الصلة
الخفية بين «محاكمة شارون» وحملة عزل صدام (2)
د. ابراهيم علوش
منذ
البداية، لم تكن بريئةً حملة «محاكمة شارون» التي تحمس أنصار القضية الفلسطينية
حول العالم لها، لا في العوامل الموضوعية التي جعلتها ممكنة، ولا في أبعادها
السياسية. فهي:
1) تعكس التحول العميق في بنية النظام
الدولي الجديد باتجاه جعل النقطة المرجعية للسيادة والقضاء خارجية بعد أن كانت
داخلية، كما هو دأب العولمة في تفكيك الدولة والثقافة الوطنية وإعلاء المؤسسات
والقيم والمفاهيم المعولمة محلهما.
2) وتعطي
المشروعية لمفهوم التدخل في شؤون الدول التي لا تتبنى النموذج الليبرالي الغربي في
الحكم بحجج «إنسانية» الظاهر، مما يغطي الأغراض السياسية للدول المتدخلة.
3) وتسوق الأوهام حول إمكانية نيل العدل
من خلال مؤسسات النظام الدولي الجديد إذا تم العمل السياسي بناءً على منطلقاته، أي من خلال نبذ وسائل المقاومة التي «لا يرضى عنها
المجتمع الدولي». فالعرب يقال لهم هنا إن المؤسسات
الدولية، لا نضالهم ووحدتهم، هي التي تعيد الحقوق المسلوبة.
4) وتغطي حقيقة أن المتدخل دائماً هو
الدول الأقوى والمتدخل فيه هو دائماً الدول الأضعف، فالاستعمار هو الذي يضع نورييغا أو بينوشيه في الحكم، ثم
يقرر محاكمتهما، وهو الذي يقرر متى تقتضي مصالحه محاكمة ميلوسوفيتش
أو القذافي أو صدام حسين.
5) وهي في حالة الحملة لمحاكمة شارون،
وبعض ضباطه ربما، محاكمة، إن وقعت، ستغدو بديلاً وجدانياً عن محاكمة الصهيونية
وكيانها سياسياً، أي أنها تصبح أحدى أدوات تسويق «حل عادل ودائم في الشرق الأوسط»
بين العرب والمسلمين وأنصار القضية الفلسطينية الأمميين.
6) وهي في حالة شارون أيضاً، حملة،
المطلوب من العرب فيها أن يقبلوا بحماسة بالمرجعية القانونية للمحاكم الدولية
تمهيداً لاستخدام تلك المرجعية في مشروع «تغيير الأنظمة» وإعادة رسم خرائط
المنطقة، بعد أن تكون المحاكم الدولية قد اكتست بشيء من «الموضوعية» و«الحياد» في
أعينهم!
وقد حاولت بان التعبئة الإعلامية لحملة
محاكمة شارون، التي اشترك فيها عددٌ كبيرٌ من المناضلين والأنقياء
الذين أقدرهم وأحترمهم، أن أثير النقاط أعلاه حيث وجدت إلى ذلك سبيلا. وكان من ذلك
محاضرة في مجمع النقابات المهنية في إربد، ومحاضرة أخرى في مقر جبهة العمل
الإسلامي في الرصيفة، ومقالة في صحيفة «القدس العربي
والدولي»، ومداخلة في الندوة التي نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عمان
بالاشتراك مع مركز دراسات الشرق الأوسط حول انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين،
ومداخلة في الاجتماع الكبير الذي عقد في المنتدى العربي في عمان لبحث موضوع محاكمة
شارون. وأسجل هنا للأستاذ المحامي حسين مجلي، رئيس
المنتدى العربي، أنه كان من القلائل الذين أدركوا الأبعاد غير البريئة لحملة
محاكمة شارون، وأنه خطب في ذلك الاجتماع كاشفاً بواطنها وأبعادها السياسية.
وأخيراً،
أسجل للتاريخ أن هيئة تحرير نشرة «الصوت العربي الحر» على الإنترنت وضعت دراسة
تتضمن الكثير من النقاط أعلاه. هذه الدراسة المنشورة منذ
صيف عام 2001 قالت بالحرف: «إن من يعتقد أن المحاكم البلجيكية مستقلة عن الإدارة
الأمريكية لا يعرف كثيراً عن أوروبا. فالقضية ضد شارون
لن تصل إلى حد معاقبته. والمطلوب منها هو ممارسة ضغط على
شارون من قبل الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، وإعطاء مظهر حيادي لهذه
الحكومات، ومشروعية للتدخل في حالات أخرى غير حالة شارون». وتستطيعون قراءة
الدراسة على العنوان التالي: www.freearabvoice.org/arabi/muhakamatuSharon.htm
وبغض النظر عما إذا حوكم شارون في
المستقبل أم لا، فإن الحكم الأساسي في هذه الدراسة، وهو أن المطلوب من حملة محاكمة
شارون إعطاء المحاكم الدولية ما يكفي من المصداقية لمحاكمة غير شارون، حسب حاجة
الدول الغربية لمشاريع «تغيير الأنظمة»، يبقى صحيحاً اليوم، كما سأبين تالياً.
ولكن
الدراسة كانت ساذجة حين تعاملت مع الأبعاد الموضوعية فقط لحملة محاكمة شارون،
معتبرةً أنه لا يوجد «أي سبب للاعتقاد بأن الذين رفعوا القضية ضد شارون مشبوهين،
على العكس، كل شيء يوحي بأن دوافعهم نبيلة، ولكن فلننظر إلى النتائج الموضوعية»!
فقد ثبت أن هناك الكثير من علامات
الاستفهام حول المحامي العربي الوحيد، شبلي ملط، الذي
شارك مع محامين بلجيكيين في رفع القضية على شارون، نيابةً عن ضحايا صبرا وشاتيلا، كما أشار روبرت فيسك والعديد من المصادر الأخرى.