المفكر الألماني المسلم الدكتور مراد هوفمان يؤكد:

الإسلام .. عقيدة العالم في القرن الـ 21

 

حوار : أحمد أبو زيد

 

الدكتور مراد هوفمان المفكر الإسلامي المسلم من أشهر مفكري الغرب الذين اعتنقوا الإسلام وسعوا لبيان حقيقته للمجتمع الأوربي، وقادوا حركة الأحياء والتجديد في الفكر الإسلامي، وقد برزت أفكاره الهامة في العديد من الكتب التي ألفها وعلى رأسها ، (الإسلام عام 2000) و(الإسلام كبديل) و(يوميات ألماني مسلم) و(طريق فسفي إلى الإسلام)، وهي كلها تتعرض للإسلام دينًا وحضارة عالمية، وبديلاً لكل النظم الوضعية التي أغرقت العالم في بحر من المشكلات .

 

وقد اعتنق هوفمان الإسلام عام 1980 م في أثناء عمله في السلك الدبلوماسي الذي امتد 33 عامًا، وكانت آخر محطات عمله في المغرب، وهو يعيش الآن في اسطانبول ومتزوج من مسلمة تركية، بالإضافة إلى إقامته الرسمية في مدينة (آشافينبورج) بألمانيا، ومعه كان للمجلة هذا الحوار:

 

أرض عطشى

من المعروف أن الإسلام ينتشر في أمريكا والغرب بشكل متسارع فما تفسيركم للأسرار الكامنة وراء هذا الانتشار ؟

 

الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى أرض عطشى للإسلام الذي ينتشر ويزداد عامًا بعد آخر، فعدد المسلمين في أمريكا يصل إلى سبعة ملايين نسمة، ولا توجد ولاية تخلو من الإسلام، ولوس أنجلوس وحدها فيها 62 مسجدًا، والمراكز العلمية والمهنية العامة في المجتمع الأمريكي بدأ يتبوؤها المسلمون حيث أن 20 في المائة من أساتذة الطب الأمريكي الأكاديمي مسلمون، ونحن نشاهد الإقبال على الإسلام في صفوف الناشئة والشباب، داخل المجتمع الغربي، وظهور هذا الإقبال بقوة مع نهاية القرن الميلادي العشرين، الذي شهدت بدايته تنبؤات من جانب بعض المستشرقين بأن الإسلام لم يبق له وجود، ولن يستطيع الظهور ثانية إبان إسقاط الخلافة الإسلامية في اسطانبول .

 

الطريق الثالث

ما هي رؤيتكم لمستقبل الإسلام عقيدة وفكرًا وحضارة ؟

 

الإسلام هو النور الحق والفكر الجديد، الذي يظهر في أوروبا الآن، وينادى به كثير من المفكرين في الغرب، ويطلقون عليه الطريق الثالث، فالغرب ـ وإن كان يتمتع بكثير من الأفكار، والعلم النافع، إلى جانب بعض السلوكيات والأمراض الاجتماعية ـ فإن الإسلام يقبل منهم فقط الجيد والصالح، فكرة الطريق الثالث هي بحق توصيف للإسلام، من حيث لا يدري هؤلاء الغربيون، فوسطية الإسلام تتضح من خلال تقبل الإسلام للملكية الخاصة، وحرية التجارة، والكفاية الفردية، والحث على الإنتاج، والإسلام هو الحل الأمثل للمشاكل المستعصية التي يعاني منها الغرب.

 

الإسلام في الألفية الثالثة

(الإسلام في الألفية الثالثة) أحدث الكتب التي قمتم بتأليفها فماذا كان هدفكم من نشر هذا الكتاب؟

 

كتاب (الإسلام في الألفية الثالثة) هو دعوة للمجتمع الغربي إلى اعتناق الإسلام الذي يشمل الحلول الشافية لما يواجهه هذا المجتمع الآن من مشكلات اجتماعية وثقافية مستعصية. وقد سرت في هذا الكتاب الجديد على نفس النهج الذي اتبعته في كتاب (الإسلام هو البديل)، الذي يعتبر من (أجرأ) ما نشر باللغة الألمانية وأحدث ضجة لفتت الأنظار إليه داخل ألمانيا وخارجها عندما نشر عام 1992 م فهو لم يعرض بعض جوانب الإسلام عرضًا تقليديًا، ولم ينطلق من منطلق الدفاع عنه تجاه ما يتعرض له من صور عدائية، بل يطرحه باعتباره البديل الضروري وهو أفضل مما يعتنقه المجتمع الغربي من تصورات في مختلف الميادين.

 

وقد خطوت بهذا الكتاب الجديد خطوة أخرى في تقديم الإسلام بصفته بديلاً، فهو يؤكد عبر الحوار المنهجي المتوازن أن الإسلام فيه الحلول لما يواجهه المجتمع الغربي الآن من مشكلات اجتماعية وثقافية مستعصية عجزت الأنظمة الوضعية عن حلها .

 

الإسلام دين الوسطية

هل هناك تصورات موحدة بين المسلمين في الغرب حول الأصول الدينية والقضايا الإسلامية الكبرى ؟

 

عندما ننظر إلى الجاليات الإسلامية في الغرب نجد أن فريقًا من المسلمين القادمين من بلدانهم الأصلية إلى الغرب، قد تبنى التصورات الغربية حتى النخاع .. وفريقًا آخر اتخذ موقفًا متشددًا رافضًا لسائر ما حوله، ولكننا نتمسك بالطريق الوسط الذي يلتقي مع (دين الوسطية) ويتفق مع الانفتاح على المنجزات العلمية والتقنية .. من دون الانسياق وراء تصورات منحرفة، أثبتت النتائج خطاها، وفي الإسلام الدواء الشافي لها، سواء من حيث تعامله مع العلم والعلماء، أم من حيث تعامله مع الأسرة .. والشبيبة .. والأطفال .. أو تعامله مع مختلف المشكلات الاجتماعية الكبرى المعاصرة، فضلاً عن ميزته الكبيرة المتمثلة في اطمئنان معتنقيه إلى أن النصوص الملزمة بين أيديهم، وهي بعينها تلك النصوص التي جمعها المسلمون قرآنًا وحديثًا منذ العهد الأول، وكان التحقيق فيها على أعلى المستويات العلمية والمنهجية .

 

الهوية الإسلامية والعولمة

كيف نحافظ على هويتنا الثقافية والدينية في ظل العولمة التي تحاول فرض النموذج الغربي على العالم كله ؟

 

علينا نحن المسلمين أن نجاهد جهادًا جبارًا لنحمي حقنا في الاختلاف الثقافي في هذا العالم الذي يسعى لفرض النموذج الغربي عالميًا، وهذا يتطلب إعادة تأسيس الفكر الإسلامي، وأن يعود المسلمون إلى الإيمان الفعلي.

 

والفرصة متاحة أمام الإسلام اليوم ليصبح الديانة الأولى للقرن الجديد في العالم كله، لكن هذه الفرصة تظل قابلة للضياع إذا لم نضطلع نحن المسلمين بوضع الأساس القوي لعمل تعاوني مخلص بين علماء الإسلام، مهمته إحداث تغيرات رئيسية في المواقف والمداخل تبنى على أساس عقدي، وتجعل الإسلام أكثر حيوية وديناميكية، وتزيل الصدأ الذي علاه من خارجه، وبذلك يستعيد مكانته الأولى في العالم كله .

 

تصحيح صورة الإسلام

من المعروف أن صورة الإسلام في أذهان الغربيين مشوهة ومخالفة لحقيقة هذا الدين، فهل نجحت الجاليات الإسلامية المهاجرة في تقديم الإسلام بصورته الصحيحة إلى الغربيين؟ وما هو الدور المنوط بمفكري الغرب من المسلمين لتحقيق هذا الهدف ؟

 

يجب أن نعلم أن العقلية الأوربية لا تزال محكومة بذكريات الحروب الصليبية، فالكنيسة الكاثوليكية لم تغير وجهة نظرها السلبية تجاه الإسلام بصورة كاملة، والإعلام الغربي لعب دورًا كبيرًا في تشويه صورة الإسلام ومهاجمته، والغربيون ينساقون وراء هذا الإعلام، ويخافون على حضارتهم الغربية من حضارة الإسلام، ويتخوفون من الزيادة المضطردة للمسلمين في الغرب.

 

ولا نستطيع أن نحمل الجاليات المسلمة في الغرب مسؤولية تصحيح هذه الصورة المشوهة التي تراكمت في أذهان الغربيين عن الإسلام عبر سنوات طويلة وأحداث كثيرة، ولكن الأمر يحتاج إلى استراتيجية متكاملة يتعاون من خلالها قادة المسلمين في الغرب وعلماؤها مع الهيئات والمؤسسات الإسلامية داخل العالم الإسلامي وخارجه، وذلك لمواجهة الإعلام الغربي، ونشر صورة الإسلام وتوضيح صورته الحقيقية للعالم كله وبمختلف اللغات، وإقامة حوار عن الإسلام في وسائل الإعلام الغربية وفي الندوات والمؤتمرات .

 

شروط نهضة المسلمين

العالم يتسابق اليوم لتحصيل العلم والتكنولوجيا التي أصبحت السبيل الوحيد للنهوض والتقدم واللحاق بموكب الحضارة، فما رؤيتكم لموقف الإسلام من العلم والتكنولوجيا الحديثة؟ وما هي شروط نهضة المسلمين العلمية ؟

 

المسلمون أولى الناس بالعلم والحضارة، فهم أتباع الدين الخاتم الذي يشيد بالعلم والعلماء، ويدعو أتباعه إلى تحصيل هذا العلم وملاحقته في كل مكان، ولقد ذبلت الحضارة الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي، وانحسر مداها لا في العلوم الإنسانية فحسب وإنما في مجال العلوم الطبيعية، يوم أهمل المسلمون العلم، وأغلقوا باب الاجتهاد واقتصروا على التقليد، وانكمشت الأبحاث العلمية.

 

ونهضة المسلمين في هذا العصر تتوقف على اهتمامهم بالعلم، واستيعابهم لمتطلبات العصر، خاصة في مجال العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، وإحياء فريضة العلم والاجتهاد