أميركا تريدها اداة لإرهاب العالم وحماية المجرمين الحقيقيين

محكمة جنائية دولية أم محكمة لحماية المجرمين؟

 

 

 

بقلم :د. أكرم عبدالرزاق المشهداني*

 

بقيت فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية تعمل علي وفق القانون الجنائي الدولي، تشغل فكر وبال رجال القانون والسياسة والمهتمين بحقوق الإنسان في العالم أمدا طويلا، بعد أن تكاثرت الحروب والصراعات المسلحة وما يرافقها من إقتراف جرائم الإبادة الجماعية والظلم و إرهاب السلطة الغاشمة.

و قد ظهرت فكرة المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة عام 1474 لمعاقبة جنود (بيتر فون هافنباغ) الذين قتلوا وأغتصبوا المدنيين الأبرياء في الإمبراطورية الرومانية. وتجددت الدعوة لها بعد إنتهاء الحربين الكونيتين. وقد قدمت ما تزيد عن الـ(350) وثيقة علي مدي المائة عام المنصرمة تنادي بوجوب إنشاء هيئة قضائية دولية مستقلة للنظر في قضايا الأجرام الدولي، وخاصة جرائم الإبادة الجماعية للجنس البشري، و جرائم الحرب والإرهاب و غيرها من الجرائم المماثلة. و حاولت عصبة الأمم في عام 1937 أن تنشئ محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحروب، إلا أن صيغة المعاهدة المطروحة آنذاك لم تحصل عليها موافقة الدول كلها، مما عكس عزوف الحكومات المهيمنة آنذاك عن العمل من أجل إقامة محكمة دولية و بخاصة القوي الاستعمارية الغاشمة التي تريد أن تبقي بمنأي عن كل مساءلة جراء ما ترتكبه من أفعال في الحروب والفعاليات المسلحة التي تقوم بها.

وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بأنتصار الحلفاء، تم إنشاء محكمتين عسكريتين دوليتين لمحاكمة ما يسمي بـ (مجرمي الحرب) في نورمبرغ و الشرق الأقصي، وإن كانتا تمثلان شكليا خطوة بأتجاه إقرار فكرة المحاكم الجنائية الدولية، إلا أنهما في الواقع تمثلان إستمرارا لتكريس هيمنة القوي الغاشمة التي تريد أستثمار مكتسبات ونتائج الحرب الثانية لتمرير أهدافها والأنتقام من القوي المضادة المنهزمة بالحرب، وتحديدا اليابان وألمانيا، متناسين ومتغافلين عمدا ما ارتكبه الحلفاء أنفسهم من جرائم ضد البشرية وضد القانون الدولي أبان الحرب الثانية وبخاصة جرائم إلقاء القنبلة الذرية علي الأبرياء في هيروشيما وناغازاكي و أبادة أسري الحرب الألمان و قصف المدن الألمانية الآهلة والمكتضة بالسكان أبان الحرب.

أن الأزدواجية في المعايير والمصلحية والأنانية التي أتصفت بها القوي الغاشمة قد أفقدت فكرة المحكمة الجنائية الدولية من محتواها الإنساني والقانوني، وعكست عدم المساواة في تعامل المجتمع الدولي، وجعلت الكثيرين ينظرون بعين الريبة والشك والتردد في مساندة فكرة المحكمة الجنائية الدولية، ويدلل علي ذلك الموقف الأميركي والصهيوني تجاه اتفاقية روما لعام 1998 الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، و التي توجت جهود عقود عديدة من المناقشات والدراسات، وكان ميثاق المحكمة المذكورة قد أصبح نافذ المفعول في 11 نيسان 2002 بعد أكتمال تصديق (60) دولة علي الميثاق، وهو العدد الأدني المطلوب حسب الأتفاقات الدولية. وأبتداء سيكون الميثاق ملزما للدول المصادقة والموقعة عليه و بموجبه تخضع جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد البشرية وجرائم الحرب و جرائم التطهير العرقي الي أختصاص التحقيق والمحاكمة من قبل المحكمة الجديدة التي ستبدأ نشاطاتها من مدينة (لاهاي). وتقوم الأمم المتحدة بأختيار رئيس الإدعاء العام ومساعديه الأربعة إضافة إلي أنتخاب 18 قاضيا. ويمثل الموقف الأميركي من موضوع المحكمة الجنائية الدولية قمة النفاق السياسي وإنعدام الأخلاق في تعامل الإدارة الأميركية مع دول العالم ومنظماته الدولية، رغم أنها كانت في مقدمة المنادين والمتحمسين لفكرة إنشاء المحكمة وأوحت لمختلف دول العالم انها المساند والداعم لها، نجدها - في وقت التوقيع - لا توقع ولا تصادق عليها، لكنها تحث الدول الحليفة والتابعة علي الإنضمام، ثم كانت المناورة الخبيثة في استحصال قرار من مجلس الأمن الدولي بعدم جواز محاكمة الجنود الأميركان امام المحكمة عما يقترفوه من جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية، والسبب الحقيقي في هذا الموقف المنافق هو الخشية من تعرضها للمسائلة والمحاكمة عن جرائمها التي أقترفتها وتقترفها كل يوم في العالم، ولكي تبقي جرائم الكيان الصهيوني في منأي ومأمن من المحاكمة والعقاب.

أن مصداقية المحكمة الجنائية الدولية، التي أنبثقت بعد مائة عام من الجهود الفكرية والقانونية، ستكون علي المحك الحقيقي، لتثبت للعالم فيما أذا كانت فعلا ليست وريثا أو نسخة محدثة بصياغة أستعمارية جديدة، لمحاكم أخري سبقتها كانت أداة بيد القوي الغاشمة المنتصرة في الحربين الكونيتين من أجل الأنتقام وقهر أرادة الشعوب، وفي ذات الوقت التغافل عمدا عن جرائم أرتكبتها وترتكبها القوي الغاشمة ذاتها، وخاصة جرائم الحرب التي أقترفتها وتقترفها القوات الأميركية في أنحاء عديدة من العالم (كما في العراق وأفغانستان وغيرهما) وكذلك جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني المجرم بدعم مفضوح ومعلن من ألإدارة الأميركية، وأذا كانت المحكمة الجنائية الدولية تمثل نقلة حقيقية في مسيرة العدالة الجنائية الدولية، وتريد أن تثبت أنها جاءت إستجابة لمطالب المجتمع الدولي، فلتبدأ بمحاكمة المجرمين جورج بوش الأب والأبن وباول وشوارزكوف وشارون وباراك ونتنياهو وشامير وغيرهم من مجرمي الحرب في أدارتي الشر الأميركية و الصهيونية ومن كان من أعوانهما وأذيالهما عما أقترفوه من جرائم حرب طالت المدنيين والأبرياء، وبخلاف ذلك فأنها سوف (تثبت) بالدليل القاطع، أنها لم تقم لحماية وأقرار العدالة الجنائية الدولية والدفاع عن حقوق الإنسان و القصاص من مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الإنسان، وأنما قامت لحماية المجرمين الحقيقيين.

 

------------------------------------

* العميد السابق لكلية الشرطة في العراق