بقلم : عبدالله الطويرقي
لا أحد ربما هذه الأيام في واشنطن أو
بون أو لندن أو حتى كابول بمقدوره تفسير الموقف المتشكك لبرهان الدين رباني الرئيس
المخلوع والمنتهي الصلاحية زمنياً ودستورياً منذ إمساك الملا عمر بالسلطة في كابول
عام 1996م، والذي يجزم فيه الرجل بأن الحل السياسي لأفغانستان ما بعد الطالبان
مرهون بكابول لا بون..
والرجل على ما يبدو في رأسه حسابات
الخارج كإسلام أباد وواشنطن ونيودلهي وحسابات الداخل المتمثلة في إئتلاف أٍقليات
الهزار والطاجيك والأوزبك والذي بيده العاصمة وكل الشمال والوسط الأفغاني باستثناء
قندهار والمناطق الجنوبية المحاذية لباكستان حيث الإمداد الجيوبولتيكي للبشتون
أكبر تجمع عرقي للأفغان.. ولعل دخول رباني وكبار معاونيه للعاصمة كابول على الرغم
من الإتفاق المسبق مع واشنطن بأن تظل رمزية العاصمة السياسية مرهونة للحكومة
الانتقالية الموسعة التي ستعكس كافة الأصوات الأفغانية في مرحلة عامين تهيء فيها
لنظام سياسي منتخب ويمثل كل الأفغان، يكشف بجلاء عن مخاوف أقليات التحالف الشمالي
وبالأخص رباني ودوستم من التهميش في ظل سياسة الإحتواء التي تتعاطاها واشنطن مع
زعماء القبائل البشتونية كقوة يمكن الرهان عليها في ولادة نظام سياسي يخدم مصالح
واشنطن في المنطقة، خاصة وأن العرق البشتوني يمثل أكثر من 50% من التجمع السكاني
وقابليته للتسويق سياسياً داخل وخارج أفغانستان وتحديداً في مقابل تحالف الشمال..
ويبدو أن رباني اكتشف اللعبة الأمريكية التي تستبعد في العلن فكرة معتدلي طالبان
من المشاركة بعد تصوير الطالبان المتطرف أمام الرأي العام الغربي، في الوقت الذي
تراهن فيه على القيادات النافذة في التركيبة البشتونية التي تحتوي ضمناً بطبيعة
الحال معظم الطالبان كحركة.
وموقف رباني الرافض لاجتماع بون ليس
إلاّ مناورة سياسية وتلويحاً بورقة العاصمة ومن يحكم القبضة عليها لإنتزاع حضور
أكثر في النظام المستقبلي مقابل البشتون..
ولربما وجدت نفسها واشنطن أمام مأزق من
النوع العسر جداً فيما إذا انتهى اجتماع بون لمجلس حكومي في غير صالح التحالف
الشمالي إجمالاً سواء من حيث الكم أو الكيف في الوضع الانتقالي.
ويبدو أن واشنطن قد تجد نفسها أمام أكثر
من مأزق إن لم تنجح في إحداث اختراق لصالحها في الوسط البشتوني سواء بحسابات
اقتصادية أو حتى سياسية غير مباشرة فيما بين واشنطن وزعامات البشتون النافذة على
الأرض.. وفي العلن تطرح واشنطن أمام فرقاء الداخل ورقة تحالف إعمار وتنمية على
غرار مشروع مارشال في أعقاب الحرب العالمية الثانية لإعمار أوروبا.. وهي ورقة
بالفعل يسيل لها لعاب الجميع من لوردات الحرب في هذا البلد الواقع تحت خط الفقر
منذ أكثر من عقدين من الزمان.. ومعظم هؤلاء الفرقاء يتفقون فيما بينهم على ضرورة
استغلال هذا التحالف العسكري بقيادة واشنطن والسياسي بزعامة الأمم المتحدة لجني
أكبر قدر من الدعم المالي لمواجهة مشكلات الفقر والأمية واللامؤسسية التي تطبق على
ما يربو على 20مليون افغاني، وتحول دون استقرار أي نظام سياسي في تلك البيئة..
فالجميع يرى أن أمريكا وحدها الأقدر على حشد مساهمة السبع الكبار وغيرهم من الدول
الإسلامية كالمملكة ودول الخليج وربما ماليزيا، وبدرجة يمكن معها تحويل شعب من وضع
الولاءات العشائرية والعرقية إلى شعب ولاؤه لدولة النظام والمؤسسات والقانون..
ولربما وجدت أمريكا نفسها مدينة حتى العظم في مشروع التسوية السياسية والإعمار
المخطط لبلد يفتقد أصلاً للبنى التحتية والفوقية لحركة مجتمع دولة النظام
والقانون، ناهيك عما تم تدميره بالآلة العسكرية الأمريكية على مدى أسابيع من
الضربات الجوية.. ومن غير المستبعد أن تضخ أمريكا في هذا المشروع ما لا يقل عن
100بليون دولار على مدى الخمس أو العشر سنوات القادمة وهو نفس السقف المالي
المطلوب لإعادة إعمار مانهاتن والبنتاجون مبدئياً.
وعلى جانب آخر، تعتمد قدرة واشنطن على
تحقيق اختراق مؤثر في الوسط البشتوني وفي الأوساط الأخرى في التركيبة العرقية
الأفغانية، أقول يعتمد هذا كله إلى ما ستؤول إليه الأوضاع فيما بعد قندهار، وكيف
وإلى أي شكل ستنتهي إليه المواجهة مع الملا عمر وابن لادن والآلاف من الرجال
المدججين للطالبان والقاعدة.
وقد تكون مهمة صيد الرؤوس الكبار في قندهار
الأكثر دموية في الحرب الراهنة التي تقودها أمريكا على الإرهاب بعد أن تراجع الملا
عمر بأفضل قواته وعتاده لمسقط رأسه قندهار ومعه على السواء الرئيس التنفيذي
للقاعدة وكبار معاونيه ونخبة مقاتلي القاعدة، لإجبار أمريكا على مواجهة محتومة في
ظل مسعى واشنطن لجلب العدالة لابن لادن وقاعدته أحياء أم أموات كما سبق والتزمت
أمام الرأي العام الأمريكي.. فعلاً قد تكون مواجهة قندهار حاسمة على الأرض وعلى
خارطة القوى السياسية وفوق هذا وذاك دور أمريكا في صياغة المشروع السياسي
والاقتصادي لأفغانستان.. هذا إذا افترضنا فعلاً أن الملا عمر وابن لادن والظواهري
لا يزالون في قندهار لإدارة المعركة الفاصلة على الكفرة وبما قد يجعل من قندهار
والملا وابن لادن وأعوانهما بمثابة معبودين جدد حتى وإن كانوا مجرد رماد تذروه
الرياح.
وإذا افترضنا أن الرجل المؤدلج الغامض
والمقل في الكلام لا يزال في قندهار لقيادة المواجهة الكبرى لحصد الأمريكيين على
غرار ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، فالمسألة في هذه الحالة تأخذ بعداً
انتحارياً لن يتمكن الأمريكيون معه من الإمساك بالرجل كما يمنون أنفسهم ووسائل
إعلامهم بمشهدية لن يكررها ربما القرن ومع من؟ مع خصم لم تصافح وجهه فلاشات
الكاميرات ولا عدسات البابلاتزي المحترفين، ويتوق الشارع الأمريكي للفرجة على هذه
الشخصية عن قرب وبالأخص إذا أخضع لحفلة محاكمة على غرار محاكمة أوجيه سمسون
الشهيرة.. ولربما استأنس الأمريكيون على المشهد فيرسلون الملا عمر للسجن لـ 400أو
500سنة قادمة مثل السفاح الأشهر تشارلز مانسون، ليكون مادة تسويقية جيدة للإعلام
الأمريكي لأطول مدة ممكنة.. وقد يكتفي الأمريكيون بمحاكمة سريعة خاصة وأن الرئيس
بوش جهز الأرضية لمحاكم عسكرية تعجّل بإرسال الملا عمر بحقنة قاتلة مماثلة لحقنة
ثموتي ماكفاي مفجّر مبنى الحكومة الاتحادية في أوكلاهوما، على الأقل تريح الملا
عمر من الويلات التي تنتظره على يد نزلاء السجون الأمريكية العتاة.. وإذا افترضنا
جدلاً أيضاً أن الرئيس التنفيذي للقاعدة في قندهار هو الآخر، فمن عاشر المستحيلات
أن يترك ابن لادن الكلاشينكوف من يديه ليقدمها للقوات الخاصة تضعها في الأصفاد
ليُساق إلى جهنم الحمراء والتي تنتظرها دور السينما في هوليوود وشبكات التلفزة
والكيابل الممتدة من منهاتن وحتى لوس انجليس، وطوابير كتبة السيناريوهات والمحللين
النفسانيين والمعالجين الروحانيين وصنّاع الحبكات السينمائية في هوليوود أمثال سبفليبرغ
وودي ألن المنحرف وسبايكس لي وغيرهم.. أتخيل أمريكا إن هي ألقت القبض على ابن لادن
حياً أن تعيد إلى الأذهان مقولات التحدي التي كانت تروّع بها العالم الماركسي
بمقدرتها على تدمير كوكب الأرض الحالم عشر مرات بنفس القدرة وبنفس الآثار، ولكنهم
كانوا كثيراً ما يفكرون في التسع مرات التي يحلمون فيها بتدمير كوكب الأرض الذي
سيصبح أثراً بعد عين من المرة الأولى.. وهي نفس مشكلتهم مع ابن لادن فلن يكون
بمقدورهم إنهاء حياة الرجل أكثر من مرة إلاّ إذا تجاوزوا مشكلة إعادته للحياة بعد
كل مرة وهذه مسألة غير مقدور عليها حتى مع صناع الاستنساخ الضاربة هذه الأيام في
أمريكا.
وعوداً على بدء، كما أسلفت لا أظن أن
الحرب على الإرهاب بالمشهد الأفغاني الحالي ستتيح لأمريكا إنجاز مشروعها العولمي
بالشكل الذي تحلم به وبالأخص في تهيئة البيئات المقلقة الأخرى المماثلة للبيئة
الأفغانية في المنطقة العربية والموعودة حسب ما تبشر به نخب الإعلام والسياسة هناك
بحفلات إعادة هيكلة للوقائع الاجتماعية ومن طراز قد يأخذ أشكالاً غير عسكرية
بطبيعة الحال كالمقاطعة والحصار والحظورات بأنواعها السياسية والمصالحية وهلم
جراً.
في كل الأحوال، أمريكا مطالبة بالتحرر
من جنون العظمة الذي يدفعها بسياسات الحافة لصناعة مزيد من الأعداء وأكوام من
الشرور وطوابير من حملة البنادق وصنّاع الدمار..
السؤال الحقيقي، هل ستستوفي العدالة
شروطها في بلد القانون إن قدّر لأمريكا جلب ابن لادن وتنظيم القاعدة بكل قياديه
أحياء إلى أمريكا؟! وهل سيمضي الرئيس التنفيذي لتنظيم القاعدة وأعوانه على محاكمة
عادلة وفقاً لما يفترضه النظام العدلي الأمريكي حيث العقاب لا يسرى إلا على من
تثبت إدانته وبما لا يرقى للشكوك لا من قريب أو بعيد؟! وهل في إًصدار الرئيس بوش
قراراً يخوّل تولي محاكم عسكرية للحالات التي سيتم جلبها من أفغانستان تحت بند
الحرب على الإرهاب؟! وهل هذا يعني أن واشنطن بصدد تحاشي المحاكمات التي تترتب على
محاكمة هؤلاء وفقاً لإجرائيات النظام العدلي المدني من حيث أركان الجريمة وتوافرها
وفي حالة ثبوت الإدانة أي عقاب يحمي المجتمع من شرور مماثلة ويحفظ هيبة النظام
ويحول دون أية أضرار مجتمعية أو فردية فيما لو كانت العقوبة أكبر من الجريمة..
وفي حالة
تنظيم القاعدة ورئيسه التنفيذي ستكون مسألة الكشف عن أدلة دامغة لتورط التنظيم في
أحداث الحادي عشر من سبتمبر مسألة عسيرة وبمقدور المتهمين مواجهة الحكومة فيها
وربما الطعن في معظمها، هذا ناهيك عن تعرية الحكومة لمعلومات وتجهيزات في حكم
الأمور عالية السرية والتي قد يترتب عليها أضرار مستقبلية.. ولعل هيمنة العوامل
السياسية والأمنية العسكرية هنا سيحرج النظام العدلي محلياً وعالمياً، وعليه فإن
استصدار الرئيس الأمريكي لقرار الهيئات العسكرية العدلية إنما هو بمثابة حراسة
بوابة لتبعات ما يعرف بالمحاكمات العادلة والتي قد تفتح باب جهنم على واشنطن إن
تمت محاكمة القاعدة وفقاً لطقوس القضاء الأمريكي..
وأغلب الظن أن الرئيس بوش نُصح من
مستشاريه القانونيين باللجوء للمحاكم العسكرية على غرار محاكمات مجرمي الحرب
النازيين والتي وفرت للحلفاء المنتصرين اليد الطولى فوق كل مسوغات العقل وربما
الحق!! وهي تخريج ذكي لدولة القانون حال تورطها بالقبض على أحياء من تنظيم
القاعدة.. وقد يكون في سحق أعضاء التنظيم عن آخرهم في قندهار على أيدي صائدي
الرؤوس المجندين الآن لافتراس الملا عمر والرئيس التنفيذي للقاعدة بالدرجة
الأولى.. والأكيد أن الملا وابن لادن سيضعان النهاية بأيديهما على غرار الزبّاء
(بيدي لا بيد بوش)...