بداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية

 

بقلم: محمد عبداللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

كانت بريطانيا يوما ما دولة عظمى لا تغرب عنها الشمس. لكنها انهارت عندما تخيلت أن جبروتها لا يقهر. ذلك هو نفس المصير الذي سوف تؤول إليه أمريكا بعد أن تخيل يهودها أنهم قد سيطروا على العالم. الأمريكيون من أفراد الشعب البسطاء لا يدركون مدى ما ورطهم فيه اليهود ولا يدركون حجم التدخل الأمريكي في شئون الآخرين ومدى تواجد جيوشهم في أنحاء العالم، فهم يساقون كالخراف عن طريق وسائل الإعلام اليهودية التي تصب الزيف والضلال في رؤوسهم الخاوية فيهللون لضرب "الإرهاب" والنيل من "أعداء الديمقراطية".

 

لا يعرف رجل الشارع الأمريكي البسيط حجم انتشار جيوش بلاده أو مدى تدخلها في شئون الآخرين إلا عندما يقرأ عرضا عن وقائع صغيرة مثل حادثة اغتصاب جنود أمريكيين لصبية صغيرة باليابان أو أن طائرة أمريكية قد اصطدمت بمركبة "تلفريك" معلقة على كابل بسماء إيطاليا أو أن مدمرة أمريكية أصيبت بضربة من قارب "انتحاري" بمياه اليمن. وحتى حينما يقرأ الأمريكي ذلك فإنه لا يتعجب لأن الإعلام اليهودي يقول له دوما أن من حق أمريكا الدفاع عن نفسها عن طريق الانتشار بالخارج والهجوم على الآخرين ولعب دور الشرطي الدولي.

 

لا أدري سر تعجل يهود الإعلام لانتحار الإمبراطورية الأمريكية فهاهو اليهودي "دافيد هارت" يكتب بجريدة التايمز اللندنية بتاريخ 2/11/2001 تحت عنوان " صدام يمتلك الحقوق التجارية للإرهاب وقد آن أوان الإطاحة به" فيقول بالحرف الواحد :

"رغم أن قادة الغرب لم يعتادوا المبادرة بالضربة الوقائية إلا أن فتح جبهة ثانية ضد العراق وإخراج صدام من السلطة يمكن أن يعيد سريعا بناء قدراتنا على الردع. وهذا يمكن أن يسهم في عودة الاستقرار إلى الشرق الأوسط، ويمكن له في المقام الأول أن يجعل الغرب - بما في ذلك أوربا - أكثر أمنا من هجمات الإرهابيين الإسلاميين عما هو عليه اليوم وعما يمكن أن يكون عليه مستقبلا حتى بعد أن نحقق أهدافنا في أفغانستان."

 

الكاتب مثل غيره من جراثيم اليهود القذرة المنتشرة بالإدارة الأمريكية كان يعمل مستشارا مستقلا لوزير الدفاع اليهودي الأمريكي في الفترة من 1993 إلى 1997. هؤلاء اليهود يشكلون العقل المدبر للاستراتيجية والسياسة الأمريكية التي تدفع بأمريكا سريعا إلى الهاوية. فهم يريدون فتح جبهة بالعراق معتقدين أنهم سيحصلون مرة أخرى على التأييد والعون من الحكومات الأوربية والعربية. أما الجزء المفقود في تلك الحسابات الصهيونية الأمريكية فهو أن تلك الحكومات تلاقي الآن ضغوطا هائلة من شعوبها ضد الجريمة الأمريكية بأفغانستان حتى أن "توني بلير" اضطر لسحب تعهده بإرسال ثمانية آلاف محارب إنجليزي إلى أفغانستان بعد بضعة أيام من إعلانه تلك النوايا. حدث ذلك دون أن تتحرش أمريكا وبريطانيا بالعراق بصورة جدية. إن استمرار فرض الحصار على العراق أو ضربه قد أصبح الآن مرفوضا من معظم دول العالم، وعلى يهود أمريكا وبريطانيا إعادة الحسابات، لأن مستنقع أفغانستان وحده كفيل بأن يمرغ أنف أمريكا ومن يحالفها في التراب لسنوات طويلة، رغم كل الطبل والزمر الذي نسمعه عن نجاح "قوات التحالف" التي تتقدم سريعا دون اشتباك في أعقاب القصف الأمريكي لمواقع طالبان، والإشاعات المغرضة عن استسلام قوات طالبان دون قتال بكافة أرجاء أفغانستان.

 

أخذت أمريكا في تكثيف ضرباتها أملا في الحصول على نصر سريع، لكن النتيجة الحتمية رغم نشوة وهم انتصار قوات التحالف في شمال البلاد - سوف تكون المزيد من الخسائر المدنية والمزيد من انكشاف العجز الأمريكي أمام قوات الطالبان الصامدة التي انسحبت تكتيكيا إلى معاقل أقل عرضة للقصف الأمريكي المجنون. وتتناغم مع الحملة الإرهابية العسكرية حملة إعلامية صهيونية أمريكية مغرضة تتهم الطالبان باستعباد النساء والاتجار بالمخدرات، رغم وثائق الأمم المتحدة الدامغة التي تقول بأن طالبان قد طهرت المناطق تحت سلطتها من زراعة الأفيون، ورغم علم الجميع بأن المخدرات صناعة تخصصية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

 

إن انسحاب الطالبان من المدن الرئيسية لا يعني استتباب الأمر للمخطط الأمريكي الذي اعتقد أنه يمكن له تحقيق أغراضه بضرب الأفغان للأفغان دون خسائر أمريكية، لكن الحقيقة تختلف عن التوقعات الأمريكية والدعايات التي تهلل للنصر القريب. الخسائر الأمريكية ما زالت في بدايتها، لكنها سوف تتفاقم مع تزايد الوجود الأمريكي على الأرض. كان أول تلك الخسائر المعلنة أحد موظفي وكالة المخابرات الأمريكية واسمه "جوني سبان" وقد لقي مصرعه أثناء ثورة الأسرى الطالبان بسجن القلعة في قندوز وكانت مهمته استجواب الأسرى. البقية تأتي من بين الجنود الأمريكيين الذين يطوقون قندهار. ولن نسمع عنهم بسرعة نظرا للتعتيم الإعلامي الأمريكي.

 

لم يعد هناك أي شك في أن غزو أفغانستان هو بداية الحرب الصهيونية الصليبية على المسلمين والعرب، وعلى الواهمين الحالمين من الحكام العرب الانتباه وتغيير استراتيجية الاستسلام لأن استسلامهم وانهزاميتهم لم تمنعا أمريكا من إعلان نواياها ابتداء بالعراق ثم سوريا وليبيا والسودان والصومال واليمن من بعد، ثم بقية العالم العربي والإسلامي كافة، وليعلم هؤلاء المرجفون أن أمريكا لن ترحمهم مهما امتهنوا أنفسهم تقربا وذلا وطاعة، فقد استنفذوا أغراضهم وباتوا سلعة مستهلكة يمكن لأمريكا الاستغناء عنها بعد أن انكشفت عوراتهم وحلت عليهم نقمة شعوبهم.

 

ليعلم هؤلاء الأفاقين الناعمين المترهلين أن الوعود الجوفاء بإقامة الدولة الفلسطينية أو إقامة تلك الدولة منقوصة السيادة لن يكون ثمنا كافيا لسكوتهم عن ضرب العراق، وليعلموا أن ضرب العراق يكون آخر مسمار يدق في نعوشهم التي يهفوا العالم العربي من أدناه إلى أقصاه إلى رؤيتها، ضرب العراق أو لم يضرب.  وليعلموا جميعا أن إعلامهم الهزيل الذي يهلل لضرب "الإرهاب" ويرقص على أنغام ذلك اللحن الأمريكي الكئيب - لا يخاطب اليوم أحدا سواهم، فقد انقشعت الغشاوة عن أعين الشعوب، بينما أمريكا تعد العدة للقيام بضربات خاطفة بالصومال واليمن والسودان. الآن قد علم كل أناس مشربهم، ولسوف يجرع هؤلاء الجبناء المتخاذلين السم الزعاف إذا استمر سيرهم على طريق الرعب والجبن والذل والاستسلام والعمالة السافرة. اقلبوا الصفحة قبل أن ينقلب عليكم الشعب العربي الذي طال صبره على حماقتكم وقصر نظركم. نظموا صفوفكم واتفقوا على سياسة موحدة من ذلك العدو الصهيوني الأمريكي الذي يحتقركم أكثر مما تحتقركم شعوبكم.