ماذا يُراد للعراق وبالعراق؟
صباح علي
الشاهر
تنهض كل الرايات،
والشعارات في العراق، إلا رايات وشعارت العراق. يُرفع العلم الأصفر والأخضر
والأحمر، وأعلام القبائل كلها، إلا علم العراق. تُرفع صور السادة والشيوخ،
المعممين منهم، والحاسرين، الملتحين والحالقين، ولا تُرفع خارطة العراق، يُذكر
الشيعي والسني، والكردي والتركماني والكلدوآشوري واليزيدي والصابئي، ويُنسي
ويُتناسي ذكر العراق والعراقي. ينغمس المتذاكون الأغبياء بجدل عقيم مُقرف ومُخجل
عن الأغلبيّة والأقليّة، يُزوّر هذا الذي يَدَّعي أنه رجل دين، سنيّا كان أم
شيعيّا الواقع الشاخص الملموس، ويرسل هلوسته التي لا تستند إلا علي ذهن مريض
بالعُصاب والتعصب، مُثقل بالعزلة والتخلف، وموسوم بعمي الألوان، وفقدان الإحساس
بالأبعاد إلا بعده الأحادي الذي يدفن نفسه فيه، ويريد أن يدفع الآخرين لدفن ذواتهم
معه، في جبه أو دهليزه أوظلمته. سنيّ مأزوم يزعق: أئمة الشيعه إيرانيون، وشيعيّ
مأزوم يصرخ: زعماء السنة تراكوة، (أتراك وليس تركمان)، ولو كانوا كما يزعمون،
مسلمين حقيقيين، لركنوا إلي المفاهيم الإسلاميّة التي لا تفرّق بين عربيّ أو
أعجميّ إلا بالتقوي، ما الضيّر مثلاً في أن يكون الزعيم الشيعيّ الفلاني إيراني أو
أفغاني، مثلما ما الضيّر في أن يكون الزعيم السني الفلاني تركيا أو باكستانيا، أو
لم يكن جلَّ أئمة السنة العظام فرسا وتركا؟ الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان،
والإمام عبد القادر الكيلاني، والبخاري، والغزالي، والفارابي وإلخ.
أولم يكن السيد جمال
الدين الأفغاني أفغانيّاً، هل إمتنع العلامة الجليل محمد عبده عن التتلمذ علي يديه
وإتباعه والإقتداء به، أم هل إمتنع علماء مصر الأعلام في زمانهم عن جعله قائدهم
ومعلمهم، وهل شكك أحد في كون السيد جمال الدين الأفغاني عربيّاً رغم كونه أفغاني
الجنسيّة، طالما هو سيد من الأشراف، صحيح النسب، فهو حكماً عربي، ربما أكثر عروبة
منك ومني، فماذا حصل للمسلمين الآن، هل نحن في تقدّم أم تأخر. أي جهل فاضح يملكه
هذا الذي لا يقتنع بوجود عربي في إيران الدولة المتعددة القوميات، والعرب هم
القوميّة الثانيّة بعد الفرس في إيران، وهم لا يتواجدون في عربستان فقط، بل علي
إمتداد الأرض الإيرانيّة، في طهران ومشهد وقم وأصفهان وشيراز، وفي كل مكان، ثم ألا
يعرف هذا البعض المتفقه بلا فقه، إن أمام الشيعة الرضا مدفون في إيران، وكذا
معصومة قم، وإبناء الأمام الكاظم إمام زاده يحيي، وشاهزاده عبد العظيم وكثيرون
غيرهم، ومن بمقدوره الزعم إن هؤلاء وغيرهم من العرب الذين قدموا إلي إيران فاتحين
وحاكمين ثم مقيمين ومعمرين قد عقموا جميعاً، ولم ينجبوا! طالما كنتم أيها السادة
تتلبسون لبوس الإسلام وتتحججون به، فهو حجتنا عليكم جميعاً، يا من ترتدون العمائم
وتطلقون اللحي، سنة أم شيعة، إتقوا الله في عباد الله، واتقوا الله في العراق
المُدمّي المُثخن بالجراح.
يحرفون الأمور عن
مسارها. يخلقون الوهم، ويطمسون الحقائق. الكل يُعاني من الكل، الكردي يعاني من
سيطرة وإستعمار العرب، والسنة يعانون من سيطرة وأستعمار الشيعة، والشيعة يعانون من
سيطرة وإستعمار السنة، والتركمان يعانون من سيطرة وإستعمار الكرد، والكلدوآشوريون
يعانون من سيطرة وإستعمار المسلمين، والقائمة مفتوحة عن إكتشاف سيطرات و(أستعمارات)
مبتدعة ومبتكرة، سيتحفنا بها أساتذة الزيف والتدجيل، وكل هذا التدليس والسخف تدحضه
حقيقة ناصعة بيّنة لا مراء فيها، وهي أن العراق الآن بسنته وشيعته، بمسلميه
ومسيحيّه، بعربه وكرده وتركمانه، مُسيطر عليه ومُستعمر، مُذل ومُهان من قوي
إستعمارية مُحتلة، باغيّة وبغيضة، تذيق الشعب، كل الشعب، بكل مكوناته، وفي كل يوم
وساعة صنوف الذل والعذاب والهوان، فلماذا يُراد حرف الإنظار عن الكارثة التي
يعيشها العراق الآن، ولماذا خلق صراعات غبيّة، هي بالمحصلة لا تعبر عن هموم
حقيقيّة لمن يرزحون الآن تحت نيّر الإحتلال، وهي في أحسن الأحوال لا تتعدي تقويّة
مواقع هذا المستفيد من موقعه الحزبوي، أو الفئوي، أو التقاسمي أو التوافقي، أو
الطائفي أو الشللي. لقد أساء الطائفيون إلي العراق والمواطنة العراقيّة، عندما
أسسوا أحزابهم علي أساس طائفي فحزب الدعوة الشيعي وكذا المجلس، والأحزاب الإسلامية
السنيّة علي إختلافها، شكلوا إرتداداً ونكوصاً حتي بالنسبة لما كان يجري في العراق
قبل أكثر من نصف قرن، حيث كانت الأحزاب تتشكل علي أساس خارطة الوطن العراقي،
ويختلف بعضها عن بعض بناء علي إختلاف البرنامج المعلنة، والمحتوي العام للحزب
والحركة. لم يستوعب العراقي يومها تشكل أحزاب علي أساس طائفي، لقد تشكلت تنظيمات
وأحزاب القوميين وكذا البعثيين والشيوعيين، والديمقراطيين، والإستقلاليين
والإسلاميين، علي أساس عراقي، وضمت في صفوفها إبن البصرة والنجف، مع إبن الرمادي
والموصل، العربي والكردي والتركماني، المسلم السني والشيعي، والمسيحي، ومن كل
الطوائف، وعززت هذه الأحزاب في حينها علي إختلاف مناهجها وطبيعة هذه المناهج
الإحساس بالمواطنة العراقيّة، هذا الإحساس الذي لم يكن يتنافي مع الإنتماء الديني
أو القومي لإعضاء هذه التنظيمات والأحزاب، ولم يكن العراقي الذي وحدّته بوتقة
الوطن وصهرته، ليجد غضاضة في كون العراق ينتمي الي أمة العرب أو العالم الإسلامي،
لذا فقد كان العراق كل العراق يناصر قضايا العرب وقضايا المسلمين وقضايا التحرر في
العالم، ولم يكن الكردي ليشعر بأي حرج في دفاعه عن الشقيقة مصر، ولم يكن العربي
والكردي والمسلم والمسيحي، ليحس بإدني حرج في دفاعه الصادق عن الشعب الفيتنامي
الذي كان يواجه ماكنة الموت الأمريكيّة، رغم أن شعب فيتنام لم يكن لا مسلماً ولا
مسيحياً، وكان العرب في طليعة الذين يقفون بوجه السلطات المستبدة عندما تتجاوز
حدودها وتشن حرباً علي شعبنا الكردي، ولطالما شارك كاتب السطور في مظاهرات عربيّة
في بغداد ومدن العراق العربيّة الأخري وهي تهتف (ياشعب طفي النيران السلم في
كردستان).
وطالما واجهنا نحن
العرب السجن والتعذيب من أجل دفاعنا عن شعبنا الكردي وحقوقه. تلك الأحزاب المبنيّة
علي أساس المواطنة العراقيّة، تجعل كل عضو في هذه الأحزاب معنيّاً بالدفاع عن
مكونات الشعب العراقي، التي هي مكونات أي حزب، أما بعد أن أصبحت الأحزاب مقسّمة
طائفيّاً وعنصرياً فقد بات أعضاء هذه الأحزاب، يدافعون أولاً عن الطائفة، أو
القوميّة، أو المناطقيّة، حتي ولو تم هذا علي حساب الشعب العراقي، والوطن العراقي.
باتت الطائفة وطنا، وبات الحزب فوق الوطن، له علمه ومليشياته وحراسه وحماته،
وأمراؤه المتفضلون علي محازبيه بالعطايا، والرواتب والمخصصات. كان الحزبي يدفع
إشتراكه للحزب فبات يأخذ راتبه من الحزب، ومن هنا فقد تحولت الأحزاب إلي مايشبه
المافيات، وتحول قادة الأحزاب إلي أمراء حرب. لقد أضحي مؤيدو هذه الأحزاب
الطائفيّة شعبويين بإمتياز، يتفننون في الحط من أقدار العرب.
العرب بالنسبة لهم هم
سبب مصائب العراق، لا يحق للعربي أن يتضامن مع شقيقه العربي العراقي، حتي أنه ليس
من حقه أن يخوض في الهم والشأن العراقي. يصرخون : علي العرب أن يرفعوا أيديهم عن
العراق. نقلّب أنظارنا فلا نجد أيدي للعرب في العراق، مانجده هو أذرع الصهيونيّة
والموساد التي تعيث الآن فساداً في بلاد الرافدين، والدبابات الأمريكيّة، التي
تحصد أرواح العراقيين، والجرافات الأمريكيّة التي تدك البيوت وتجرف أشجار النخيل. هذا
السليط اللسان الذي يوجه شتائمه لامّة العرب، للمصري والسوري والأردني والفلسطيني
بدءاً، يجبن عن الإشارة ولو بشكل عابر إلي ما يقوم به المحتل من إنتهاكات تجاوزت
كل الحدود، ونفس الشيء يمكن قوله لذاك الطائفي المقيت الذي يزعم ان الخطر المحيط
الآن بالعراق، إنما هو الخطر الإيراني، والذي يزعم، وبلا حياء عن وجود مخطط إيراني
أمريكي إسرائليي لتقاسم العراق، ويدعونا للنضال ضد الخطر الفارسي، وربما ضد الفرس
المجوس، ليبعدنا عن نضالنا الواضح البين الأكيد، هذا النضال الذي سيتوّج حتماً
برفع العار عن أرض العراق، عندما يتكلل بلا أدني شك بكنس المحتل وأتباعه مع
توابعهما.