منهاج الإنصاف
بقلم : محمد عمارة
لأن القرآن يعلمنا منهاج الإنصاف في
الحكم على الآخرين، ويدعونا الى عدم التعميم في الحكم على هؤلاء، فإن الأولى
والأوجب استخدام هذا المنهاج واتباع هذا الهدى في الحكم على من هم جزء من «الذات»
وقطاع من «الأمة» وقطعة أصيلة من «النسيج الوطني»، الذين تجمع بيننا وبينهم رابطة
المواطنة، ووحدة اللغة والثقافة، ومنظومة القيم الإيمانية، التي لا تختلف فيها
النصرانية مع الاسلام، فصورة الأمة ـ في الرؤية الاسلامية ـ منذ «صحيفة» دولة
المدينة، على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هي صورة «الأمة الواحدة»، التي
تتنوع فيها الملل والشرائع، والألسنة واللغات، وبعد الفتوحات الاسلامية، وانصهار
غير المسلمين مع المسلمين في الولاء للوطن الواحد، والاندماج في الثقافة الواحدة،
والانتماء الى تاريخ واحد، والتعلق بمستقبل واحد، لم تعد الأقليات الدينية مصنفة
في عداد «الآخر»، وإنما هي جزء من «الأنا والذات»، والتفاوت العددي لا يؤثر
إطلاقاً في وحدة الإنتماء الى الذات الوطنية والقومية والحضارية، فالعربية ـ وهي
لغة القرآن ولسان الاسلام ـ قد غدت لغة الجميع ـ نصارى ومسلمين ـ والوطن ـ الذي هو
دار الاسلام ـ هو وطن الجميع، والثقافة الاسلامية والحضارة الاسلامية أصبحتا رابطة
جامعة لمختلف أصحاب الديانات في وطن العروبة الكبير.
واذا كان هناك غلو وغلاة بين النصارى،
يحلمون ـ في مصر مثلاً ـ بإحياء اللغة القبطية لإحلالها محل اللغة القومية ـ
العربية ـ، ويتحدثون عن «وفود» الاسلام على مصر ـ متناسين ان النصارنية هي الأخرى
«وافدة» على مصر ـ بل على كل البلاد غير فلسطين!، ويتخذون من الصهيونية قدوة
وإماماً، ويتطلعون ـ بالخيانة ـ الى «الحماية الأجنبية»، اذا كان هناك قلة من
الغلاة تسير في هذا الطريق الخطر، ويصنع الأعداء لها قيادات «كاريزمية»، على نحو
ما صنعوا ـ في الإطار الماروني ـ مع «سعد حداد» و«انطوان لحد»، فإن مواجهة هذا
الغلو، واستئصال هؤلاء الغلاة، لا يصح أن يجعلنا نعمم هذا الموقف على الجميع، وإلا
فأي عاقل يضع في هذه الكفة اللعينة رجلا من حكماء وعقلاء الكهنوت في الكنيسة
الارثوذكسية مثل الأنبا موسى ـ أسقف الشباب ـ الذي يفخر بانتماء نصارى مصر الى
الثقافة الاسلامية، والذي يفخر بالهوية الاسلامية لمصر ـ التي هي برأيه ـ «دولة
مسلمة متدينة غير متطرفة، والمسلمون والمسيحيون جميعهم أقباط ـ أي مصريون من ناحية
العرق ـ ، والثقافة الاسلامية هي السائدة الآن، وأي قبطي يحمل في الكثير من حديثه
تعبيرات اسلامية، يتحدث بها ببساطة ودون شعور بأنها دخيلة، بل هي جزء من مكوناته،
ونحن نحيا العربية، لأنها هويتنا الثقافية، والأقباط جزء مهم من نسيج الحياة
المصرية، فهم أطباء وصيادلة ومهندسون، وغيرها من المهن، ونسبتهم في رجال الأعمال
مرتفعة أكثر من نسبتهم العددية في مصر، ومصر دائماً دولة مسلمة ومتدينة ولكن بدون
تطرف، ولو عشنا كمسلمين وأقباط، وفي إطار الصحوة الدينية المصحوبة بصحوة وطنية
فسيكون المستقبل أكثر من مشرق».
تلك بعض من كلمات الأنبا موسى، فهل يجوز
لعاقل أن يسوي بين العقل والجنون؟، أو بين الوطنية وبين نماذج الخيانة التي تسير
على درب انطوان لحد وسعد حداد؟