بقلم: د . نورة السعد
منذ أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تبسط هيمنتها على
العالم من خلال النظام العالمي وهي تمارس جميع الوسائل وتنفذ كافة السياسات
العسكرية والاقتصادية والثقافية لبسط هذا النفوذ وتأكيد الهيمنة العالمية.. وهي هنا
تمارس لعبة الهيمنة والسيادة على الآخرين.. وكلمة (لعبة) هنا أصدق مصطلح يتفق وما
يدور في العالم اليوم من أحداث متلاحقة ومذهلة.. لقد كنت دائماً أرفض استخدام كلمة
(يلعب دوراً) المستخدمة دائماً في الكتب والأحاديث.. والتي هي ترجمة حرفية لما
يقابلها باللغة الانجليزية play the role.. ذلك أن (لعب ويلعب) في قاموس لغتنا
العربية يعني مفهوماً آخر.. بينما Play في اللغة الانجليزية تحمل عدة معان بحسب استخدامها في النص.. أما
الآن وحمّى السيطرة المجنونة على مقدرات الشعوب وجغرافيتهم بل والتوغل في العمق
حيث الهدف الأساسي وهو اجتثاث المعتقد وتفريغ الذات العربية والمسلمة من جوهر
كينونتها بدعوى (فهم الآخر) وعولمة الثقافة، وتواصل الشعوب.. وقد قال الرئيس
الأسبق كلينتون ان أمريكا لديها ثقافة خاصة بها وستعممها على الشعوب.. وصدقت
الادارة الأمريكية الحالية هذه الاستراتيجية وبشكل سريع ومتعدد الجوانب وبالقوة
والهيمنة (الآن تجيء كلمة "لعبة" في موقعها المناسب).
ولهذا أيضاً تجيء فكرة إقامة محطة
تلفازية تنافس قناة الجزيرة كما ذكر في الخبر ناطقة باللغة العربية تموَّل بالطبع
من أمريكا وتستهدف قلوب وعقول الأفراد في العالم الإسلامي.. تجيء هذه الخطة لتحقيق
هدف تفريغ الشباب العربي والمسلم من أي مشاعر معادية لأمريكا وهدفها على وجه
الخصوص الشباب من فئة 18ـ 30سنة!!
وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن
السناتور جوبايدن الرئيس الديموقراطي للجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس
الشيوخ هو القوة المحركة وراء هذا المشروع الذي يتعدى المبادرات الإذاعية الراهنة
فهو يمثل مرحلة جديدة في الحرب الدعائية وسيكون محوراً ثالثاً للولايات المتحدة في
الحرب الإعلامية إلى جانب إذاعة صوت أمريكا بعد تقويتها، وإذاعة أفغانستان الحرة
الجديدة ـ كما يقول الخبر ـ!!
وكما هو معروف لخبراء الاجتماع السياسي
أن هناك ثلاثة متغيرات في أي مجتمع تكون هدفاً لأي حركة تغييرية وهي (الجيش،
والشباب والنساء) فهذه الفئات في أي مجتمع تكون دائماً مكامن وبؤر إحداث أي
تغيير.. ولهذا فأن تكون النساء المسلمات في أفغانستان هن محط أنظار منظمات حقوق
الإنسان!! ونساء أفغانستان محط اهتمام زوجة بوش وزوجة توني بلير كي تعيدا إلى
هؤلاء النساء حريتهن للعمل وخلع الحجاب!! فهذا هو جزء من استراتيجية الهيمنة
الاقتصادية والثقافية.
وعودة إلى إعادة قراءة بنود (اتفاقية
القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) والتوقف عند بعض بنودها والتي تحفظت
عليها المملكة العربية السعودية قبل التوقيع عليها.. تؤكد مسار أهداف هذا الحرص
العالمي على حقوق (النساء المسلمات) على وجه الخصوص..
أما الشباب فهم الفئة الأخرى المستهدفة،
لأنهم هم دائماً يتمتعون بالطموح والاندفاع والحماس وراء أي تيار أو هدف وما تعتقد
الولايات المتحدة الأمريكية حالياً انه عداوة لها وترغب اجتثاثه من نفوسهم بمختلف
الوسائل ومنها هذه القناة القادمة.. هو في حقيقة الأمر عداء لازدواجية التعامل
التي تتبعها الادارة الأمريكية فيما يخص قضايا المسلمين في مقابل الدعم الكامل
للصهيونية والمحتل هناك في أرض فلسطين.. فالشعوب لا تعادي من يدعمها ويساندها، ولا
تناهض من يحترم معتقداتها وثقافاتها ولا يلغيها.. ولست هنا أتحدث عن الشعوب
الإسلامية فقط.. بل حتى الدول الغربية نفسها ترفض هيمنة الثقافة الأمريكية.. سواء
في فرنسا أو كندا أو أي دولة أوروبية تعتز بهويتها وقوميتها.. ووزيرة الثقافة
الكندية كررت عدة مرات انها ترفض هذه الهيمنة الثقافية الأمريكية على الأفراد
الكنديين وقالت: ما ذنب أطفال كندا أن لا يرددون ترانيم جداتهم الكنديات عند النوم
بدلاً من أهازيج أمريكية!!
ذلك انها وسواها من العقلاء الذين
يعتزون بهويتهم الحضارية يدركون أن العولمة وهي النظام العالمي تقوم على تناقض
واضح، فهي من جهة تدعو إلى التعددية وحقوق الإنسان، ولكنها من جهة أخرى كما يقال
تحمل عصا غليظة تلوّح بها لكل من تسول له نفسه رفع راية العصيان على سيادة
أمريكا.. أو عدم الرضوخ لسيادة المنهج المادي العلماني في الحياة.. بل تشن حرباً
على كل من يريد أن يكون حراً في منهج حياته وثقافته ومعتقده..
وبما أن للغرب بشكل عام فلسفته الخاصة
عن المرأة.. فهم يصرون الآن على تعميم هذه الفلسفة أو الاستراتيجية على جميع
النساء المسلمات وغيرهن.. ويستخدمون كافة الوسائل إعلامياً وثقافياً وتشريعياً من
خلال قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية وتوصياتها المدعومة
بالمنح أو المنح من صندوق الأمم المتحدة للتنمية.
ومن يستعرض ما يبث حالياً على القنوات
الفضائية والصحافة والإذاعة، يجد أن هناك خطاباً إعلامياً جديداً يتفق ورغبات
المرحلة!! وتم تجنيد أعداد من (الطابور الخامس) يروّجون لكل هذه الأفكار سواء فيما
يخص النساء المسلمات والشباب.. وبل وأصبحت الحرب معلنة وسافرة وهي ضد الإسلام
حقيقة حتى لو كان هناك إنكار دولي!!
ولهذا فإن افتتاح القناة الموعودة سيظل
نقطة في بحر قادم من التيه والبعد عن القيم والتشريعات الدينية، أو تشويهها
وتحريفها تمهيداً لإيقاف التعامل مع نصوصها.. ولكن سيتم هذا بلغة ذكية ومصطلحات
قابلة للاختلاف!! ثم للرضوخ!!
ورغم
قناعتي التامة بأهمية مواجهة هذه القناة القادمة بمزيد من حرية الحوار العقلاني
داخل المجتمع، ومزيد من اعادة النظر في تطابق سلوكنا مع أقوالنا. واختيار الأكفاء
من ذوي العقيدة الصحيحة لهذه القضايا.. إلا أنني على يقين من تهليل الطابور الخامس
لهذه القنوات القادمة، وربما يستثمرون هناك!! كما هم حالياً محامون مجاناً عن كل
ما يمس الأيديولوجية الغربية.. هذا إن لم يكن هناك تراجع في إقامة هذه القناة
والاكتفاء بتمويل ما هو قائم حالياً ليقوم بالمهمة وبتفوق من ذوي الاستلاب العقدي
والثقافي.