ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض

 

بقلم :الشيخ أبو محمد المقدسي

 

قال الله تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) (البقرة: من الآية251 )

وقال تعالى : ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:40-41)

يبين الله تبارك وتعالى في هذه الآيات المحكمات أن الفساد المترتب على المدافعة والضرر المتوقع من الجهاد ؛ لا شيء – وإن عظمه الناس وكرهوا الجهاد من أجله – في مقابل ما ينتج عن ترك الجهاد من فساد ؛ ولذا أهمل سبحانه ولم يذكر ما يترتب على المدافعة والجهاد من مفاسد قد يضخمها كثير من السذج السطحيين؛ وذلك لأنها لا تذكر بالمقارنة مع تلك المفاسد العظيمة المترتبة على ترك الجهاد ..

فالله ذو فضل على العالمين بما شرعه للمسلمين من فريضة جهاد الكفار ودفع فسادهم وإفسادهم وشركهم ، وبما قدّره من علو توحيده وغلبة المؤمنين الذين تصلح بهم الأرض، ولو بعد حين ..

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من آثار ترك مدافعة الكفار وإهمال جهادهم ومن عقوبات الله على ذلك ؛ أن يسلط الله على الأمة ذلا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها ..

" فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه ؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه ؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان " .

وقد عدد الله في الآيات أعظم المفاسد المترتبة على ترك الجهاد فذكر فيها؛ فساد المعمورة ومن عليها ؛ ولا شك أن أعظم فساد في الأرض ؛ الإشراك بالله بصوره المتنوعة ؛ سواء بإعلان التنديد له بدعوى أنه ثالث ثلاثة أو بنسبة الصاحبة والولد إليه كما يفعل اليهود والنصارى، أوبما نشاهده اليوم من تنحية شرع الله وتسلط طواغيت الأرض بشرائعهم الشركية على رقاب العباد ومنحهم لسلطة التشريع المطلقه لأنفسهم ولشركائهم المتفرقين .. فما هذا وذاك إلا شيء من الفساد العظيم والمتشعب الذي ترتب على ترك الجهاد ومدافعة الكفار ..

ومن ذلك أيضا هدم المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ..

ولا شك أن عمران بنيانها اليوم في ديار الكفر بل والمبالغة في البذخ فيه وفي زخرفته في الوقت الذي تمسخ فيه رسالتها بطمس معالم العقيدة والتوحيد عن منابرها ورفع أسماء أئمة الكفر والأنداد المتفرقين عليها ؛وكل ذلك من آثار ترك المسلمين للجهاد ؛ لا شك أن ذلك أعظم من هدم المساجد حقيقة وقتل الأنفس وسفك الدماء إذ " الفتنة أكبر من القتل " أي فتنة المسلم عن دينه وتوحيده وإيمانه ورده إلى الإشراك بالله ؛ أعظم من القتل وسفك الدماء مهما عظم وكثر وضخمه الناس..

فلو اقتتلت المعمورة جميعها حتى تفني بعضها بعضا؛ لكان هذا أهون عند الله من الإشراك به ، وأهون من رد المسلم عن دينه وفتنته عن عقيدته وتوحيده بتسلط أهل الكفر عليه وفرضهم لشرائعهم وأنظمتهم ومللهم الكافرة على الخلق ؛ والذي هو ثمرة من ثمرات إهمال المسلمين لفريضة جهادهم ودفعهم وذبحهم ..

هذه مبادئنا وأصولنا أهل الإسلام .. وهي أصول محكمة معلومة في ديننا لا يجهلها أويغفلها مسلم شم رائحة العلم ..

وهي أصول من أهملها ولم يعتبرها ويبني بنيانه عليها ؛ خرج بفتاوى ونتائج ومبان عوجاء شوهاء قائمة على شفا جرف هار ..

وأكبر شاهد على هذا وعلى جهل كثير من المنتسبين للإسلام بل والعلم وبعدهم عن حقيقة دين الله ؛ ما نراه ونسمعه اليوم من شجب واستنكار وتبرٍ من الجهاد والمجاهدين وتسميتهم بالمجرمين والإرهابيين ؛ وما درى هؤلاء السفهاء الذين ينعتونهم بذلك أن إرهاب أعداء الله من أعظم الفرائض في دين الله وأن تشريدهم والقعود لهم في كل مرصد من أوجب واجبات الإسلام ، وأن إرعابهم من أهم سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم ..

قال تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(لأنفال: من الآية60)

وقال سبحانه: ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (لأنفال:57)

وقال عز من قائل: ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ )(التوبة: من الآية5)

وفي الحديث الصحيح : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر.. ) ( وجعل رزقي تحت ظل رمحي )

والحقيقة أن وضوح هذه الأصول في ديننا لأوضح من الشمس في رابعة النهار ؛ وهي والله لا تخفى حتى على أعداء هذا الدين ؛ ولذلك يكشرون عند الحقائق عن ناب العداوة لدين الإسلام نفسه إذ هم يعرفون حقيقته ؛ وقد قرأت مرارا وتكرارا لكثير من النصارى والمستشرقين كلاما يبيّنون فيه بوضوح حقيقة الجهاد في دين الإسلام ، ويردون شبه المنهزمين من علماء الفتنة الذين يسعون في مسخ هذه الحقائق تلطفا للغرب الكافر وإرضاءا لهم .. ولسان حالهم بل ومقالهم في كثير من الأحيان يقول : ( َنخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ) ( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ )(المائدة: من الآية52)

ولا شك أن من يسعون جاهدين في طمس هذه الحقائق وتمييعها؛ هم في الحقيقة من أهل الإرجاف والنفاق الذين لا يثقون بموعود الله ولا يفقهون سننه ( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:87)

ولذا تراهم عندما يرون تألب الأحزاب على أهل الحق يغترون بعددهم وعتادهم ويخشونهم أشد من خشية الله ؛ وتعلم عند التقاء الصفوف أنهم في الحقيقة أهل مقالة : ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً )(الأحزاب: من الآية12)

أما أهل الإيمان الراسخ الذين ينظرون بنور الله ويعرفون حقيقة الجهاد وبركات المدافعة فيقولون : ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً )(الأحزاب: من الآية22)