ليس جداراً بل استيلاء على "نصف وطن"!
بقلم :محمود
الريماوي
تواضعت الأدبيات
الفلسطينية الإعلامية والسياسية على وصف الجدار الذي تشيده حكومة شارون في عمق
الأراضي المحتلة, بأنه "جدار عازل وعنصري" وبات هذان النعتان يترددان في
وسائل الإعلام العربية, مع بث او نشر أي خبر أو "تطور" يتعلق بهذا
الجدار, والذي يرتبط بـ "خطة الفصل" التي سبق لشارون أن أعلنها والمقصود
فصل الأرض والسكان, فيكون لأبناء الضفة الغربية حدودهم وللإسرائيليين حدودٌ أخرى, إذا
لم يجر تنفيذ "خريطة الطريق" وهي الخطة التي سبق لشارون وحكومته الإعلان
عن 14 تحفظا خاصا عليها فتغدو هناك "خريطة طريق" خاصة بالإسرائيليين, وعلى
الفلسطينيين تنفيذ هذه الأخيرة وليس تنفيذ الخريطة الأصلية, التي بادر إليها
الأوروبيون و"ضغطوا" على الأميركيين للقبول بها, فقبل هؤلاء بها ولكن
على طريقة الاختطاف, إذ اعتبروها خاصة بالإدارة الجمهورية الحالية, ودعوا الأطراف
قبل نشوب الحرب الأخيرة على العراق إلى تنفيذها, ثم دأبوا بين فترة ولأخرى على
التذكير بها. باعتبارها الحل والمفتاح بيد الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني, ولكن من
دون حملهما على وجوب التقيد بها, في أمد زمني محدد أو بآلية التنفيذ, وبقوة مراقبة
على الأرض.
ومع ذلك فإن الحكومة
الإسرائيلية أخذت المسألة على محمل الجد وبالطبع على طريقتها. فبما أن الخريطة, تتحدث
عن عام 2005 كموعد لقيام وإعلان دولة فلسطينية "مستقلة ذات سيادة", وبما
أن دول العالم جميعها "تعطي" للفلسطينيين حق إقامة دولة لهم في الضفة
الغربية وقطاع غزة, وبما أن شارون نفسه "منفتح" على الفكرة, فقد شرع في
استباق الأمور ببناء الجدار, الذي يضمن فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين, ويحقق
لهؤلاء الأخيرين إذا شاؤوا إعلان دولتهم, وهو ما يفسر اختيار العام 2005 كموعد
للانتهاء من أعمال الجدار بطول 750 كيلومتراً.
وقد سارعت البيانات
والمقالات الفلسطينية إلى وصف الجدار بالعازل والعنصري, استلهاما لوقائع العزل في
نظام جنوب إفريقيا الذي نال أوسع إدانة دولية, مما أدى في النهاية إلى رفع كل
إجراءات وتدابير العزل بين البيض والسود.
غير أن الوظيفة
الأولى الجوهرية لجدار شارون, تختلف عن تلك التي كانت وراء أنظمة العزل في الدولة
الأفريقية, فرئيس الحكومة الإسرائيلية لا يرمي إلى وقف الاختلاط بين الإسرائيليين
والفلسطينيين فحسب, بل يعمل قبل ذلك والأهم من ذلك للاستيلاء على ما نسبته 58 في
المئة من أراضي الضفة الغربية المحتلة, مع ربط الأراضي والمناطق المصادرة بالدولة
العبرية, وذلك تطبيقا لمشروعه الأصلي "في حل انتقالي طويل الأمد", يعيد
للفلسطينيين ما نسبته 42 في المئة من أرضهم, ويصادر الباقي. ولو أن شارون عمد
افتراضاً إلى بناء جدار على طول حدود الدولة الإسرائيلية مع الضفة الغربية وقطاع
غزة لتكريس سلام يقوم على فصل كامل جغرافي وديمغرافي وسياسي, لحَقّ حينذاك وصف
الجدار بأنه عازل وعنصري, إذ يستبدل فرص التعاون والتواصل التي ينبغي أن يتيحها
للسلام, بإرساء جدار يكرس القطيعة والعداء ولو وفق صيغة سلمية مفترضة. أما حين يتم
الاستيلاء على مساحات هائلة من الأراضي, والمسارعة إلى تغيير معالمها وربطها
بالمستوطنات والمواضع العسكرية, فإن الأمر هنا لا يغدو متعلقا بمجرد بناء جدار
أياً كانت مواصفاته, بل يتصل بعملية سطو مسلح واسعة النطاق, لفرض مزيد من الوقائع
على الأرض, مع أقصى عملية استغلال لشعار "الدولة الفلسطينية" المرفوع
والمعلن منذ نحو ثلاثة عقود, وذلك بتطبيقه ضمن مواصفات الليكود وبقية التيارات
اليمينية والتوسعية.
وبما أن أوصافاً
كالعزل والعنصرية هي في نهاية الأمر أحكام معنوية تخضع لتقدير من يطلقها ويتلقاها,
فإنه لم يكن أمراً مستغرباً أن لا يثير هذا الهجاء, الانطباعات السلبية الكافية. فالعالم
يدرك نزعة الانغلاق لدى الإسرائيليين, فلا يعود أمراً جديداً ومبهراً نعتهم
بالانعزال وراء جدار, أما نعت "العنصرية", فقد سبق للجمعية العامة للأم
المتحدة, أن أبطلت قرارا سابقا لها, يربط الصهيونية بالعنصرية, فيبقى مثل هذا
النعت ملكا لمن يطلقه, وبوسع من يشاء الأخذ به أو طرحه جانباً, باعتباره ضرباً من
التأثيم المتبادل بين الفريقين المتنازعين المتحاربين.
ويفيد شارون وشركاؤه
اليمينيون وهم كثر وبعضهم يدعي انتسابه إلى اليسار كحركة شينوي المؤتلفة معه في
حكومته, من تركيز الأضواء على الجدار وحصرها عليه, حتى لو لم تكن فكرة الجدار
مستحبة فيطلق عليه وصفا جديداً: الجدار الحاجب للإرهاب... ولا بأس أن يثور جدل حول
أفضل الوسائل لمكافحة الظاهرة الإرهابية, وهل من بينها إشادة جدار أم لا. ذلك لأن
هذا الشخص يدرك أن اقتصار الجدل حول ماهية الجدار ووظيفته, يطمس الإجراء الأهم
الذي يجري تنفيذه على قدم وساق, وهو الاستيلاء على الأرض, وعزل المدن والبلدات
والقرى عن بعضها بعضاً. وهي المسألة التي تستحق إيلاء كل الاهتمام بها. والأفضل أن
يتم ذلك دون الخوض في مسألة الجدار! ليس تقليلاً من أهميته وإنما بغرض التركيز على
ما يستحق التركيز عليه, قبل سواه واكثر من غيره, إذ قد ينتهي الأمر بعد عامين
مثلاً, وأمام الضجة التي تتعلق بالجدار إلى هدمه وإزالته تلبية لمطالب "المجتمع
الدولي" بهذا الخصوص, ولكن بعد تكريس الاستيلاء على الأرض وضمها بصورة فعلية
ونهائية إلى الدولة الإسرائيلية.
ولا يكفي القول أن
مناهضة بناء الجدار تضمر أو تعني "بداهة" رفض مصادرة الأرض. فجوانب
الصراع وتفاصيله, ليست بالوضوح الكافي والدائم لدى الآخرين. إذ أن الشعارات
والمطالب المرفوعة في كل مرحلة هي التي تحدد درجة ووجهة الاهتمام, ولما كان الحديث
يتركز حصرا حول الجدار الذي يعيد إلى الأذهان فكرة الغيتو اليهودي, فإن ذلك أدى
ويؤدي إلى تغيب واقعة الاستيلاء على الأرض (على نصف مساحة وطن), وذلك لأننا نطرب
لإطلاق النعوت من قبيل "عازل" و"عنصري", حتى لو أفضى ذلك في
غفلة منا إلى صرف الأنظار والأذهان عن الوقائع والحقائق الملموسة والأدعى للاهتمام
من أي شيء آخر.
وعسى أن تكون
المرافعات أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي ابتداء من 22 شباط (فبراير) المقبل, فرصة
لتدارك الأخطاء وصياغة بيانات ووثائق دقيقة, تبين أن الجدار هو الحد الفاصل للأراضي
التي تم الاستيلاء في آخر عملية سرقة وقرصنة.
نقلا عن
الحياة