الحرب الاعلامية  الأمريكية أشد ضراوة من القصف بالقنابل

 

 

بقلم : عامر عبد المنعم

amermoneim@maktoob.com

 

الضربات الاعلامية التي تعرضت لها طالبان أشد ضراوة من القصف بالقنابل . فالسيطرة  الامريكية و الغربية علي الادوات الاعلامية ساهمت في التراجع السريع لسيطرة طالبان علي الولايات الأفغانية. و ساهمت في اضعاف صورة الحركة التي كانت تحكم القبائل بالهيبة  .فالاعلام أسقط الولايات قبل أن تسقط ، وجعل الطالبان يستسلمون علي غير الحقيقة ، و روج الاشاعات و الاكاذيب في حرب نفسية ضارية ، هزت القبائل المتحالفة مع حكم الملا محمد عمر و أضعفت من صلابة بعض أبناء الحركة .

و لم يعد لطالبان وسيلة اعلامية تبث أخبارها بعد تدمير اذاعتها المحلية الوحيدة ، و لا وسيلة متعاطفة معها بعد قصف مكتب الجزيرة في كابل و اجبار مراسليها الأبطال تيسير علوني و يوسف الشولي علي مغادرة أفغانستان . بل أصبحت الجزيرة الآن مثلها مثل السي إن إن  بوقا للتحالف الشمالي و قادة الدمار في البنتاجون .

الانتكاسات التي نراها في كل وسائل الاعلام تقريبا لطالبان لا تعكس الواقع علي الأرض ، فالقصف الجوي و انسحاب طالبان من المدن و بعض الولايات لا يعني انتهاء الامارة الاسلامية في أفغانستان .  فالاخبار التي ترد الينا من أفغانستان رغم الحصار و التعتيم الاعلامي تظهر أن المعارك دائرة في كل الولايات تقريبا بين المجاهدين الأفغان و من معهم من ناحية و الخونة العملاء تحالف الشمال و معهم أمريكا و بريطانيا من ناحية أخري ، و ترد الينا أنباء صمود و انتصارات تؤكد أن طالبان لم تنته بعد ، بل علي العكس ، بدأت الحرب الحقيقية علي الأرض .

خطورة هذه الحرب الاعلامية ليست علينا فقط خارج أفغانستان و انما علي الشعب الافغاني نفسه الذي لا يتابع الاحداث إلا من خلال الراديو . حيث لا توجد محطة توحد الله أو حتي محايدة  .و لم يعد أمام الأفغاني كي يعلم أخبار ما يدور في الولاية المجاورة له إلا الاذاعات الغربية الموجهة التي تبث الأكاذيب ، و أيضا الاذاعات العربية التي خانت رسالتها أيضا و أصبحت أمريكية أكثر من الأمريكيين .

 

و هذا العجز الاعلامي الاسلامي ليس وليد اللحظة ، فللأسف نحن المسلمون لا نفكر في أن الاعلام أداة حيوية في حروبنا العسكرية و السلمية الباردة . نملك المال و الكفاءات لكن لم نفكر في انشاء ادوات اعلامية قوية ..

 و دولنا العربية و الاسلامية يسيطر علي اعلامها إما عملاء و إما منهزمون و إما تخضع لألف حصار و حصار . و الأدهي أن بعض الوسائل الاعلامية التي تدعي أنها اسلامية يقودها أشخاص ليس لهم صلة بمعارك الأمة .

و المخلصون من أبناء الأمة الذين لديهم المال لا يفكرون في دعم الاعلام الاسلامي  بأي صورة من الصور ، وليس في أولوياتهم أصلا .

قد تكون العقبات و طبيعة النظم الاستبدادية السائدة تعرقل وجود أدوات اعلامية تقليدية جادة لكن حتي الوسائل التي تنبت وسط هذه الصعاب تولد ميتة بسبب تجفيف مصادر تمويلها المتعمد .

و مع ذلك فان وجود الانترنت الآن فتح المجال واسعا أمام الجميع للانطلاق و التغلب علي العقبات المعروفة .

نحن بحاجة الي وعي اسلامي جديد يدرك أهمية الجهاد الاعلامي ،و ينظر للاعلام علي انه سلاح أكثر فتكا من القنبلة ، و انه أحد الاسلحة التي يستخدمها الامريكيون و حلفائهم كجزء اساسي من منظومة الاسلحة التي يخوضون بها حروبهم . فثمن دبابة واحدة كفيل بتمويل اداة اعلامية متميزة بالغة التأثير .

نحن بحاجة الي أن توظف الأموال و الكفاءات في دعم الأدوات الاعلامية الجادة القائمة ، و انشاء المزيد ، و ابتكار الامكانات التي تفيد من التكنولوجيا الحديثة .

و ليس معني هذا أن تسعي كل منظمة اسلامية او جماعة سياسية – كما هو موجود الآن - لانشاء بوق خاص بها هي فقط ، و انما أن يتسابق المسلمون في أنشاء قنوات اعلامية عامة تخدم الأمة كلها و أن يكون الهدف هو تقديم اعلام اسلامي متميز ينافس الابواق المناوئة أو التي انشئت لكي تغربنا و تمسخ هويتنا .

و لكي ندرك أهمية الاعلام في الحرب الحالية علينا أن نسترجع النظر لكم الضغوط و التهديدات التي تعرضت لها قناة الجزيرة أثناء تغطيتها للحرب . رغم أنها قناة واحدة أمام مئات القنوات الغربية و المتغربة ، فإنهم لم يتحملوها مع ان المادة الاخبارية التي كانت تبث لصالح الامريكيين بلغت 90% تقريبا في بعض الفترات . إنهم لم يحتملوا نسبة 10% الصادقة لأنها تعري الجرائم و تفضح الفظائع .

و منذ خروج الجزيرة من تغطية الحرب و اغلاق سفارة الامارة الاسلامية في باكستان توجد مشكلة حقيقية في متابعة ما يحدث هناك . و أنا شخصيا أصبحت مدمنا لساحات الحوار و المنتديات العربية علي الانترنت ..  فيها أتابع علي مدار اليوم كل جديد . و رغم المبالغة في بعض الاخبار فان الايام تثبت صحة معظمها .

و حرصا من أصحاب المنتديات علي توسيع دائرة الاعلام بالحدث خصصت عشرات المواقع صفحات خاصة عن الحرب تبث فيها أخبار من مصادر داخل ساحات القتال بالاتصال بهم عبر الاقمار الاصطناعية، و تتميز هذه الأخبار و التحليلات بأنها تحوي تفسيرات لأحداث يشوبها الغموض . من هذه المنتديات المتميزة التي زادت شهرتها و تضاعف زوارها : الفوائد ، فجر ، التحرير و عزف الرصاص الذي" وقع" من كثرة زواره .

****

 

 

مذبحة القلعة

 

كم تألمنا و كم كانت صدمة للضمير الانساني مع مشاهد الأسري في قلعة مزار الشريف و هم مذبوحين و ممزقين في مشهد يوضح كيف يكون القتل و التشفي الأمريكي . نعم تألمنا لهذه المشاهد ، لكن لا نستغرب هذا . فهؤلاء الابطال الذين أرادوا الشهادة و نالوها كان حرصهم علي الموت أكثر من حرصهم علي الحياة . فقد تعرضوا للأسر بعد أن نفذت زخيرتهم و هم يحمون عملية انسحاب اخوانهم المحاصرين ، و أبوا أن يساقوا ليسجنوا كالخراف يتعرضون للاذلال في سجون الاعداء .

انهم ما ذهبوا الي أفغانستان ليعيشوا ، انهم ارادوا الشهادة و نالوها ، فهنيئا لهم و تقبلهم الله في الشهداء .

****

القصف لن يجلب لأمريكا النصر

 

دمرت أمريكا قري و مدن كاملة و استخدمت كل أسلحة الدمار لكن ستظل نهاية الحرب في علم الله . فالقصف الجبان من الجو لا يحسم معركة . قد يمهد الطريق لخونة الشمال الذي يدخلون المدن المدمرة فوق جماجم الشعب الأفغاني و لكن هذا لا يعني أن المعركة حسمت .ففي الشيشان خرج المجاهدون من العاصمة و المدن منذ سنوات لكن الروس لم يستطيعوا أن يقولوا أنهم انتصروا . فقد تحولت الشيشان الي مستنقع لا يعرف الروس كيف يخرجون منه حتي الان .

 

 

****

 

لن تنته طالبان

 

ما فعلته طالبان أعاد لنا الثقة في أن الأمة لا زالت بخير ، فهؤلاء الزهاد الفقراء تصدوا لأمريكا في جسارة و نبل يستحق الفخر . فقد سطروا لنا تجربة بطولية في زمن كثرت فيه الخيانات . و أعاد الله لهم الاعتبار بعد أن شوههم الاعلام الغربي و العربي أيضا ، حيث رأيناهم علي شاشات الفضائيات يتحدثون  بعزة و ثبات يذكروننا بالصحابة الأوائل ، يلقون بالدنيا خلف ظهورهم و يسعون الي إرضاء الله و حتي و لو بدا أن في ذلك هلاكهم .. ففي صمودهم و جهادهم و رفضهم تسليم بن لادن و الدفاع عن دينهم حتي آخر قطرة دم دليل علي أن هذا الجيل من الشباب لا يمكن ينتهي حتي لو دمرت أمريكا كل  أفغالنستان .