السودان لا العراق قد يكون المحطة الأمريكية القادمة

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

رغم انشغال الولايات المتحدة بحربها المفترضة ضد الارهاب، فإن الاهتمام الامريكي بالشأن السوداني في تصاعد، ففي مطلع هذا الشهر جدد الرئيس الامريكي جورج بوش فرض العقوبات الاقتصادية احادية الجانب التي كان سلفه بيل كلينتون فرضها علي السودان في عام 1997، وفي الاسبوع الأول من الشهر نجح برنامج الغذاء العالمي (بضغط وتحريض امريكي) في انجاز وقف لاطلاق النار لمدة اربعة اسابيع في منطقة جبال النوبة لايصال معونات غذائية للمناطق التي تسيطر عليها حركة التمرد هناك، وهذه اول مرة منذ اندلاع الحرب في عام 1983 تسمح فيها حكومة سودانية بوصول المعونات الي هذه المنطقة.

وقد تصادف وصول أول دفعة من المعونات الي هذه المنطقة مع أول زيارة يقوم بها السناتور جون دانفورت، مبعوث الرئيس بوش الجديد للسودان في الاسبوع الثاني من الشهر. ولم يكن التوقيت مصادفة بالطبع، وفي بادرة هي الاولي من نوعها ايضا، سمحت الحكومة لدانفورت بأن يتوجه مباشرة من الخرطوم الي مناطق التمرد في جبال النوبة وجنوب السودان. وخلال زيارته قدم دانفورت اقتراحاً من اربع نقاط لـ بناء الثقة بين طرفي النزاع. وتشتمل هذه النقاط علي مطالب بتسهيل ايصال الاغاثة، وايجاد ممرات آمنة وأوقات آمنة لهذا الغرض، والتوقف عن قصف المدنيين، والعمل علي وقف عمليات الاسترقاق للجنوبيين.

ولا يخفي ان كل هذه المطالب تقريباً موجهة الي طرف واحد، هو الحكومة، المطلوب منها وحدها بناء الثقة . ولم ينس المبعوث ان يرفق مقترحاته هذه بتهديد غير مبطن، حيث أعلن في مؤتمر صحافي في نيروبي عقب انتهاء زيارته للسودان انه سيمهل الطرفين حتي منتصف كانون الثاني (يناير) القادم للاستجابة لهذه المطالب، والا فانه سوف يعلن للرئيس بوش فشل مهمته ويسمي الطرف المسؤول عن هذا الفشل، وبحسب دانفورت فانه لا يكفي في هذه الحال الاستجابة للمطالب قولاً واعطاء التعهدات بذلك، بل لا بد من ظهور نتائج عملية، والا اعتبر عدم ظهور هذه النتائج دليلا علي عدم الاستجابة.

وبعد يومين من انتهاء زيارة دانفورت للسودان، قامت حوالي مئة منظمة اغلبها منظمات كنسية ويمينية، بارسال خطاب موجه للرئيس بوش فيه اتهام مبطن للرئيس وادارته بممالأة حكومة الخرطوم ـ وفي إشارة لتعاون الحكومة السودانية مع الولايات المتحدة في حملته الاخيرة ضد الارهاب، جاء في الخطاب تحذير من ان تسمح الولايات المتحدة للحكومة السودانية بممارسة الارهاب داخل حدودها اذا تعهدت بالا تصدره الي الخارج. واشارت الي ان الحكومة السودانية زادت من حملاتها العسكرية وقصف المدنيين في الجنوب بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).

وانحي الخطاب باللائمة علي الادارة الامريكية لعرقلتها اصدار قانون سلام السودان الذي كان يفرض عقوبات علي اي شركات تستثمر اموالا في السودان، ويخصص عشرة ملايين دولار لدعم المعارضة للحكومة السودانية.

وكان مجلس النواب اقر القانون في حزيران (يونيو) الماضي، واعقبه مجلس الشيوخ باقرار قانون مماثل خلا من العقوبات ضد الشركات المستثمرة في السودان. وكان من المنتظر ان يجتمع زعماء المجلسين لازالة التناقضات بين القانونيين، ولكن ادارة بوش اقنعتهم بتأجيل الامـــــر الي اجل غير مسمي بعد اظهار السودان التعــــاون مع الادارة الامريكية بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).

هذه المطالبة بتشديد الضغط علي الحكومة السودانية تشير الي الاتجاه الذي ستأخذه الامور. ومعلوم ان السناتور دانفورت، وهو سيناتور جمهوري سابق وقسيس انجليكاني، يتعاطف مع اليمين الديني، ولن يمانع في تغذية الحملة المناهضة للسودان. ولن يجد المبعوث صعوبة في ذلك، لأن بعض المطالب التي تقدم بها مستحيل التنفيذ. ففي غياب وقف كامل لاطلاق النار من المستحيل ضمان الا يُقصف مدنيون في المعارك الدائرة في الجنوب، كما ان مسألة الرق والقضاء عليها مسألة لا تخضع لسلطة الحكومة. وقد تعهدت الحكومة علي لسان وزير العدل السيد علي محمد عثمان ياسين بتشكيل محاكم خاصة في مناطق النزاع لمعاقبة من يثبت ضلوعه في خطف المدنيين. ولكن الحكومة عاجزة عن فرض سلطتها في تلك المناطق، وهي تحتاج الي الميليشيات القبلية في حربها ضد المتمردين.

ومن المستبعد ان تتوفر لها قوات تستغني بها عن دعم الميليشيات العربية اولا ثم تجرد مزيدا منها لمحاربة هذه الميليشيات واجبارها علي الخضوع للقانون، ولهذا يمكن للسناتور بسهولة ان يعلن في كانون الثاني (يناير) القادم ان الاطراف لم تستجب لمبادرته، وان الحكومة السودانية هي المسؤولة، وبهذا يفتح الطريق امام خطط ومطالب قوي اليمين وغيرها من الجهات التي ظلت ردحا من الزمان تطالب باتخاذ اجراءات حاسمة ضد الخرطوم، من ابرزها تقديم الدعم العسكري المباشر للمتمردين.

دانفورت اكد انه لا يحمل مبادرة امريكية لوقف الحرب، وانه يعول في ذلك علي المبادرات الاقليمية (الايقاد والمصرية الليبية المشتركة). ولكن لعل ايقاف الحرب اسهل بكثير مما يطالب به، لأن معظم مطالبه لن تتحقق الا بوقف الحرب، وقد زار دانفورت نيروبي كما توجه الي مصر حيث اجتمع بالرئيس المصري حسني مبارك وناقش معه المسألة السودانية. وقد تصادف هذا مع زيارة للخرطوم قام بها المبعوث الخاص للرئيس الكيني دانيال اراب موي، الذي يرأس مبادرة الايقاد للسودان. وكان الرئيس قد اقال مبعوثه السابق السفير دانيال امبويا وعين مكانه القائد العام للجيش لازاروس سيمبويا في مطلع الشهر الحالي.

ويأتي هذا التعديل في محاولة لاظهار الجدية بعد الفشل الذريع الذي منيت به مبادرة الايقاد، علي الرغم من الدعم السخي لها من الدول الكبري. وكانت دول شركاء الايقاد (وهي تشمل امريكا وبريطانيا وهولندا وكندا والنرويـــج وايطاليا اضافة الي خمس عشرة دولة اخري) قد اعلنت في وقت سابق هذا العام توقفها عن دعم المبادرة ماليا بعد ان اقتنعت بعجز الاطر الحالية عن احراز اي تقدم.

وفي تعليق لها علي جدوي جهود المبعوث الامريكي الخاص صرحت سوزان رايس، مسؤولة شرق افريقيا في الخارجية الامريكية في الفترة الاخيرة من عهد الرئيس كلينتون انها غير متفائلة بان تحرز هذه الجهود اي نتائج لان كلا الطرفين يفتقدان الجدية في البحث عن السلام. ويتفق كثير من المراقبين مع هذا التحليل. ومن جانبه نفي دانفورت ان يكون متشائما او متفائلا، ولكنه قال انه لن يستمر في مهمته لاكثر من عام. ويعتبر دانفورت ثالث مبعوث خاص امريكي للسودان منذ عام 1994، ولم تحقق مهام سابقيه اي نتائج تذكر، ولكن هذا لم يمنع من تصاعد الحملات المطالبة بـ عمل شيء ما لانهاء الصراع في السودان.

ولن يحمل دانفورت من رحلته رسالة تقلل من حماس جماعات الضغط المناهضة للسودان، اذ انه اكد والوفد الاعلامي المرافق له انهم وجدوا أدلة وشهادات مباشرة علي انتشار الرق في الجنوب وعلي تكرار القصف الحكومي للاهداف المدنية والتعويق لجهود الاغاثة. وفي ظل هذا التأكيد للاتهامات الموجهة للحكومة، وبالنظر الي ان جهود المبعوث لن تثمر بالتأكيد نتائج في الفترة التي حددها، فان النتيجة المتوقعة لجهوده ستكون زيادة الضغوط علي الحكومة السودانية، واضعف الايمان في هذه الضغوط من وجهة النظر الامريكية هو اقرار قانون سلام السودان ، وتقديم الدعم للمتمردين. ولكن الامر قد يتطور الي ما هو ابعد من ذلك، مثل استصدار قرارات من مجلس الامن تفرض بعض الحلول التي يطالب بها البعض، وربما التدخل المباشر في السودان.

ولن ينقذ الامر الا احراز تقدم في اطار المبادرات المطروحة، او في اطار مبادرات جديدة. ولكن هذا من المستبعد في الوقت الحالي لاسباب باتت معروفة. وقد حاولت نيجيريا مؤخراً استعادة دورها السابق كوسيط سلام، ولكن جهودها واجهت نكسة حين فشلت في عقد مؤتمر كان مقررا له منتصف هذا الشهر اثر رفض الحكومة المشاركة فيه. يبقي ان تهب حركة التمرد وزعيمها جون قرنق لانقاذ حكومة الانقاذ، كما فعل في مرات كثيرة في الماضي، وذلك بأن يظهر تشددا وتصلبا اكثر، وان يفشل في كسب الرأي العام الجنوبي والعالمي، مما يجعل من الصعب تحديد طرف واحد يتحمل المسؤولية في الازمة ويستحق ان تصب عليه الولايات المتحدة جام غضبها.