الله لا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة:

العرب علي أهبة رجة جديدة لابد منها لنهوضهم؟

 

بقلم : د. خالد الطراولي

 

    ما يقع اليوم من هزات وتداعيات وسقوط للمبادئ والثوابت، وتناحر بين أنظمة وأنساق، وانهيار بعضها أو تصدع بنيانه أمام مطبة الواقع، وغلبة الأنا وارتفاع أسهم المصلحة. واستخفاف حكام بمحكومين ودول بدويلات، ومؤسسات ببلدان وشعوب، جعل نهاية التاريخ تسبق نهاية جغرافيته، وتضع نقاطا جديدة فوق أسطر جديدة علي ورق جديد...

    قررت المحكمة العليا الإسرائيلية بتفنيد قرار سياسي وسياسوي جائر لتنحية نائبين عربيين عن الترشح في الانتخابات المقبلة... أعادت محكمة خاصة في فرنسا إلي العمل فتاة فرنسية أُطردت من شغلها بسبب التزامها بحجابها...في السويد قبلت السلط بظهور مذيعة محجبة علي شاشة التلفزيون الحكومي في غير نشرات الأخبار...

    هذه المحطات العابرة في أحاديث الناس، والتي لا تكاد تجدها في غير الأركان الثانوية أو العناوين غير البارزة في الصحف والمجلات، تعبر عن حقيقة طالما غفلت عنها ذواتنا أو همشتها كبرياءنا، أو عتمها أصحاب القرار عندنا، أو تجاهلها البعض من أنصاف مثقفينا، وهو أن عدل أجوارنا وأصدقاءنا أو أعدائنا وقانونية سلوكياتهم وعدالة مؤسساتهم حقيقة لا ينبغي طمسها ولاستغفالها. إن علوية القانون والتساوي أمام العدالة وأولوية دولة المؤسسات تجعل من هذه الأمم رغم البعض من قصورها أمما عادلة نسبيا رغم تدينها بغير ديننا، في حين أن لقطات مرعبة في ليالي سوداء مظلمة تهز حاضرنا في بلداننا تعبر عن ظلم بواح وجور وعدم إنصاف في كل ميادين الظاهرة الإنسانية. وتجعلنا في مطية الأمم المؤمنة و الظالمة ! وهذا أحد أهم أسرار ارتباكنا وإفلاسنا وسقوطنا، ومن أسباب عدم إقلاعنا وتخلفنا.

    إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة و الملك قد يدوم مع الكفر ولكن لا يدوم مع الظلم ! قولتا بن تيمية والغساني تبقيان يافطات تقض المضاجع وتنفض الغبار وتريحنا من الكثير من اللغو والجدال البيزنطي. إن مشكلتنا الأساسية في بلداننا هي العدل والحرية، ولا تتم هذه دون تلك، فلا يكون عدل بلا حرية ولا حرية بدون عدل. وهذا موطن الداء، وهو ليس اكتشافا نوعيا ولا فريدا، فالجميع مقتنع بالتشخيص والدواء، فليست النهضة و لا التنمية ولا التحضر مزيدا من الخردوات ولا من آبار النفط ومناجم الذهب، وإنما الحضارة فكرة وسلوك، يبدأ بتبني العقول لأفكار التكافل والعدل والحرية، وتنتهي بقوننتها في سلوك ومؤسسات...

    إن القول اليوم بأن إسرائيل تعيش ديمقراطية كاملة بين مواطنيها العرب واليهود هي كذبة لا يحتملها عقل ولا نقل، وتدينها أقوال وأفعال، غير أنه لن نجانب الحقيقة إذا قارنا حال بلداننا بحالها فتخيب آمالنا وينهزم شاهدنا، جمهوريات يقع توريثها، وملوكيات يقع تمديدها، وديمقراطيات غائبة وحريات مكبوتة... أحزاب في الحكم منذ عقود تطرح البرنامج ونقيضه، ورؤساء لا يغادرون مراكزهم إلا بزيارة دبابة أو حلول ملك الموت! وأشباه معارضة لا تختلف عن حكامها سوي بيافطة أحزابها، تريد مواجهة الاستبداد والحكم الواحد واللون الواحد والزعيم الواحد وهي تقاد من نفس الزعيم لعقود وتنطمس في الكثير منها تعدد الرؤي واختلاف التصورات، حتي أنك لتجد أن الكثير من المعارضة هي انفصال عن الجسم الأم وخروج من أحزاب سابقة رفضت الاختلاف داخل البناء والتعدد داخل الوحدة.

    أما شعوبنا، ولا نريد طمس أنوارها ولا أن نحطم آمالها ولا الاعتداء علي إشراقاتها، غير أن عقودا من الظلم والكبت والسلب، جعلتها تطأطيء الرأس في الكثير من أحوالها، لا حبا في النجاة، ولا اعترافا بالغالب، ولكنه تجنبا لمزيد السقوط، لأنها عقلت في بعض أحيانها أن الشجرة كثيرا ما تنحني للعواصف لا تقربا لها ولكن تجنبا لنسف جذورها وقلع عروقها في انتظار مرور البركان! غير أن نسبية العواصف قلت وأصبحت العاصفة والصواعق هي حال الأمة الدائم من تشريد وتفقير وتغريب، فتعودت الأمة علي الصمت وأصبح الخنوع حالة مرضية دائمة رغم بعض الومضات من هنا وهناك... انظر حالها اليوم كيف أصبح الروتين اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون من تجويع وتشريد وتقتيل لا يكاد يوقظ تململا أو اهتزازا! بل هناك من أصبح يتحاشي سماعها أو رؤيتها خوفا من وخز ضمير وفراغ ذات اليد...انظر الحالة العراقية وما جلبته من وقفات ومظاهرات رافضة للحرب وويلاتها عند أقوام غير أقوامنا، وانحبس الدمع في أوطاننا، وانقطع الصوت وغاب القول والفعل! هذه حالنا والأمة علي مفترق طريق من جديد، فكما تكونوا يولي عليكم، وكما تكونوا، تكون معارضتكم، وكما تكونوا يكون أعدائكم علي غير حالكم. كان الوليد بن عبد الملك صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء. وكان سليمان صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام، وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن الخبر ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر والناس علي دين ملوكهم!

    لقد تحدث الكثير عن ويلات الحرب القادمة وما سوف تجره من تحطيم لعرانا وتعديل لتصوراتنا ومناهجنا، واستضعاف لقوانا، وسقوط لتحضرنا، وانفلات لحرياتنا، وتنحية لحكامنا، وانقلاب في كل حاضرنا! تحدث الكثير عن نهاية تاريخنا قبل تاريخ غيرنا، عن تقلص جغرافيتنا وقد تمددت جغرافية الآخرين... تحدث الكثير عن كابوس سيطأ أرضنا ويستحيي كرامتنا ويمدد ليلنا ويباعد بيننا وبين فجرنا.. والقائمة تطول... لكن إذا كان الأمر قادما لا مرد له ولا تعطيل، فكيف يمكن تلطيف تأثيراته، إن لم نكن قادرين علي مواجهته؟ كيف يمكن قلب سلبياته المنتظرة إلي إيجابيات معتبرة لا يحلم بها حتي الصديق؟ كيف يمكن تفعيل الارادات الخابية والعزائم الخائرة؟ فمن الظلمة يأتي الشروق، ومن بين الأشواك تأتي أجمل الزهور وأطيب العطور... ماذا لو كان ما يحدث لنا صفعة لسباتنا، وخضة لواقعنا؟ ماذا لو كانت رجة لأسقامنا وزلزالا يهز المسلمات ويطعن الترهلات؟

    أما آن لحقبة ما بعد الاستقلال السياسي لبلداننا أن تكون قوسين في تاريخنا وقد حان غلقهما، لتلتقي الأمة من جديد مع إشراقات النهضة المبتورة تنزيلاتها، ونظالات الاستقلال المسلوبة مضامينها وأهدافها! ماذا لو يعاد بناء الحاضر واستغلال دور الأجنبي في هذا البناء وهو الذي يريد مصلحته دون مصالحنا وقد عجزنا لوحدنا، راع ورعية، حتي عن التغيير ومواجهة المنكر بالقلوب!

    لا يجب أن ننسي أن تاريخ الأمة يؤكد علي أنها لم تعد بناء ذاتها بعد سقوط وانكسار، ولم تستنهض عزائمها مجددا إلا بعد أن رضيت الدنية في دينها وفي غير دينها، في ثقافتها وفي هويتها، وبعد أن لامست القاع تخلفا وتقوقعا واندحارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا وذوقيا وثقافيا وأخلاقيا. وتستوقفنا في تاريخنا محطتان تقبلت فيهما الأمة ضربتان هزتا كيانها وكادتا تطيحان بكل البناء، وقد سبق الهزة ضعف وترهل وانهيار وتلاها في بعضه وبنسب متفاوتة محاولات للاستنهاض والوقوف. فكانت حملة التتار في القرن السابع وما سبقها وتلاها من مواقف وأحداث، وكانت حقبة الاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين وما كشفته من قابلية عجيبة للأمة للتخلف والتقوقع، و ما أحدثته بعد ذلك من بروز لفكر النهضة والتنوير.

 

الخضة الأولي: التتار مروا من هنا

 

    كان حال الأمة في القرن السادس والسابع للهجرة قبل دخول التتار مدعاة للتندر والاستخفاف، كانت كالرجل المغشي عليه الذي فقد ذاكرته وتعطلت أوصاله وتكلست أطرافه وتجمد عقله وخف نقله، وسنتوقف قليلا لسرد هذه الحالة المزعجة لاستيعاب ماضينا قبل فهم حاضرنا: كان الخليفة العباسي المستعصم بالله كما يصفه ابن طباطبا مستضعف الرأي، ضعيف البطش، قليل الخبرة بالمملكة، مطموعا فيه، وكان زمانه ينقضي في سماع الأغاني والتفرج علي المساخر.. . وكان أهل الحاشية والمقربون ينعمون في ثراء فاحش، بينما كانت الأمة وعلي رأسها العلماء في ضيق عيش وقلة مال. فقد كان شيخ الفراشين في قصر الخلافة وهو من أدني المنازل يملك دارا لها عدة حجرات، وفي كل حجرة جارية وخادمة وخادم، وكانت له جواري للطعام وجواري للشراب وجواري للفراش وجواري للغسل وأخريات للطبخ.... في حين أن ابن القوطي وابن الساعي وهما من أشهر مؤرخي هذا العصر كان كلاهما يتحصل علي راتب لا يتجاوز عشرة دنانير! ولما أحاط التتار بقصر الخلافة ببغداد يرشقونه بالنبال وجنودهم يعيثون في البلاد فسادا، أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه كما يروي بن كثير. وبلغ الذل والهوان في الرعية أن رسم أحدهم صورته علي حذاء وأهداه إلي هولاكو أمير التتار قائلا له عبدك يأمل أن يتفضل الملك فيشرف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها ! فكانت رسالة هولاكو إلي زعمائهم في هذا الباب نكاية وتذكيرا بحال أمة تدحرج بنيانها وقلت بضاعتها وانهارت أسسها وعَلَي ظلمها وانكشفت مساويها: أنا نحن جند الله في أرضه خلقنا من سخطه وسلطنا علي من حل به غضبه...فإنكم أكلتم الحرام ولا تعفون عن كلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان، وقد ثبت عندكم أنا نحن الكفرة وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة .

    ومال التتار علي البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الوحوش وقني الوسخ،... فيقتلونهم بالأسطحة حتي تجري الميازيب من الدماء في الأزقة... وعادت بغداد بعد أن كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة وقلة... وقيل بلغت القتلي ألفي ألف نفس (مليونين)... وكان الرجل يستدعي به...فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلي مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ويؤسر من يختارون من بناته... وقتل الخطباء و الأئمة وحملة القرآن وتعطلت المساجد والمدارس والجمعات مدة شهور... والقتلي في الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتي تعدي وسري في الهواء إلي بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع علي الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون!...ولما نودي بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمقابر كأنهم الموتي إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه... (6).

    ثم جاءت عين جالوت، وحازت الأمة علي انتصار عسكري لم يقع تفعيله حضاريا، نسيت أنه كان رجة في جسم مريض يجب أن يتعافي، فاستشعرت عظمة مزيفة، بينما تواصل الانهيار رغم أن صفعة المغول حبست بعض الشيء هذا النزيف وقلصت منسوبه. فلم يتوقف ضمور الفقه السياسي في مقابل تواصل تضخم فقه العبادات وكثرة الحواشي، ولم يتجرأ الفقهاء إلا باحتــشام مفرط إلي ولوج هذا الباب لعلاقته بالسلطان، وقد تبين أن من أسباب الانهيار مسألة الحكم وما جره من استبداد سياسي وترهل اجتماعي. ولم يرتدع الراعي وتهيّب الفقيه وغابت الرعية، وانعدم الفعل السياسي وتواصلت المواجهات المسلحة والتصفيات الجسدية، وغلبت النصائح العامة والمؤثرة أحيانا لأولي الأمر تخفيفا للوخز واعترافا بالعجز والتي ملأت الكتب وأثارت الإعجاب والدهشة ولكنها لا تغير واقعا ولا تبني مؤسسة. وغاب العدل وغابت الحرية وتواصل الانحطاط بكل أبعاده يهز أطراف الأمة ويمزق أوصالها.

    ولم يكن وصول الخلافة العثمانية إلا تواصلا لانتصار عين جالوت المبتور حضاريا، وتمديدا لهذه الغشاوة، حيث أخفت الانتصارات العسكرية وتمدد حدود الدولة الإسلامية وتوحيد الأمة تحت راية واحدة، ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي. ، فتواصل الاستبداد والمغالبة وصراع المصالح، وكثرت ظلال الله علي أرضه، وغيب بنو عثمان من قواميس حكمهم مصطلحات الحرية والعدل، ، ولم يقع تفعيل قوتهم العسكرية وانتصاراتهم الكبيرة في مسار تحضري يشمل مركز الدولة وأطرافها، و أخطأ المسلمون النهضة العلمية والثورة الصناعية وغابوا في ثنايا التاريخ الذي لا يرحم ترهلا ولا عجزا ولا تواكلا.

 

الخضة الثانية: الاستعمار ومن القابلية إلي النهضة

 

    كانت حقبة ما قبل الاستعمار تعبيرا عن الوهن والضعف الذي وصلت إليهما الأمة، كانت كالغريق الذي يحاول النجاة من الأمواج الزاحفة والشاطئ يتباعد عن ناظريه، كان حالها مهيأ للاستعمار والاستخفاف والابتزاز الثقافي والاقتصادي والسياسي، كانت قابليتها عجيبة في الانهيار والانبهار، وكان التخلف شاملا عاما لكل أوجه الحياة، كما يصفه أحمد أمين فساد نظام واستبداد حكام وفوضي أحكام وخمود عام . ويزيده قاسم أمين تأكيدا علي الاستبداد السياسي والاجتماعي فانظر إلي البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل والرجل في رق الحاكم فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه . وتعدي هذا الترهل والتخلف كل الميادين وضرب الثقافة والذوق والسلوك، يروي الجبرتي في تاريخه حول ما يقع في المساجد من انحطاط خلقي وأخلاقي سنة 1897، أي العام الذي احتل فيه الفرنسيون مصر ينظم إلي ذلك من جمع العوام وتحلقهم بالمسجد للحديث والهذيان وكثرة اللغط والحكايات والأضاحيك والتلفت إلي حسان الغلمان الذين يحضرون للتفرج والسعي خلفهم والافتتان بهم ورمي قشور اللب والمكسرات والمأكولات في المسجد!..

    لكن هذه الحالة الوضيعة وهذا المستوي المتدني الذي وصلته الأمة أن تُستعمر أوطانها ويُستعبد أبناؤها وتُحقّر ثقافتها وهويتها، حملت إرهاصات مسار نهضوي عام وتساؤلات حضارية عميقة: لماذا وصل المسلمون إلي هذا المستوي من الهبوط والتخلف؟ ولماذا وصل غيرهم إلي هذه الحال من العلو والتقدم؟ طرحت النهضة السؤال المناسب في الزمن المناسب، لكن الجواب الفعلي لم يوافق ويتناغم مع الجواب النظري، كانت النهضة النظرية في واد وتفعيلها وتنزيلها في واد آخر.

تناوب علي تفعيل سؤال النهضة والخروج من حالة التخلف التي تعيشها الأمة أسر مالكة وأحزاب حاكمة، رجال وصلوا إلي سدة الحكم والفعل والقيادة محمولين علي دبابة أو حاملين لتاج وصولجان، حملوا آمال أقوام وشعوب لعقود! كانت الوصاية كاملة والهزيمة كاملة، تأرجحت برامجهم التنموية حسب الموضة السائدة، قيل لهم الاشتراكية هي الحل، فعمت الملكية الجماعية الديار، وكثرت الإصلاحات الثورية وتنافس الجميع علي أن يكونوا أبناء لينين أو ستالين البررة، وعم سلطان الفكر الواحد والزعيم الواحد والحزب الواحد.. ثم كان الانهيار!

    ثم قيل لهم الليبرالية هي الحل ولعلها نهاية التاريخ فمن تخلف عن ركبه فلا تاريخ له ولا حاضر ولا مستقبل، وبنفس الرجال ونفس الآمال تنحّت المطرقة والمنجل، وغاب اللون الأحمر عن أرضنا وسمائنا، وأصبح الجميع يقسم بمؤسسات التمويل العالمية ولا يحنث عن آرائها وتوجيهاتها...لكن السفينة لم تقلع أبدا بل زادت تأخرا وتخلفا وانحطاطا في انتظار حلول أخري، في حين أبحرت سفن الآخرين!

    فهل يكون ما يحدث الآن في الكواليس وما ينتظر وقوعه الرجة الثالثة والصفعة الجديدة التي كان لا بد منها ليقظتنا ونهوضنا سواء وقعت الحرب أم تلاشت، في ظل راع لا يعرف شعابه ورعية مسلوبة إرادتها ومحبطة عزائمها؟ وهل يقع التفعيل الحقيقي لسؤال النهضة من حرية وعدل وديمقراطية وتعدد وتنمية، ونكون بالتالي قد دخلنا النهضة الثانية من بابها الصغير بلا شك، لكن القليل من الحزم والعزم والإرادة والصبر والذكاء، كفيل بتوسعة الباب نحو مواطن أرحب ومنازل أرقي وأرفع.

    إن الآخر الذي صفعنا، سواء كان التتاري في توحشه وإرهابه، أو الاستعمار في استغلاله واستعباده لم يخرج سالما من لقائنا، وهذا عزاءنا وأحد آمالنا، فالتتار اعتنقوا دين ضحاياهم، ولأول مرة في التاريخ يقلد الغالب ثقافة المغلوب ويتبني تحضرهم، والاستعمار خرج وهو يحمل منظومة قيمية اهتز بنيانها علي أكثر من باب، فأنوار حقوق الإنسان والمساواة بين الأجناس والجماعات والأفراد، قد خبا بريقها وهي الخيبة التي ساهمت نسبيا في ارتماء حكامنا في الفترة الأولي من الاستقلال السياسي في أحضان الزحف الأحمر طامعين في ازدهار وعلو غير مرتبط بالمستعمر وقيمه المهزوزة. واليوم كالبارحة، وأمام هذه الدورة الجديدة من التدافع والصراع، وفي ظل هذه الهزة الثالثة تدخل الأمة مربع الموت من جديد وقد شهدت أسوأ منه لا محالة، لكن هذه المرة مطلوب منها تفعيل هزيمتها العسكرية المتوقعة، وتغليب فقه التحضر والتعارف، علي فقه المغالاة والتقوقع والانعزال، في ظل تفوق منظومتها القيمية واهتزاز منظومة الآخرين. فإن سياسة الكيل بميزانين، وحق المواطنة المهتز هذه الأيام في أميركا لبعض مواطنيها، وصمت العالم الحر لما يقع في فلسطين، يعتبر أول الهنات في الضفة المقابلة والذي يمكن أن يمثل نهاية تاريخ وبداية آخر.

    لقد كانت معركة أحد هزيمة عسكرية كادت أن تطيح بالرسالة وصاحبها عليه السلام، لكن الغيب قرر غير ذلك وتعلم المسلمون الخطأ والصواب، والتوكل والتواكل، والصبر علي البلاء، وتفعيل الهزائم، وأن الأيام دول، وأن سنن الحياة تقوم علي المؤمن وعلي غيره، علي السواء دون تبجيل أو تكريم، (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (الإسراء 02)، من أخذها بحقها فهي له كاملة، ومن تقاعس عن رصدها وصيدها رُمي به في مزبلة التاريخ حيث لا ينفع عزاء ولا تحسر.