الضربات الاعلامية التي تعرضت لها طالبان أشد ضراوة من
القصف بالقنابل . فالسيطرة
الامريكية و الغربية علي الادوات الاعلامية ساهمت في التراجع السريع لسيطرة
طالبان علي الولايات الأفغانية. و ساهمت في اضعاف صورة الحركة التي كانت تحكم
القبائل بالهيبة .فالاعلام أسقط
الولايات قبل أن تسقط ، وجعل الطالبان يستسلمون علي غير
الحقيقة ، و روج الاشاعات و الاكاذيب في حرب نفسية ضارية ، هزت القبائل المتحالفة
مع حكم الملا محمد عمر و أضعفت من صلابة بعض أبناء الحركة
.
و لم يعد لطالبان وسيلة اعلامية تبث أخبارها بعد تدمير
اذاعتها المحلية الوحيدة ، و لا وسيلة متعاطفة معها بعد قصف مكتب الجزيرة في كابل
و اجبار مراسليها الأبطال تيسير علوني و يوسف الشولي علي مغادرة أفغانستان . بل
أصبحت الجزيرة الآن مثلها مثل السي إن إن
بوقا للتحالف الشمالي و قادة الدمار في البنتاجون .
الانتكاسات التي نراها في كل وسائل الاعلام تقريبا
لطالبان لا تعكس الواقع علي الأرض ، فالقصف الجوي و انسحاب طالبان من المدن و بعض
الولايات لا يعني انتهاء الامارة الاسلامية في أفغانستان . فالاخبار التي ترد الينا من أفغانستان
رغم الحصار و التعتيم الاعلامي تظهر أن المعارك دائرة في كل الولايات تقريبا بين
المجاهدين الأفغان و من معهم من ناحية و الخونة العملاء تحالف الشمال و معهم
أمريكا و بريطانيا من ناحية أخري ، و ترد الينا أنباء صمود و انتصارات تؤكد أن
طالبان لم تنته بعد ، بل علي العكس ، بدأت الحرب الحقيقية علي الأرض .
خطورة هذه الحرب الاعلامية ليست علينا فقط خارج
أفغانستان و انما علي الشعب الافغاني نفسه الذي لا يتابع الاحداث إلا من خلال
الراديو . حيث لا توجد محطة توحد الله أو حتي محايدة .و لم يعد أمام الأفغاني كي يعلم أخبار ما يدور في الولاية
المجاورة له إلا الاذاعات الغربية الموجهة التي تبث الأكاذيب ، و أيضا الاذاعات
العربية التي خانت رسالتها أيضا و أصبحت أمريكية أكثر من الأمريكيين .
و هذا العجز الاعلامي الاسلامي ليس وليد اللحظة ، فللأسف
نحن المسلمون لا نفكر في أن الاعلام أداة حيوية في حروبنا العسكرية و السلمية
الباردة . نملك المال و الكفاءات لكن لم نفكر في انشاء ادوات اعلامية قوية ..
و دولنا
العربية و الاسلامية يسيطر علي اعلامها إما عملاء و إما منهزمون و إما تخضع لألف
حصار و حصار . و الأدهي أن بعض الوسائل الاعلامية التي تدعي أنها اسلامية يقودها
أشخاص ليس لهم صلة بمعارك الأمة .
و المخلصون من أبناء الأمة الذين لديهم المال لا يفكرون
في دعم الاعلام الاسلامي بأي صورة
من الصور ، وليس في أولوياتهم أصلا .
قد تكون العقبات و طبيعة النظم الاستبدادية السائدة
تعرقل وجود أدوات اعلامية تقليدية جادة لكن حتي الوسائل التي تنبت وسط هذه الصعاب
تولد ميتة بسبب تجفيف مصادر تمويلها المتعمد .
و مع ذلك فان وجود الانترنت الآن فتح المجال واسعا أمام
الجميع للانطلاق و التغلب علي العقبات المعروفة .
نحن بحاجة الي وعي اسلامي جديد يدرك أهمية الجهاد
الاعلامي ،و ينظر للاعلام علي انه سلاح أكثر فتكا من القنبلة ، و انه أحد الاسلحة
التي يستخدمها الامريكيون و حلفائهم كجزء اساسي من منظومة الاسلحة التي يخوضون بها
حروبهم . فثمن دبابة واحدة كفيل بتمويل اداة اعلامية متميزة بالغة التأثير .
نحن بحاجة الي أن توظف الأموال و الكفاءات في دعم
الأدوات الاعلامية الجادة القائمة ، و انشاء المزيد ، و ابتكار الامكانات التي
تفيد من التكنولوجيا الحديثة .
و ليس معني هذا أن تسعي كل منظمة اسلامية او جماعة
سياسية – كما هو موجود الآن - لانشاء بوق خاص بها هي فقط ، و انما أن يتسابق
المسلمون في أنشاء قنوات اعلامية عامة تخدم الأمة كلها و أن يكون الهدف هو تقديم
اعلام اسلامي متميز ينافس الابواق المناوئة أو التي انشئت لكي تغربنا و تمسخ
هويتنا .
و لكي ندرك أهمية الاعلام في الحرب الحالية علينا أن
نسترجع النظر لكم الضغوط و التهديدات التي تعرضت لها قناة الجزيرة أثناء تغطيتها
للحرب . رغم أنها قناة واحدة أمام مئات القنوات الغربية و المتغربة ، فإنهم لم
يتحملوها مع ان المادة الاخبارية التي كانت تبث لصالح الامريكيين بلغت 90% تقريبا
في بعض الفترات . إنهم لم يحتملوا نسبة 10% الصادقة لأنها تعري الجرائم و تفضح
الفظائع .
و منذ خروج الجزيرة من تغطية الحرب و اغلاق سفارة
الامارة الاسلامية في باكستان توجد مشكلة حقيقية في متابعة ما يحدث هناك . و أنا
شخصيا أصبحت مدمنا لساحات الحوار و المنتديات العربية علي الانترنت .. فيها أتابع علي مدار اليوم كل جديد . و
رغم المبالغة في بعض الاخبار فان الايام تثبت صحة معظمها .
و حرصا من أصحاب المنتديات علي توسيع دائرة الاعلام
بالحدث خصصت عشرات المواقع صفحات خاصة عن الحرب تبث فيها أخبار من مصادر داخل
ساحات القتال بالاتصال بهم عبر الاقمار الاصطناعية، و تتميز هذه الأخبار و
التحليلات بأنها تحوي تفسيرات لأحداث يشوبها الغموض . من هذه المنتديات المتميزة
التي زادت شهرتها و تضاعف زوارها : الفوائد ، فجر ، التحرير و عزف الرصاص
الذي" وقع" من كثرة زواره .
****
كم تألمنا و كم كانت صدمة للضمير الانساني مع مشاهد
الأسري في قلعة مزار الشريف و هم مذبوحين و ممزقين في مشهد يوضح كيف يكون القتل و
التشفي الأمريكي . نعم تألمنا لهذه المشاهد ، لكن لا نستغرب هذا . فهؤلاء الابطال
الذين أرادوا الشهادة و نالوها كان حرصهم علي الموت أكثر من حرصهم علي الحياة .
فقد تعرضوا للأسر بعد أن نفذت زخيرتهم و هم يحمون عملية انسحاب اخوانهم المحاصرين
، و أبوا أن يساقوا ليسجنوا كالخراف يتعرضون للاذلال في سجون الاعداء .
انهم ما ذهبوا الي أفغانستان ليعيشوا ، انهم ارادوا
الشهادة و نالوها ، فهنيئا لهم و تقبلهم الله في الشهداء .
****
دمرت أمريكا قري و مدن كاملة و استخدمت كل أسلحة الدمار
لكن ستظل نهاية الحرب في علم الله . فالقصف الجبان من الجو لا يحسم معركة . قد
يمهد الطريق لخونة الشمال الذي يدخلون المدن المدمرة فوق جماجم الشعب الأفغاني و
لكن هذا لا يعني أن المعركة حسمت .ففي الشيشان خرج المجاهدون من العاصمة و المدن
منذ سنوات لكن الروس لم يستطيعوا أن يقولوا أنهم انتصروا . فقد تحولت الشيشان الي
مستنقع لا يعرف الروس كيف يخرجون منه حتي الان .
****
ما فعلته طالبان أعاد لنا الثقة في أن الأمة لا زالت
بخير ، فهؤلاء الزهاد الفقراء تصدوا لأمريكا في جسارة و نبل يستحق الفخر . فقد
سطروا لنا تجربة بطولية في زمن كثرت فيه الخيانات . و أعاد الله لهم الاعتبار بعد
أن شوههم الاعلام الغربي و العربي أيضا ، حيث رأيناهم علي شاشات الفضائيات
يتحدثون بعزة و ثبات يذكروننا
بالصحابة الأوائل ، يلقون بالدنيا خلف ظهورهم و يسعون الي إرضاء الله و حتي و لو
بدا أن في ذلك هلاكهم .. ففي صمودهم و جهادهم و رفضهم تسليم بن لادن و الدفاع عن
دينهم حتي آخر قطرة دم دليل علي أن هذا الجيل من الشباب لا يمكن ينتهي حتي لو دمرت
أمريكا كل أفغالنستان .