الحرج الأكبر
بقلم: أحمد عمرابي
من
الممكن للمؤرخين في القرن المقبل أن يلتفتوا للوراء ليقولوا حقا وصدقا أن ضرب
البرجين ومبنى البنتاجون في الولايات المتحدة بطائرات مدنية مختطفة، كان اضخم
حادثة في القرن الحادي والعشرين، لكن هل من المعقول بعد 99 سنة من الآن أن تظل
الجهة المسئولة عن هذه الحادثة الصاعقة مجهولة؟
إذا بقيت مجريات التحري الذي تقوم به أجهزة التحقيق الأمريكية على حالها الراهن من
الغموض الكامل، فان أسرار الحادثة قد تطمر فتبقى مجهولة لعقود زمنية على الأقل.
فبعد اكثر من شهرين ونصف الشهر من تلك «القيامة» الدنيوية التي انفجرت في يوم
الثلاثاء 11 سبتمبر عام 2001 في نيويورك وواشنطن .. وبعد اكثر من شهر ونصف الشهر
من حرب أشعلتها الولايات المتحدة باسم معاقبة مدبري هذه الحادثة الإرهابية، لم
يتوصل المحققون الأمريكيون بعد إلى نتيجة نهائية رغم اعتقال 1147 عربيا ومسلما
وانتشار سبعة آلاف عميل تابعين لمكتب التحقيقات الفيدرالي داخل الأراضي الأمريكية
وحول العالم.
أم انهم اكتشفوا في مرحلة ما أن مسار التحقيق يقودهم في اتجاه غير مرغوب فيه
بانطباق الأدلة الدامغة على جهة غير عربية وغير إسلامية؟
لقد كان إعلان شن الحرب الأمريكية، وعملية التحقيق مازالت متصلة، بمثابة محاكمة
أمريكية لقادة «القاعدة» ومن ورائهم قادة طالبان، وإصدار إدانة وتوقيع عقوبة في آن
معا .. كل هذا خارج إطار القانون والقضاء .. فقد كانت محاكمة سياسية وإعلامية
ألبست رداء العدالة القضائية انطلاقا من موقف مسبق.
لكن ماذا لو انتهت خيوط التحقيق بعد كل هذا إلى إدانة ميليشيا محلية أمريكية من
بين ميليشيات «اليمين المسيحي المتطرف»؟ أين يدفن جورج بوش ودونالد رامسفيلد
وجهيهما؟
ولا نذهب بعيدا. لقد نشرت «واشنظن بوست» تقريرا إخباريا روت فيه أن مكتب التحقيقات
الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «يعتقدان أن متطرفين في الولايات
المتحدة وليس اتباع بن لادن هم الذين يقفون وراء هجمات الرسائل الملوثة ببكتيريا
الجمرة الخبيثة».
فلماذا لا ينطبق ذلك أيضا على حادثة «الثلاثاء الأسود»؟ دون مقدمات فاجأ الرئيس
بوش الأمريكيين والعالم بقرار يقضي عمليا بتهميش الجهاز القضائي الأمريكي، من اجل
تقديم الأجانب المتهمين بالإرهاب إلى محاكم عسكرية تخضع لوزير الدفاع، لا يجوز حسب
القرار، الطعن في أحكامها «أمام أي هيئة أخرى داخل البلاد أو خارجها».
توقيت هذا القرار الغريب لا يقل أهمية عن مضمونه فقد اصدر عقب ذلك الاختراق
العسكري الذي حققته المعارضة الأفغانية في مسرح القتال ضد قوات طالبان بمساعدة
القصف الجوى الأمريكي.
وفق حساباتها العسكرية المنطلقة من نشوة الانتصار المرحلي، رأت الإدارة الأمريكية
أنها اقتربت من هدف القبض على بن لادن ومساعديه من كبار قادة تنظيم «القاعدة».
لكنها في الوقت نفسه أدركت أنها سوف تواجه حرجا قانونيا، فكيف يقدم مكتب التحقيقات
الفيدرالي قادة «القاعدة» إلى محاكم القضاء المدني، ليواجه أسئلة هيئة القضاة
ومحامي الدفاع دون أن يقدم إلى المحكمة نتائج عمليات التحقيق التي تجرى منذ 11 سبتمبر
.
أن التعتيم الشديد المضروب على مسار التحقيقات لا يحمل اكثر من ثلاثة تفسيرات كلها
من غير صالح الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف.
فإما أن التحقيق وصل إلى طريق مسدود، أو انه لم يتوصل إلا إلى أدلة متهافتة أو
ناقصة لن تصمد في معركة قانونية داخل محكمة، أو انه توصل إلى أدلة تدين جهة أخرى
غير القاعدة .. منظمة أمريكية ما مثلا.
من اجل هذا، ولمواجهة هذه الاحتمالات، نفهم لماذا قرر الرئيس الأمريكي تجاوز
الجهاز القضائي نهائيا بتقديم المتهمين بالإرهاب إلى محاكم عسكرية مشروطة بسرية
التداول ومحدودية الدفاع عن النفس وعدم القابلية لاستئناف الحكم.
ومما يجذب الانتباه بصورة خاصة أن قرار الرئيس يسمى تنظيم «القاعدة» وقادتها
وأعضاءها بالاسم!