لماذا يخاطب العربُ الغربَ وهو في صمم؟
بقلم :د. عزالدين
عناية
تتميز إنتاجات العقل
العربي الحديث في جل تفرعاتها، بمحلية الخطاب وداخلية الرؤية، سواء أكان عبر وسيلة
اللسان المعبر به أو في بنية الفكرة المطروحة. الأمر الذي لم يجعل أصداء هذا الفكر
تتجاوز عتبات البيت، ولم يخرج خطابه إلي الرحابة الكونية المرجوة. فهناك عديد القضايا
الإنسانية العادلة والمعقولة في الداخل، تتحول فجأة في الخارج إلي غير ذلك. فالفكر
السائد قد قصر في التعبير عنها بالطريقة المرجوة، ولم يوفق في تصديرها وإيصالها
للوعي العالمي، وللوعي الغربي بالذات، صاحب السطوة الكونية في ذلك. ولذلك يظل
العقل العربي مرابطا بالداخل وغافلا عن جدل المحلي مع الكوني، مما يحكم علي تطلعات
إرادته حتي الراهن الحالي باللافاعلية وبقاؤها عند حد الاستبطان الداخلي، ما لم
يول في ذلك اهتماما بالأدوات والمناهج التي تجعل الخطاب كونيا ومؤثرا.
ورأينا أن العقل
العربسلامي لن يبلغ مناه في تصدير قضاياه، إلا متي تضافرت عوامل متنوعة، منها
صياغة فكره في وفاء لبنيته الحضارية أساسا، والذي لا يتأسس علي وفاء عاطفي أو
نرجسي كما يتبادر للبعض، بل ينبغي أن تنبني الرؤية فيه علي تعامل، فيه من الشجاعة
الاجتهادية والأصالة التنظيرية التي يؤسس فيها العقل أطره المنفتحة علي الإنساني
والكرامي. واللافت للنظر مما سلف من التجارب السابقة، أن النبي محمد (ص) كان منذ
البواكير الأولي لدعوته، منخرطا بوعيه وفكره في الصراعات العالمية ومساراتها
والبحث عن استخلاص نتائجها، لما قدره من تواجد علاقة جدلية بين المحلي والكوني،
وهو ما لخصته الآيات القرآنية في مستهل سورة الروم: ألم غلِبت الروم في أدني الأرض
وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح
المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم .
فعديد القضايا
الاجتماعية والإشكاليات الحضارية والسياسية للعقل العربي حاضرة في الغرب، ولكن
بشكل مشوَه ومتناقض ومتضارب، لا لشيء إلا لغياب شروطات العرض الصائبة لها في سوق
الأفكار، سواء عبر ترجمة النصوص الأصلية الشارحة لها، أو عبر المقال الصحافي الحي،
المصحح أو المعبر عن موقف ما، أو عبر الحضور المباشر للكاتب أو الفنان أو عالم
الدين. الأمر الذي انعكس اختزالا سالبا ومجحفا عن كل ما يعبر عن طروحات الشخصية
العربية وقضاياها في التصور الغربي. وتبدو تلك النظرة ناشئة أساسا من تدني الفعل
العربي علي المستوي الموسع وتركز الرؤية داخليا لديه.
ذلك الوضع المتلخص،
في تواجد قضية عادلة، لكن عجزت فيها الذات الجماعية عن تقديمها ضمن شروطها
المعرفية والأداتية اللازمتين، مما أثار مناحات عدة بين أصحابها وأهلها، حول عدم
تفهم الغرب لمرادهم، من حيث عدالة قضيتهم ومشروعية مطلبهم وإنسانية طرحهم. والمسألة
أن العقل العربي لم يوفق حتي اللحظة في التوجه بالمسؤولية واللائمة لذاته، من حيث
إرجاع مسببات ذلك التقصير إليه. فواقع الحال ليس لأن الغرب أصم، فهو في أسلم
مداركه الحسية، ولكن لأن العرب لم يفقهوا بعد لغة عصرهم الفكرية والوسيلة الصائبة
في ذلك لإيصال مرادهم. إذ يُستغرب عادة عدم تفهم الغرب، وتعامله مع القضايا
الوافدة بحسب أطره ورؤاه، وضمن سياق ما يريد لا ما يريدون، وما يري لا ما يرون،
ولا يتم التساؤل عن السبيل والكيفية التي يصدر بها المراد للغرب. والذي يُبقي
الخطاب العربي المرتد علي عقبيه -إذا كان يري خطأ في رؤية الغرب إليه- ملزما بطرح
سؤال الوسيلة في تقويم ذلك الخطأ وإصلاحه، حتي لا يستمر الخطاب في زمن الوحي ويهمل
الخطاب في زمن المعلومة. والذي يكون بالتعويل فيه علي دفع المعقول، والروحي،
والإنساني، إلي أقصاه، بعد أن تبدي أن دفع رهان العنف إلي أقصاه قد جلب مفسدة ودرأ
مصلحة، علي خلاف ما أقرته روح فلسفة التشريع.
ولعل إحدي القضايا
الكبري التي لم يوفق العقل العربي تفهيم الغرب بها وكسبه فيها، ألا وهي المسألة
الفلسطينية، فقد انحصر خطاب العرب فيها في طرحها من زاوية سياسية، وأهمل وتخلي عن
كافة المقاربات الأخري، التاريخية والدينية والأثرية والإناسية في ذلك. ففي الفكر
السائد لا نجد اهتماما بتاريخ الأديان ولتاريخ النصوص المقدسة والآداب السامية
عموما، المتعلقة بمنطقة فلسطين وما جاورها. ومن وراء هذا الغياب والنقص استصنعت
دوائر مقربة من الرؤي المتصهينة تصورات بشأن فلسطين صارت في التصور الغربي بمثابة
اليقينيات، لذلك نجد الرؤية التاريخية لفلسطين في الغرب هي رؤية إسرائيلية، يستهلك
فيها الغربي فكرة مأسرلة تصب في المراد السياسي لإسرائيل الحالية، وليس هناك في
الراهن الحالي كاتب من دائرة الحضارة الإسلامية استطاع، أو له من الأدوات، لقلب ما
هو سائد من بناء معرفي مأسرل. والأعمق من ذلك، أن المسألة قد عضدت برواية أدبية
ومشاهد فنية، مسرحية وسينمائية وتصويرية، محملة ومثقلة بتلك الرؤي، يستهلكها الفرد
الشعبي الغربي بشأن المسائل التي يتخبط فيها العرب، في حين الحضور العربي المرجو
في تلك الأصول وتفرعاتها، الأدبية أو الفنية، كما أشرنا إليها بصفة مختصرة، منعدم
ولا يذكر.
وفي مسؤولية إصلاح
تلك الانحرافات أو الحد منها، هناك اتكال زائف في ذلك علي العرب المقيمين بالمهجر
لإصلاح رؤية الغرب، والحال أن الأمر يتطلب بلوغه، تجاوز عديد التصورات الخاطئة في
ذلك، لعوامل موضوعية تحكم أوضاع تلك الجموع وحياتها في المهجر.
فمثلا في الغرب هناك
بعض الكتاب من أصول عربية وإسلامية يكتبون بلغات تلك البلدان، الأمر الذي يسر
تداولهم الموسع وترجمة أعمالهم لعدة ألسن غربية، لسهولة العملية ويسرها، وجل هؤلاء
الكتاب خضعوا قسرا أو جاروا اختيارا الاستراتيجيات الكبري للغرب. لذلك تراهم
يكتبون عن القضايا العربية، أو المسائل الفكرية الإسلامية، من زاوية ما يقبله
الغرب ويرضي عنه، ومن هذه الناحية لا يمكن التعويل عليهم كل التعويل في إيصال
الصوت العربسلامي الأصيل للغرب أو في تمرير رسالة له عبرهم، فأغلبهم من الجيل
العربي المهاجر المتقدم، الذي التحق بالغرب وقد هاجر الدين معهم، وبالمثل الكيان
الاجتماعي الثقافي، مهزوما بائسا، ولم ينتبهوا للتحولات التي حدثت وراءهم. وبرغم
تجذرهم في الغرب، ما راودهم إحداث التصحيح أو التصويب فيه، الواقع الذي انساق به
أكثرهم ضمن الطروحات الغربية العامة في رؤية قضايا المجتمعات الإسلامية وفي طريقة
التعامل معها.
وبالتوازي مع ذلك
العنصر، يكاد يكون الصوت الثقافي العربي الوافد غائبا في المشهد الثقافي الغربي،
فلا يحضر أهله إلا عرضا، وإذا ما أحضروا فغالبا ما يتناول الجدل مساوئهم أكثر مما
يتناول محاسنهم. ومما يندر ويعز أن تفتح دورية علمية، أو صحيفة غربية، أو إذاعة أو
شاشة، لتجد خبرا ثقافيا عربيا أو لقاء مع كاتب عربي يتناول فيها مسألة فلسفية أو
علمية أو فنية. والمسألة ليست غالبا في رفض تلك المؤسسات، وفي تحاملها علي العرب،
كما يصور خطأ، من حيث قبول الإنتاج الفكري العربي والرؤية العربية، بل تتلخص
بإيجاز في حالة العياء النافذة في المثقف العربي، وفي الأدوات الثقافية ومؤسساتها،
المستوعبة له والموظفة إياه، والتي منعته من ارتقاء مدارج الوعي العولمي بحركة
الأفكار وانتشارها، يردفها تخلف شبكات توصيل المعلومة والفكرة بين العرب أنفسهم
ومن العرب إلي الآخرين أيضا، نعني توصيلها للغات الغربية وللمؤسسات الغربية، فكل
منتوج غير مروج وغير مفعل فيه قتل للمنتج وهدر لطاقته، والمثقف العربي انحبس داخل
هذه الشبكة الضيقة القاتلة.
لقد ترجمت بعض
الأعمال العربية للألسن الغربية، وهي من جنس الرواية أساسا، والملاحظ في أغلبها
وليس كلها، أنها كانت لكتاب من الدرجة الثانية، وفق فيها أصحابها في بناء علاقات
مع مترجمين ومع وسطاء نشر وترجمة أوصلوهم لدور النشر الغربية، في حين تخلف كتاب
وروائيون وشعراء، ممن تتوفر فيهم أهلية التمثيل للفكر العربي، وبقوا مجهولين في
حقول الدراسات الغربية وبين الباحثين والطلبة. ولذلك لكم صرح لي المتابعون
والمنشغلون بما يترجم من الروايات العربية الحديثة للألسن الغربية افتقار تلك
المؤلفات للكثافة الفكرية اللازمة، وعدم قدرتها علي نقل القارئ داخل النص، لما ينبني
فيها من حاجز بينه وبينها، إضافة لفقر قاموس أصحابها مقارنة بغيرهم من الكتاب
الآخرين.
قد لا أجاري هذه
الآراء كل المجاراة، لأن هناك من النصوص العربية الجيدة في لغتها الأصلية كلمة
وفكرة، لكنها لما نقلت للغات الأجنبية صارت باهتة ومبتذلة، والأمر يعود لدور المترجمين
للأدب العربي بالأساس، الذين ما كانوا عادة كتابا أو مبدعين أو متخصصين، ممن لهم
من سلاسة اللغة وجمالها في لغاتهم، أو ممن لهم وزنهم في الساحة الغربية، ما يمكنهم
بحق أن يبدعوا النص ثانية من خلال الترجمة، وأن ينجحوا في جلب القارئ خلفهم. ولذلك
تري جل ترجمات النصوص العربية الحديثة للألسن الغربية تجري بالتعاون مع مؤسسات
ودور نشر صغيرة، ليس لها صيت أو قدرات كافية للتوزيع الموسع، ولم تتبنها دور نشر
عريقة، يتعاون معها كتاب ومترجمون لهم وزنهم في الساحة الفكرية. فقد يخيل خطأ
لكاتب عربي ويركبه هوس الشهرة، أن بمجرد ترجمة مؤلفه للسان غربي قد صار مشهورا
وذائع الصيت، والأمر غير ذلك.
ودائما ضمن نطاق
معالجتنا مسألة حضور أصداء الفكر العربي والإسلامي في الغرب، نشير إلي أمر متعلق
بموضوعنا، يتمثل في ما يجري من استفاقة للمسلمين في الغرب علي هويتهم الدينية
والحضارية. فالجيل الأول، الذي تميز بتناسي الأصول الحضارية، قد بدأ يخلفه جيل
باحث عن بلورة هويته الغربية ذات التراث الروحي الإسلامي. والإسلام الغربي في
سيرورة بحثه عن تشكيل هويته المستقلة عن بلدان المأتي، والمنزرعة في بلدان النشأة
والمنشأ، ما كان انبعاثه صدي أو امتدادا لإشعاع العقل العربسلامي في الغرب، بل
المسألة أنشأتها جدلية هووية تطرح فيها الذات علي نفسها أسئلتها الكيانية.
وفي خضم سيرورة
الاندماج تلك، يلاحظ كيف أن أغلب التجمعات العربية المتواجدة بالغرب، وحتي وإن
كانت نسبة هامة منها حاملة لجنسيات البلدان المقيمة فيها، لازالت في طور البحث عن
الاندماج المعيشي ولم تبلغ بعد طور الاندماح الفكري، المتمثل في التعبير بحرية
واقتدار عن رؤاها ومواقفها ومقترحاتها، من المسائل والقضايا الفكرية والسياسية
والاجتماعية، ولذلك تجد رموزها الفكرية، تطرح دائما طروحات نقلية وتقليدية
ومحاكاتية للسائد التاريخي في الغرب في بنيته الحضارية، ذات الأسس اليونانية
المسيحية اللائكية، ولم توفق بعد للتنظير للمسائل دامجة المكون الإسلامي ضمن تلك
الأسس الثلاثية السابقة التي ذكرناها، وليس مستبدلة المسيحي بالإسلامي كما قد يخيل
للبعض. كون مقاصد كثيرة لا يتناقض فيها الإسلام مع المسيحية، وبالمثل أيضا لا
يتناقض فيها مع اللائكية. لذلك يبقي الغرب الحالي بمكوناته اليونانية المسيحية
اللائكية أقرب للنظام الاجتماعي التكريمي للإنسان من جمهوريات وممالك تسمي نفسها
إسلامية. مما يجعل الرفض الإجمالي والمسبق للتشكلات والمكونات الحضارية للغرب خطأ
شائعا في عديد أدبيات الفكر الإسلامي الحديث، ينبغي تجنبه وعدم نقله لمسلمي الغرب.
وبالمثل الذي ينبغي
فيه التعامل بواقعية مع واقع التجمعات ذات الأصول العربية المقيمة بالغرب
وقدراتها، يلزم التنبه لحقيقة خواء أنشطة المؤسسات العربية في الغرب، مثل المؤسسات
التابعة لرابطة العالم الإسلامي، أو لممثليات الجامعة العربية، وكذلك للمكاتب
الثقافية العائدة بالنظر لسفارات الدول العربية، والتي يفتقد الساهرون عليها لخطط
ثقافية وحضارية حقيقية، لأن القائمين عليها ليسوا من الممتهنين بالثقافة أو
الحاملين لرسالة معرفية، بل هم موظفون إداريون، ولذلك لا يحوز جلهم اقتدارا معرفيا
في فهم كيفية سير الغرب والتأثير عليه. إذ تبقي تلك المراكز والمكاتب مؤسسات
ثقافية داخل الغرب ولكن خارج دورته الثقافية.
فبحكم اقترابي من
الطلبة والباحثين المنشغلين بالدراسات المتعلقة بالعالمين العربي والإسلامي، غالبا
ما يسألونني عن المكاتب الثقافية العربية والإسلامية بأوروبا، وبإيطاليا منها
بالأساس، بغرض بحث مواضيع أو مسائل متعلقة بشؤون تلك البلدان، فأستحي من إجابتهم
بأنها خاوية علي عروشها، فحتي أرشيفات الصحف الصادرة بدولها فهي مفتقدة فيها.
لذلك ألتمس عذرا حينا
لهؤلاء السائلين، حين أستفسرهم عن قراءاتهم في مادتي الإسلاميات والإستعراب، فتأتي
إجابات أغلبهم خالية من ذكر الكتاب العرب والمسلمين، ومتمحورة ومشتركة بالأساس في
برنار لويس. وبدون تهويل للمسألة، يمكن القول أن ذلك الرجل وفكره يفوق أثره في
الغرب الكتابَ المنتمين لدائرة الحضارة الإسلامية بأجمعهم، وكما أدرِك ليست
المسألة عائدة لقوة حجة الرجل وعلميته، ولكن لأن آلة النشر والتوصيل للمعلومة
والفكرة قد عرضته تقريبا في جل اللغات الأوروبية ويسرت الوصول إليه، وأخفق العرب
والمسلمون في الإتيان بمثل وشبه لذلك، والمسألة عائدة لحضارتهم وثقافتهم، لما
يتواجد من تشتت للقوي بينهم.
بسبب ذلك، في ظل
الإمكانيات الحالية في البلاد العربية، لو قدر للراحل إدوارد سعيد كتابة مؤلفاته
باللغة العربية وتوزيعها علي النسق العربي السائد، لكان مصيره مصير غيره من
الاندثار والإهمال، ولما خلف سلطة معرفية في إحدي أخطر التفرعات المعرفية، فيما
يتعلق بدراسات العرب والعالم الإسلامي. ولذلك ينبغي التنبه لمحدودية التواصل
باللغة العربية فحسب، إذا ما حصرنا فيها فكرنا وقضاياه، بل لتكن العربية الأس الذي
تنطلق منه التعبيرات اللغوية المختلفة، نحو مجالاتها الأرحب.
يطرح الموضوع تدقيقا،
بشأن نوعية التعبيرات الفكرية في الساحة العربية، التي تيسر بلوغ صدي صوتها الغرب
وكيف كانت كيفيات الاستقبال؟ عموما يمكن القول، أنه في الزمنين الحديث والراهن،
غاب تواجد المفكر، أو المبدع، أو الكاتب، أو الباحث، المقيم في البلاد العربية،
والمنتج لعمله فيها ومن خلال تفاعله مع أحداثها، والذي يجل الغرب موقفه وعلميته. والمسببات
والحيثيات المتعلقة بذلك تعود لأمور منها: محاولات الغربيين المعنيين بذلك الشأن
ترجمة أعمال بعض الكتاب العرب والتعريف بها، أساسا منهم ذوي التوجهات اليسارية
والعَلمانية، ما لم يعادوا إسرائيل، لما يمثله هؤلاء من امتداد وتواصل مع بعض
أجنحة الفكر الغربي. لذلك نجدهم ينعتون إياهم بالتقدمية والحداثية وما شابهها، في
مقابل ظلام دامس يصورونه مخيما علي غيرهم. والفكر الغربي في تعامله مع ممثليه،
ونوابه، وأشباهه في المنطقة، لا يقدمهم ككيانات مفكرة وعالمة بل باحثا من خلالهم
لتمديد هيمنته الفكرية علي الآخرين فحسب.
وأما النوع الآخر من
الكتاب الحاضر صوتهم في الغرب فهم الكتاب الإسلاميون، بيد أن امتداداتهم هناك عداء
متخلدا، سواء من الكنيسة تجاه دينهم، أو من المستشرقين تجاه حضارتهم، ويبدو حتي
المستعربين الجدد لم يتخلصوا بعد من تراث الجيلين السابقين، الكنسي والاستشراقي في
تعاملهم مع تلك الحضارة التي يصورونها نقيضة. والغريب أن الفكر الديني، وخصوصا في
تجليه الإسلاموي، يحضر بالرواية عنه لا بالترجمة المباشرة لنصوصه، لذلك يكاد
المنقول منه متميزا أساسا بسمة السلبية والدونية التي تطغي علي ما يروي عنه. لقد
تعامل الفكر الغربي الراهن مع الفكر العربي الراهن بمنطق الانتهازية والانتقائية،
مما ضيق باب المثاقفة الحقيقية المنفتحة بين الحضارتين.
تلك بعض الإشارات
التي نلفت النظر إليها، في نطاق تفعيل الخطاب وتصحيح وسائله، فبدون خوض غمار تلك
العملية، تظل قضايا إنسانية وعادلة خارج إمكانيات وشروط الوسائل الموضوعية اللازمة
لها.