
واحترام حقوق الإنسان والإنضباط للقانون، وأنه سيصدر هذه القيم إلي الدول الخليجية
المجاورة له، غير أن شجرة الحياة خضراء بخلاف النظرية التي تبقي دائما رمادية كما
يقال، فالعراق في ظل الإحتلال وفي عهد الحاكم المدني بول بريمر استورد من دول
الخليج نظام الكفيل، هذا النظام الذي تشتكي منه كل الدول التي تصدر العمالة
الرخيصة لدول الخليج، فعوض أن يكون العراق مصدرا للقيم الديمقراطية لدول الخليج
كما رددت ذلك علي مسامعنا أبواق الدعاية الأمريكية، العراق أصبح يستورد من هذه
الدول أنظمة قانونية غاية في التعسف وفي الإكراه وفي المس بحقوق الإنسان.
ولقد كان هذا أيضا
برهانا آخر علي الفشل في العراق، وطبعا فإن المعني بالفشل في بلاد الرافدين
والمقصود به هي قوات الإحتلال والبرامج التي زعمت أنها ذهبت لتنفيذها هناك، فهي في
الحقيقة ذهبت لنهب ولاستغلال ثروات العراق وسوف لن تنشغل بمصير أبنائه عقب
استنفادها لخيراتهم، بل لن تنشغل بمصير كل المنطقة إذا صارت أراضيها لا تحتوي علي
الغاز وعلي البترول.