اجتثاث البعث شعار هدفه التخلص من الجهاز الاداري العراقي وزرع انصار الاحتلال

 

 

 

بقلم :د. كريم العاني

 

بدأ عهد الاحتلال الامريكي للعراق بخطوات متتابعة لتهديم كيان الدولة العراقية، فبعد ان اباح واستباح مؤسسات البلد الثقافية والحضارية والعالمية من جامعات ومكتبات ومتاحف ومعاهد ودوائر الحكومة والوزارات نهبا وحرقا وتدميرا، وبعد ان استحوذ ومن دخل معه من ازلامه وعملائه علي الوثائق والمستندات والارشيفات واخذ منها ما يريده وما يستخدم لخدمة مصالح هذه المجموعات ومحاولاتها ابتزاز دول وافراد بتسريب ونشر بعض الوثائق الصحيحة او المزورة في بعض الصحف العربية والاجنبية وخاصة صحف الكويت عن علاقتها مع النظام السابق، نقول بعد كل هذه الاجراءات قام بخطوات اخري اكثر خطورة ومنها حل الجيش العراقي وتسريح افراده ضباطا وجنودا وحل اجهزة الشرطة والامن لاشاعة الفوضي واكمال استباحة البلد بعد ان افرغه من اية سلطة حكومية لتسود الفوضي واعمال السرقة والقتل والسلب في الشارع العراقي بلا رادع يردع او سلطة تفرض احترام النظام العام والقانون، وحتي عندما حاول بعض قادة الشرطة متطوعين وبمبادرة وطنية اعادة تنظيم وجمع بعض ما يمكن جمعه من افرادها لاعادة الامن الي الشارع الراقي كان مصيرهم الاعتقال بتهمة التآمر فتم القبض عليهم واحتجازهم بسجون الاحتلال في معتقل مطار بغداد ومعتقل ام قصر (جريدة القدس ـ 11 كانون الثاني ـ ديسمبر 2003).

لم يقف تدمير وتهديم هذه المؤسسات الوطنية عند عزل قياداتها والمتورطين منهم بجرائم وانتهاكات غير قانونية بحق العراقيين لكن الذي حصل ان التهم كانت جاهزة وألصقت بالجميع دون اعتبار لمسؤولية او رتبة عسكرية او عمل غير قانوني واستمرت عملية الهدم التي لم توقف لتنال ايضا من المؤسسات الانتاجية وخاصة القطاع العام التي كانت تسد جزءا من احتياجات المواطنين كما لم تسلم من عمليات الهدم المؤسسات الخدمية من كهرباء ومواصلات واتصالات وغيرها لتسود البلد حالة من الارباك وفقدان الامن وانعدام الخدمات وتفشي البطالة التي اخذت تعد بالملايين وبنسب تتجاوز 70% من العراقيين حسب تقديرات وزارة التحطيط العراقية واجهزة الامم المتحدة، والنتيجة شل جميع اجهزة الدولة تمهيدا لاعادة تركيبها وفق مباديء الاحتلال واهدافه، ورغبات واطماع تلك العناصر التي ركبت دباباته وعملت منذ الوهلة الاولي علي بث افرادها وعناصرها في مؤسسات الدولة الحساسة في ظل غياب كامل للجهاز الاداري والفني في الدولة، وعندما ارادت سلطة الاحتلال اعادة تشغيل جهاز الدولة وجدت نفسها عاجزة عن تسيير دولاب العمل الحكومي دون الاستعانة بموظفي الدولة ولذا دخلت في خلافات بين ضرورة الاستعانة ببعض عناصر هذا الجهاز والحاح المتعاونين معها من جماعات الاحزاب والمجموعات السياسية التي سعت الي التخلص من اهم عناصر الجهاز الاداري تحت شعار اجتثاث حزب البعث والهدف زرع انصارها ومؤيديها في دوائر الدولة دون اعتبار للكفاءة او الخبرة، ولذا اخذنا نقرأ ونسمع عن تدريب عناصر عراقية في الدول الاخري، وكانت مجموعة من افراد الجيش الذي بدأ الاحتلال بانشائه قد ارسلت الي الاردن لهذا الغرض، كما يجري الحديث عن مشاريع لتدريب رجل امن عراقيين في عدد من الدول الاخري، ولكن الذي حدث ان اكثر من نصف هؤلاء رفضوا هذا التدريب وتركوا العمل في الجيش رغم الرواتب المغرية التي يحصلون عليها في بلد تعم به البطالة وذلك لان مستوي معلوماتهم وخبرتهم لا تتناسب مع من يقوم بتدريبهم، واذ كنا لسنا بصدد مناقشة الخطيئة الكبري بحل الجيش العراقي الذي تناولته الكثير من الاقلام بالتحليل والادانة لان هذا الجيش كان احد ضحايا النظام السابق فانه لم يعد خافيا بان حل الجيش العراقي كانت وراءه اياد صهيونية وهو ما كشف عنه مؤخرا ريتشارد بيرل احد اعمدة الصهيونية في البنتاغون الذي صرح بانه كان وراء قرار حل الجيش العراقي والسبب واضح ان اسرائيل كانت تنظر اليه كعدو عنيد متربص بها ولذا كان اول المرحبين بهذا القرار الجنرال يعلون رئيس اركان الجيش الاسرائيلي الذي اعلن عن فرحته بازاحة تهديد رئيسي لاسرائيل من الشرق.

موضة التدريب في الخارج لم تقتصر علي الجيش ورجال الامن فقد صرح وزير خارجية الاردن بان بلاده ستقوم بتدريب عدد من الدبلوماسيين العراقيين فيها بناء علي طلب وزارة خارجية العراق، كما نشرت جريدة القبس الكويتية قبل ايام ان وزارة العدل في الكويت ستقوم بتدريب قضاة عراقيين لديها.

الاستنتاج الوحيد الذي يخرج به من يقرأ هذه الاخبار ومن لا يعرف العراق وتاريخ العراق وتراث العراق القانوني والاداري بانه امام بلد حديث التكوين يفتقر الي العناصر البشرية التي يمكن ان تقوم عليها مؤسسات الدولة وان لديه جهازا اداريا وقضائيا بمستوي متقدم وكان نتاج تراكم جهود واجيال من بناة العراق الحديث بدأ بالملك فيصل الاول الذي وضع لبنة صرح مؤسسات ادارية وقضائية وعسكرية تعتبر متقدمة علي كثير من مثيلاتها من الدول المجاورة حتي التي سبقت العراق في هذا المضمار، ولم يفرق بناة العراق الاوائل بين عراقي واخر بسبب العرق او الدين او الطائفة، وبين رجل وامرأة، وقد لا يعرف الكثيرون مثلا بان اول امرأة عربية جلست علي منصة القضاء كانت من العراق ومنذ اكثر من نصف قرن في حين لم تصل المرأة الي هذا المركز في دولة متقدمة سبقت العراق كثيرا في مجال البناء القضائي، وان القضاء العراقي ومدارس القانون والفقه قام بتخريج اجيال من خيرة القانونيين العراقيين والعرب المشهود لهم بالكفاءة والاستقامة ومنهم رؤساء حكومات ووزراء ورؤساء محاكم في عدد من الدول العربية الشقيقة، واعلام رجاله من القانونيين معروفون في العالم العربي بفضل انتاجهم الفكري المتنور ومواقفهم الصلبة في وجه تدخل السلطة في احكامهم وان كلفهم ذلك مراكزهم، كما حدث في عام 1992 عندما قام النظام السابق بحل (هيئة التمييز العليا) وهي اعلي سلطة قضائية في البلاد لرفضها التدخل في شؤونها وقراراتها وكانت النتيجة احالة جميع اعضاء الهيئة المعترضين علي التقاعد، ان هؤلاء لم يأتوا من فراغ وانما تربوا في ظل نظام قانوني راق ونزيه ولابد ان لهم الكثير من التلاميذ والمريدين الذين تعلموا منهم ويحذون حذوهم، كما ان عشرات القانونيين والقضاة واساتذة الجامعات قد انتشروا في انحاء العالم ايام الكبت والحصار وتضييق الحريات، ولا يحتاج العراق الا الي استدعاء هذه الاسماء والرموز القانونية وان تتولي مسؤوليتها بعيدا عن تدخلات سلطات الاحتلال وانتهاكاتها لكل قواعد العدالة وحقوق الانسان العراقي ولا نظن بأن عراقيا يبخل بتقديم خبرته الي بلده وابناء شعبه اذا ما احس بالامان وضمن كف يد وتدخلات الاحتلال وازلامه.

ولا يختلف السلك الدبلوماسي العراقي كثيرا عن سلك القضاء الذي ساهم في بنائه اجيال من العراقيين وعبر علاقات واسعة ومتطورة مع العالم الخارجي ويكفي ان اول سيدة وصلت الي مركز السفيرة من بين جميع الدول العربية كانت من العراق ومنذ اكثر من اربعة عقود ولم تحذ الدول الاخري حذوها الا بعد عقود من الزمن، وشهدت الامم المتحدة التي تعتبر المدرسة الاولي للدبلوماسية في العالم اسماء عراقية بارزة احتلت مكانتها ليس فقط بين دبلوماسي العالم بل في مواقع متقدمة في المنظمة الدولية وحتي وقت قريب ولعل العاملين في المنظمة الدولية يذكرون جيدا المرحوم هاشم جواد وعدنان الباجه جي والمرحوم عصمت كتاني ووسام الزهاوي وغيرهم كثيرون ممن كان لهم حضور مشهود في الامم المتحدة وكان لهم اسهام بارز في الدفاع عن القضايا العربية وخاصة قضية فلسطين واذكر بان الصديق الاستاذ محمد الفرا (الدبلوماسي المرموق والخبير في شؤون الامم المتحدة والقضية الفلسطينية) يذكر دائما بان السفير وسام الزهاوي خير من يعرف تفاصيل القضية الفلسطينية وخير من يدافع عنها في الامم المتحدة.