خطبة حجة الوداع او الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان
بقلم: الهادي
بريك
يساق هذا الكلام
بمناسبة الاشهر الحرم وايامها المباركات التي نجد ريحها اليوم ونحن في يمها توشك
شمس افضل ايام السنة أي العمر والدنيا والحياة ان تغمرنا وليس هو سوى يوم عرفة
فطوبى لرجل صامه ايمانا واحتسابا متوسلا الى شطب ذنوب عام قضى واخر حل وطوبى لرجل
وطات قدماه فيه جبل عرفات ثم انحدر منه كيوم ولدته امه وليس كبنك الرحمان سبحانه
يمن بمثل هذا العطاء واعادة جدولة الديون بما يمحوها بالكلية دون شرط ولا قيد .
كما يساق هذا الكلام
ايضا بمناسبة انقسام الناس فوق البسيطة في شان النظرية الحقوقية ثقافة قولية
وعملية بين ثلاث مرجعيات كبرى : طبيعية ودينية وعقلية ونتجاوز التفصيل هنا في
محاولة لبسط مختصر لاصول النظرية الحقوقية في الاسلام او الميثاق الاسلامي لحقوق
الانسان من خلال خطبة حجة الوداع المعروفة وربما نوطئ لذلك بما يمكن ان نطلق عليه
فقه الحرمات في الاسلام فالحاجة اليه اكيدة ماسة غير ان المساحة ضيقة .
واستاذن القارئ
الكريم بداية في امرين اثنين : اولهما وهو اهمهما ان موضوع حقوق الانسان وهو موضوع
العصر بامتياز ولغته المشتركة وعملته الثقافية والذي باسمه تجتاح العولمة بعجرها
وبجرها الدنيا وتداس السيادات ويباح الاحتلال والنهب ... هو مفتاح النهضة
الاسلامية المعاصرة وعليه تتاسس ويتواصل تشييدها ثقافة قولية وعملية في ان واحد
فكل بحث فيها هو جهاد في سبيل الله تعالى وكل تربية سلوكية على اساسها كذلك وقطرة
مداد منه ترجح قطرة دم تهراق . اما ثانيهما فهو ان الموضوع بحاجة حتى يكتمل الى
اعتماد منهج المقارنة من ناحية وقراءة في طبيعة وهوية هذا الميثاق مقاربة لاسسه
الكلية غير ان المجال هنا ضيق فلا يبخلن احد بالاتمام والاكمال .
فقه الحرمات يؤسس
النظرية الحقوقية الاسلامية :
ليس فقه الحرمات سوى
بذل الوسع العقلي وخاصة الجماعي سيما من اهله في محله من اجل تعميق الفهم وتدقيقه
في مسالة المساحات التي احاطها الله تعالى بالصون والحرمة والتكريم والقدسية مرتبا
اعلى العقوبة على واطئها بغير حق فهي حمى محمية وليست هذه سوى ثلاث وهي الانسان
مطلقا عقلا وروحا ونفسا وعرضا ومالا وفردا وجماعة وكذلك الزمان او بالاحرى ثلثه أي
الاشهر الحرم الاربعة منه وكذلك المكان أي اجزاء كبيرة منه ليس هنا مجال التفصيل
فيها . وليس المقصد الالهي من تحريم الانسان وثلث الزمان والمكان سوى تضييق مساحات
الاعتداء والظلم بين الناس الى ابعد حد ممكن بالقانون وعبر وازع التقوى وفي
المقابل نشر مناخات السلام والامن والتعارف والبناء والتعاون والتعمير والحياة
الكريمة والحرية الى ابعد حد ممكن . وبذلك وباختصار شديد جدا ليس لنا من مندوحة
عنه لنتفرغ الى خطبة حجة الواداع يتبين ان فقه الحرمات في الاسلام باسسه الثلاث
الكبرى الانسان والزمان والمكان كفيل الى جانب بقية جوانب الدين وداعيات الفطرة
وسلطان القوة وسابغات العقل بتاسيس النظرية الحقوقية الاسلامية او مبادئ ميثاق
حقوق الانسان في الاسلام .
المبادئ السبع لخطبة
حجة الوداع لحمة وسدى الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان :
1 ــ حق الحياة
الكريمة فريضة مقدسة " ياايها الناس ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام
كحرمة يومكم هذا من شهركم هذا في بلدكم هذا الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
2 ــ حق العدالة
والقسط في تكافؤ فرص الكسب والمساواة في التوزيع على قاعدة الرجل وبلاؤه والرجل
وكسبه وضمان الكفاية دوما " ياايها الناس ان ربا الجاهلية موضوع واول ربا
اضعه تحت قدمي هاتين ربا العباس الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
3 ــ حق المساواة
الانسانية الكاملة امام الماثر والمناقب على قاعدة العمل والكسب والجهد لا على
قاعدة النسب او العرق او المال " ياايها الناس ان ماثر الجاهلية موضوعة غير
السدانة والسقاية والعمد قود وفي شبه العمد مائة بعير الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
4 ــ حق المراة في
الحياة الكريمة حق مقدس ضمن مؤسسة الاسرة خلية الاسرة الاجتماعية والانسانية
الكبرى على قاعدة الغنم بالغرم او تكافؤ الحقوق مع الواجبات " ياايها الناس
ان لنسائكم عليكم حقا وان لكم عليهن حقا فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا
الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
5 ــ حق الاجتماع
والاخوة والتعاون وحرية الاختلاف بضمان الوحدة حقوق مقدسة " ياايها الناس
انما المؤمنون اخوة فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض الا هل بلغت اللهم
فاشهد ".
6 ــ حق المعتقد
والانتماء وحرية التدين والعبادة وحرية ا لفكر والاصلاح والتغيير حقوق مقدسة
وحريات مصونة " ياايها الناس اني تركت فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي
ابدا كتاب الله وسنتي الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
7 ــ حق المساواة
امام الاصل البشري وحق البشرية جمعاء في العبودية لخالقها الحق وولي امرها وحق
انتسابها الفطري لابيها ادم وحرية تساويها جمعاء امام مقتضيات ذلك كله " ياايها
الناس ان ربكم واحد وان اباكم واحد كلكم لادم وادم من تراب ان اكرمكم عند الله
اتقاكم الا هل بلغت اللهم فاشهد ".
خلاصات نهائية وحصائل عملية :
1 ــ اس الاسس في
النظرية الحقوقية الاسلامية او ميثاق حقوق الانسان هو حق الانسان مطلقا في الحياة
والكرامة وكسب المال والعدل والقسط والمساواة وصون عرضه وشخصيته المعنوية وحق
المراة كولي مسؤول عن سائر شانه مخير ومحاسب ومريد وملتزم وحقه في الاخوة والاتحاد
والتعاون والتجمع والشورى مع ضمان حق الاختلاف وحرية التنوع وحقه في التغيير
الايجابي السلمي الاهلي المدني الديمقراطي الحائل دون اهراق الدماء وافناء الانسان
وقتل الارادة وبسط الخوف والهلع والارهاب وكذلك حقه في اختيار عقيدته ودينه
وعبادته وطقوسه ومنهاج حياته ومعاملاته وسلوكه في كل شانه وحقه في معرفة ربه أي في
العلم والعرفان وحرية الفكر والعقل مع ضمان التنوع من جهة وضمان الامن والسلام من
جهة اخرى وحقه كذلك في الانتساب الى اب الناس جميعا ادم فطرة وجبلة بما يكرمه عن
العجماوات والمادة .
2 ــ حقوق الانسان في
النظرية الاسلامية هي في الحقيقة فرائض مفروضة وعزائم معزومة وواجبات موجوبة لا
يفرط فيها طالبها وان بذل فيها روحه اذ ان اثم القاعد دون حقه في الحياة الكريمة
يستوي مع اثم سالبها منه دون وجه حق . كما ان تلك الفرائض شمولية كما تقدم لنا فهي
تنبسط على الحياة المعنوية والمادية والفكرية والعقلية والروحية والفردية
والجماعية وليس كما صورها شيراك اخيرا في تونس لما اعان الظالم على مظلومه بقوله
ان حقوق الانسان هي الاكل والشرب والمسكن فحسب اذ بذلك يصح ان نقول ان المساجين يتمتعون
بحقهم في السكن اللائق بانسانيتهم وان اصحاب الاكواخ والكهوف الذين يزدحمون
كالاحزمة حول مستنقعات الترف الفاجر في قرطاج واريانه . كما ان تلك الفرائض عالمية
لا تخص انسانا دون اخر لتفارق النظرة
المركزية الانانية الجشعة لحقوق الانسان الابيض في اوروبا وامريكا وهي كذلك تتميز
بالتوازن والاعتدال بين المطالب البدنية والروحية وبين المراة والرجل وبين الاسرة
والمجتمع وبين الحقوق والواجبات الخ ...
3 ــ نهضتنا من
وهدتنا السحيقة رغم صدق بريق الصحوة المعاصرة ووعود المقاومة المتالقة في فلسطين
والعراق والشيشان مرهونة بامرين هما انتاج النظرية الاسلامية وعمدتها فقه الحرمات
او حقوق الانسان وهي فريضة المفكرين والعلماء والمصلحين وثانيهما تاطير اوسع
قطاعات ممكنة من الشباب والنساء والطلبة ضمن تيارات اصلاحية متنوعة تترجم فيها
ثقافة حقوق الانسان ترجمة عملية وفق شروط المقارنة والوسطية والدعوة بالحسنى
والتيسير والمصابرة والبحث العلمي وضمان الاختلاف وتحريم التنافي والتضاد والاقصاء
والاستئصال وتحت سقف مرحلة التحرر الوطني العروبي الاسلامي .