هل تشتري مصر مياه النيل من أوغندا؟!

 

 

 

 

بقلم : شعبان عبدالرحمن

 

تناقلت وكالات الأنباء يوم الثاني من كانون ثان/ يناير (2004م) الخبر.. لكنه مر في إعلامنا العربي مرور الكرام. فقد «كشف تقرير ياباني خطير من العاصمة الأوغندية كمبالا أن دول شرق افريقيا التي تضم داخل حدودها بحيرة فيكتوريا (أكبر بحيرة للمياه العذبة في إفريقيا والمنبع الرئيس لنهر النيل) تخطط لفرض المزيد من سيطرتها على منابع النيل والحصول على حق بيع المياه إلى مصر والسودان.. وأن طلباً بذلك تم تقديمه من أوغندا على شكل اقتراح إلى برلمان دول شرق افريقيا الذي يتكون من أوغندا وتنزانيا وكينيا في حزيران/ يونيو من عام 2003م».

 

وبالتزامن مع السعي لبيع مياه النيل لكل من مصر والسودان يسعى برلمان دول شرق أفريقيا لإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل الموقعة عام 1929م والتي تمنع دول حوض النيل من استخدام بحيرة فيكتوريا دون إذن من مصر.

 

الخبر.. مر دون أن يتوقف عنده الإعلام المصري أو السوداني وربما لم يتم الالتفات إليه رغم أنه لا يقل في ثقله عن التهديد بموقعة حربية قادمة في إطار الصراع من أجل الحياة التي تمثل قطرة المياه حجر الزاوية فيها.

 

ومنذ سنوات طويلة تسعى بعض حكومات دول حوض النيل إلى إلغاء اتفاقية عام 1929 وغيرها من الاتفاقيات بقصد إسقاط البنود التي تعطي حقوقاً واضحة لمصر في مياه النيل بل وتحصن هذه الحقوق ضد عبث العابثين. «وقد دخلت أطراف دولية عديدة ومنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بطريق غير مباشر لدعم هذه الحكومات وتشكيل عنصر ضغط دولي على مصر للاستجابة للتعديل.. لكن هذه المساعي فشلت تماماً»(1). والهدف معلوم وهو الإمساك «بسيف المياه» أو «سيف الحياة» وتسليطه على رقاب الشعب والقرار المصري!

 

المسألة تأتي في إطار ما يسمى «بحرب المياه» وهي القضية التي تنشغل بها مراكز الدراسات الدولية والخبراء على مستوى العالم منذ بدايات القرن الماضي (العشرين).. وقد ازدحمت المكتبة العربية بكم هائل من الدراسات بشأنها في الربع الأخير من القرن العشرين وما زالت المكتبة العربية تستقبل المزيد. لكن على قدر اهتمام مراكز الدراسات والخبراء بتلك الحرب وتحذيرهم عبر بيانات علمية موثقة من أن المنطقة العربية -بالذات- مقبلة على حالة من القحط الشديد ستكون سبباً في إشعال أخطر الحروب، إلا أن العالم العربي لم يلتفت بعد إلى البدء في صياغة استراتيجية موحدة لمواجهة ما تنتظره من أزمة كبرى -لا قدر الله- وهي الأزمة التي جعلت الأمم المتحدة تتساءل في أحد تقاريرها المنشورة عام 2002م «من أين سيشرب 450 مليون عربي عام 2025م؟».. ولا أعتقد أن هناك أملاً في نهوض العرب لاستشعار الخطر وصياغة تلك الاستراتيجية.. فنحن في زمن غياب الاستراتيجيات العربية أمام الأخطار الكبرى: الكيان الصهيوني.. الاستعمار الدولي الجديد.. الانهيار الحضاري.. إلخ.

 

وإذا ضيقنا الدائرة أكثر وعدنا إلى فحوى الخبر المشار إليه فإن الخطورة لا تكمن في تحميل الخزينة المصرية والسودانية بأعباء شراء المياه من أوغندا فقط وإنما الخطر الأكبر هو أنه إذا نجحت أوغندا في ذلك -بدعم دولي استعماري بالطبع- فإنه لن يكون من حقها فقط بيع قطرات مياه النيل لمصر والسودان وإنما يكون من حقها الموافقة على البيع أو الامتناع عنه أي التحكم بصنبور «الحياة» بعد حرمان مصر من 55ملياراً ونصف المليار م3 من المياه سنوياً هي حصتها في مياه النيل والتي لم تعد كافية بعد، وكذلك حرمان السودان من حقه. لاشك أن المسألة تحتاج إلى تحرك سريع حتى لا يضيع الحق المصري والسوداني في مياه النيل وسط عاصفة إعادة رسم خريطة النفوذ في العالم وخاصة عالمنا العربي.

----------------------------------

(1) كتاب: حرب العطش ضد مصر - لكاتب المقال.