ثورة خليجية جديدة قد تكشف محنة الجامعة العربية الاخري

 

 

 

بقلم :د. عبد الوهاب الأفندي

 

 

كما كان شأنها في الثورة الاعلامية التي انتظرناها من عواصم عربية اخري فجاءت من الخليج، تقود دولة قطر هذه الايام ثورة عربية جديدة لو كتب لها النجاح فستكون اهم واخطر ثورة عربية علي الاطلاق. والذي قد يثير الاستغراب هو ان هذه الثورة التي لم يكد يلحظها احد بعد قد بدأت في نفس الوقت مع انشاء قناة الجزيرة عام 1995 وتمثلت بداية انطلاقتها في انشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وهي مؤسسة غير حكومية ولكنها شبه رسمية، حيث يمولها الأمير وترأسها حرمه.

ولعل قلة الاهتمام بهذه المؤسسة حتي الآن كان مبررا لاكثر من سبب. اولا لان المراقبين يكونون معذورين لو عاملوا مثل هذه المؤسسة مثل الكثير من المؤسسات المماثلة التي ينشئها الحكام العرب للوجاهة والعلاقات العامة، وثانيا لانه حتي يفرض جديتها فان حقل نشاطها بطبيعته لا يؤتي ثماره علي المدي القريب.

ولكن يبدو ان الأمر سيتغير بعد ان بدأ يظهر بوضوح ان المؤسسة تمثل رأس رمح في استراتيجية طويلة المدي خلق نهضة علمية في قطر والمنطقة. فقد دخلت المؤسسة في مشاريع شراكة طموحة مع جامعات ومؤسسات (معظمها امريكية) لاقامة مشاريع تعليمية او صناعية وتجارية في قطر بدأت تغير وجه البلد ومكانته في الخريطة العلمية ـ الثقافية في الوطن العربي.

ليست هذه اول مرة يكون فيها الخليج منطلق ثورة عربية جديدة، بل الملاحظ ان كل الثورات العربية الهامة التي شهدتها المنطقة في العقود الثلاثة الاخيرة جاءت من هناك، بعد ان تحولت الدول الثورية العربية الي مناطق ركود سياسي وثقافي ان لم تكن بؤر تخلف. ولا يعني هذا ان الثورات الخليجية كانت في مجملها عوامل نهضة وذات مردود ايجابي، بل بالعكس، كانت سلبية في الاغلب.

ولست ممن يوافقون التيار الاغلب بين المثقفين العرب، وخاصة في مصر، ممن يحملون أهل الخليج الوزر الاكبر في حالة التخلف التي يعانيها العرب، ويتهمونهم بأنهم سرقوا الريادة من هذا الطرف العرب او ذاك. ولكن هذا لا يعني ان ننكر ان الثورة النفطية، وهي اكبر ثورة حديثة يشهدها العالم كله لا العالم العرب وحده، اضرت بالعرب اكثر مما نفعتهم.

الثورة النفطية مثلت اكبر انقلاب في اسس توزيع الموارد دوليا منذ بداية النهب الاستعماري في القرن السادس عشر، وكانت في جوهرها نتاج جهد عربي جماعي (ومساهمة ايرانية فاعلة سواء في عهد الشاه او بعد الثورة الاسلامية) بدأ في حرب اكتوبر عام 1973 ولكن المحصلة النهائية لتلك الثورة كانت تفكيك التضامن العربي الذي جعلها ممكنة، وتعميق الفوارق بين العرب، واهدار مزدوج للموارد، تمثل في اساءة استخدام الثروة الجديدة، وفي اساءة استخدام الكفاءات العربية التي تدفقت علي دول النفط في الخليج وليبيا، فوجدت نفسها في مقبرة جماعية للمواهب، حرمت منها بلادها الاصلية دون ان تستفيد منها بلدان الهجرة فائدة ذات وزن.

وليس مصادفة مثلا اننا لم نسمع، رغم هجرة مئات الآلاف من العلماء والخبراء الي دول النفط العربي، بأي فتح علمي او طبي او تقني تفردت به هذه الدول عن غيرها، هذا مع اننا نسمع باستمرار عن انجازات كبري للعدد الاقل نسبيا من الخبراء العرب الذين هاجروا الي دول الغرب، وكسب بعضهم جوائز نوبل وما هو دونها.

نفس الامر يمكن ان يقال عن الثورة الاعلامية العربية في عهد ما قبل الجزيرة، حيث نشأت العديد من المشاريع الاعلامية الكبري في الغرب وفي الدول العربية الغنية، واستقطبت المواهب العربية النادرة، في هذا المجال ثم دفنتها داخل مؤسسات تعيد انتاج التخلف الاعلامي العربي في قالب حداثي مخادع.

وليست دول الخليج هي الملومة وحدها في هذا، فقد ساهم فيه الوضع العربي العام، وتواطؤ المثقفين والنخب السياسية، والاستعداد الماثل بين النخب لبيع النفس مقابل دراهم معدودات، ولا اريد هنا ان اعيد تلخيص استنتاجات تقرير التنمية الانسانية الثاني في العالم العربي الذي صدر العام الماضي ووضع يده علي اسباب التخلف العرب في مجالات العلم والثقافة والاعلام وهو تخلف نسبه الي الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعوق حرية التعبير والنشر والبحث العلمي، وتقصر كثيرا عن تقديم الحد الادني من الدعم الاقتصادي والمؤسسي والاجتماعي للابداع العلمي. ولكن التقرير اهمل الي حد كبير دور تواطؤ العلماء والخبراء المتفقين في ادامة واستقرار هذه الاوضاع المقلوبة وهو بحث يحتاج الي نقاش طويل.

الثورات الخليجية الاخري، بدءا بالثورة الاسلامية في ايران مرورا بزلازل الخليج الثلاثة (الحرب العراقية الايرانية، غزو الكويت، ثم غزو العراق) واخيرا ثورة بن لادن العالمية نتجت من جهة عن اوضاع الاختلال العامة في الوضع العربي ـ الاسلامي، وفاقمت من جهة اخري مركبات هذا الاختلال (الحكم غير الصالح، التخلف السياسي والاقتصادي، التمزق العربي والاعتماد علي الخارج) وعمقتها.

واذا كان الامر كذلك، فما الذي يجعلنا نستبشر بهذه الثورة الخليجية الجديدة القادمة من قطر ونعتقد ان خيرها سيكون اكثر من شرها؟ يمكن ان يشار في هذا المجال الي تجربة الجزيرة وما تمثلته من فتح للاعلام العربي. ولعله من الصحيح ان يقال ان نفع الجزيرة كان بالقطع اكبر من اثمها، وان كانت الجزيرة في نهاية المطاف مؤسسة اعلامية عربية اعادت في بعض شأنها انتاج الامراض العربية مثل الغوغائية والميل الي خداع الذات.

التجربة الثورية في مجال التعليم في قطر تبدو واعدة اكثر، لانها تعتمد علي ما يبدو علي كثير من التخطيط السليم وتستقي من خبرات غير عربية، ويمكن ان يقال علي كل حال ان التعليم والنهل من معين المعرفة لا يمكن ان يضر علي الاطلاق.

وتعتمد التجربة حتي الان علي فتح سوق تعليمي وسوق مواز للانتاج العلمي، تعرض فيه كبري المؤسسات الاكاديمية والعلمية والتجارية (مثل مايكروسوفت) بضاعتها وتتنافس فيها علي كسب الطلاب العرب والباحثين، وتسوق منتجاتها بعد ذلك في الاسواق العربية. وقد قامت ثلاث جامعات امريكية حتي الان بفتح فروع لها في المدينة التعليمية في قطر لتدريس الطب والهندسة والفنون، كما قامت مؤسسة راند الشهيرة بفتح معهد للسياسات في قطر. وينتظر ان يحذو بروكينغز حذو راند قريبا.

ولا شك ان مؤسسات كثيرة اخري ستتبع سابقاتها، فهناك جامعة بريطانية تتفاوض مع قطر لفتح فرع هناك. والمغريات كثيرة، لان قطر تقدم تسهيلات ودعما سخيا للمؤسسات الراغبة، كما ان زلزال الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) جعل كثيرا من الطلاب العرب يعزفون عن قصد امريكا للتعليم، مما سيجعل فتح سوق امريكي تعليمي في الخليج فكرة طيبة.

ويجب ان ننوه هنا بان دولة الامارات قد دخلت ايضا حلبة المنافسة في هذا المجال، خاصة امارة الشارقة التي قامت خلال فترة وجيزة ببناء ثلاث جامعات متجاورة باشراف شخصي من الامير الشيخ سلطان القاسمي. ومثل هذا التنافس في الخير مما تحتاجه الامة في حالها هذا، كما انه يفرض التزامات علي من يتصدي للمنافسة، خاصة وفيما يتعلق بتوفير البيئة الصالحة والملائمة.

ومن نافلة القول اننا امام ملامح ثورة آن اوانها، حيث ان حال الجامعة العربية والتعليم العالي في العالم العربي وموقع العرب علي الخارطة العالمية للبحث العلمي حال جعل العدو يرثي لحالنا. ولكن السؤال هو: هل ستحقق الثورة الخليجية الحالية الاختراق الذي طال انتظاره من اجل وضع العرب وجامعاتهم علي خريطة العالم، ام انها ستعيد انتاج تجربة اعلام المهجر وتجربة قيام اثرياء الخليج بتقديم الدعم السخي للمؤسسات الاكاديمية الغربية في الوقت الذي تشكو فيه جامعاتهم من نقص الموارد؟

هناك اكثر من علامة خطر صفراء حتي الان في التجربة القطرية، اول هذه العلامات هي الاتجاه الي استيراد المؤسسات التعليمية، وهي تجربة شهدتها بلاد خليجية اخري في مجال العناية الصحية، ولم تبشر بخير كبير. العلامة الثانية هي غياب بعض اهتمامات البحث العلمي من هذه التجارب الجديدة (والقديمة) في الخليج. علي سبيل المثال دهشت كثيرا لدي زيارتي الاخيرة لجامعة قطر وانا اكتشف عدم وجود شعبة للعلوم السياسية في تلك الجامعة (وهو وضع لا يزال ساريا). وهذا هو الوضع نفسه في كل الجامعات الخليجية الاخري، بما في ذلك الجامعات الامريكية الاربع او الخمس التي افتتحت في الخليج اخيرا. (السعودية تزيد بأنها تحرم دراسة الفلسفة كذلك).

الذي نأمله ان تكون هذه المحاذير تعود الي حداثة التجربة، وان تطور التجربة سيؤدي الي خلق توازن بين المؤسسات المستوردة والجامعة القطرية وغيرها من معاهد التعليم المحلية، وان نستخدم الخبرات الاجنبية لاثراء وتدريب الكوادر المحلية والعربية. المأمول كذلك ان تشمل جرأة الطرح القطري المعهودة الغاء كل المحاذير وفتح كل ابواب العلم.

ولا شك ان اي نجاح للتجربة القطرية موقوف علي تحولها لنجاح عربي، اي ان تخدم كل العرب من طلاب علم وباحثين، وان تستوعب طاقات وخبرات عربية من خارج قطر، لاسباب لا تخفي. وهذا بدوره يستدعي ان تتجنب امراض اكثر الدول العربية عامة والخليجية خاصة، من تضييق علي الحريات، وتنغيص علي الاجانب في مقامهم ومعاشهم، وان تتحول الي واحة للحريات والاستقرار ومنطقة جذب للكفاءات تنافس غيرها من مناطق الجذب في الغرب.

انه لمن دواعي التأمل انه لا تكاد توجد في طول العالم العربي وعرضه جامعة واحدة تليق بالامة وتاريخها، ولا بأي امة اخري تحترم نفسها مع استثناء جزئي هو الجامعة الامريكية في بيروت، وهو استثناء يثبت القاعدة ليس اقله لان تلك الجامعة من اسمها غير عربية، فضلا عن ان تفوقها علي نظرائها تفوق نسبي.

وهذا يعني ان التحدي الذي يواجهه العرب من اجل معالجة هذا التخلف ليس بالأمر اليسير، ولكن علي الاقل هناك الآن بداية.