الهجرة
: استحقاقات
غربية
لم
يتوقف الجدل
في الغرب حول
الهجرة خلال
العقديين
الماضيين،
لكنه اكتسب
بعد أحداث
الحادي عشر من
سبتمبر حدة،
وأصبح عذرا
لسياسات
جديدة، ومنصة
لانطلاق
مفاهيم
الفاشية
وأفكار
النازية متسربلة
بأردية
الحلول
السهلة
لمشاكل
البلدان الغربية.
فالنازيون
الجدد
استعاضوا عن
مفهوم العرق
الأصفى مفهوم
الثقافة
الأسمى، وجعلوا
منها مقياسا
لكل الثقافات
الأخرى.
فالمفهومان
وجهان لعملة
واحدة، تدرج
البشر على
مقياس منحدر.
وهم إذ لا
يستطيعون أن
يستدعوا
فجاجة
المفهوم الأصلي،
فقد دثروه
بمقولات
جديدة تهاجم
نموذج
المجتمع
المتعدد
الثقافات، أو
تؤكد على أنه
ينبغي على
الأوروبيين
والأمريكان
أن يملئهم
الفخر
بتاريخهم، أو
ترى من حق
البلدان أن تحدد
نوع
المهاجرين
إليها من
منظور قبولهم
بسلم قيمها
وقناعاتها.
وتنطوي
الحملة
المتصاعدة
على الهجرة
على ثلاثة
بواعث تجتمع
في بعض
الحالات
وتتفرق في حالات
أخرى. فهي
استغلال
لمسألة
الهجرة من أجل
تمرير سياسات
جديدة، وهي
صرف لأنظار
الناس عن الأسباب
الحقيقية
للاضطراب
الاجتماعي
والاختلال
الاقتصادي
والسياسي في
هذه البلدان
وإلقاء
أعبائهما على
كباش فداء
جديدة، وهي
مظاهر تمليها
أفكار التعصب
والتفوق لدى
الفئات
الأكثر تطرفا.
والحملة على
الهجرة هي
تكرار لتاريخ
أوروبي يقوم
على فرض آفاق
من العمل
ومواطن للسكن
على الأقليات
ثم تحميلها
عواقبها
المترتبة
عليها. وقد
كان ذلك حال
أوروبا مع
اليهود
والغجر في
القرون الماضية،
حينما فرضت
عليهما
موضوعيا
وأحيانا قانونيا
طبيعة
أعمالهم
ومواطن
سكناهم ثم ألقت
عليهم
باللائمة على
سوء سياساتها.
وهاهي تعيد
الكرة الآن مع
المهاجرين
العرب
والمسلمين
الذي تحدد لهم
نطاق أعمالهم
ومدى
مشاركتهم في
العملية
الإنتاجية
التي تبقيهم
على هامش المجتمع،
لا يستطيعون
الانطلاق منه
إلى مركزه، ثم
توسعهم
اتهاما بأنهم
لا يريدون
الانخراط في
أنشطته أو
التكامل فيه.
تماما كما جرى
مع السود في
أمريكا حينما
استعبدوا ثم
ميزوا ثم همشوا،
ومن ثم اتهموا
أنهم لا
يحسنون
الارتقاء في
سلم المجتمع.
ولا
يتعرض الجدل
الدائر حول
الهجرة إلا
على نتوءاتها
البارزة، أي
وجود
المهاجرين،
فهي في نظر
الغرب كائن
ليست له جذور.
وهذا الضرب من
الجدل يخفي
المسؤولية
الغربية
الأساسية في الهجرة،
كما أنه يطمس
التمايز بين
القناعات
والقوانين.
والنظرة
الجادة والمتعمقة
في نشوء
الهجرة من
بلدان العالم
المتخلف يجد
أنها في
بواعثها
الدافعة وفي
أسبابها
الجاذبة
غربية في
جوهرها.
فعلى
صعيد الأسباب
الجاذبة يقف
اثنان حاسمان.
الأول، أن
أوروبا قامت
في السنوات
التي تلت
الحرب
العالمية الثانية،
والولايات
المتحدة منذ
الستينات والسبعينات
بجذب العمالة
الرخيصة من
بلدان العالم
الثالث، وذلك
إما
للاستفادة
منها في أعمال
لم يعد
المواطنون
الأصليون
راغبون في القيام
بها، أو
لتخفيض كلف
الإنتاج
لتحسين مواقع
المنافسة
لشركاتها.
فالمهاجرون
لم يقدموا إلى
أوروبا
وأمريكا
ابتداء إلا
لأنها
أغرتهما بالمجيء
لاحتياجها
إلى جهدهم
ونشاطهم.
الثاني، أن
أوروبا أبقت
أبوابها
مفتوحة
لمواطني مستعمراتها
السابقة حتى
تبقي الصلات
السياسية
والاقتصادية
والثقافية
قائمة
ومتواصلة معها.
كما
أن الغرب
يتحمل
مسؤولية
أساسية في
اندفاع الناس
للهجرة من
بلدانهم بحثا
عن رزق أو
مأوى في
بلدانه.
والمسؤولية
لا تتضح فقط
في بعدها التاريخي
من حيث أن
بلدان الغرب
عموما قد نهبت
وخربت بلدان
العالم
القديم
والجديد،
فأغنت نفسها
وأفقرت بل
وأرست آليات
التخلف في
معظم بلدان
آسيا
وأفريقيا
وأمريكا
اللاتينية. إذ
أن عملية
النهب
متواصلة، بل
أن عجلاتها
أخذت تدور
بسرعة في
العقد الأخير.
فقد فرضت
البلدان
الغربية من
خلال
المؤسسات
الدولية
الاقتصادية
التي تهيمن
عليها سياسات
الخصخصة وتحرير
النقد
والتجارة
التي آلت إلى
تدمير البنى الإنتاجية
فيها وتحكم
الشركات
المتعددة الجنسية
في
اقتصادياتها،
فازدادت
البطالة. ولأن
هذه السياسات
قادت
الحكومات
إلى السير في
نهج يغتال كل
البرامج
الداعمة
للفقراء على
مستوى
التعليم والصحة
والمواد
الغذائية
الأساسية،
فقد ازداد
الحرمان في
قطاعات واسعة
من الناس
وتفاقم الجهل
واستفحلت
الأمراض. وفي
مواجهة هذه
الصورة
البائسة
يتضاعف الغنى
في البلدان الغربية.
وتترسخ أوتاد
الحرمان
والبطالة تحت قرع
طبول الدعوة
للديانة
الجديدة
القديمة، الحرية
الاقتصادية.
ولكنها ديانة
يقع في قلبها
التمييز،
لأنها ترى
الحرية
الاقتصادية لا
تنبغي إلا
للموارد
الطبيعية
ورأس المال بينما
العمل الذي هو
الأساس في
النشاط
الاقتصادي
يكبل ويمنع من
الحركة. بل
حتى التجارة
وفق أحكامها
أنواع،
فتجارة
الأغنياء يجب
أن ترفع من
أمامها
الحواجز
بينما سلع
الفقراء فلا
تستحق إلا غلق
الأبواب.
فالذين
يذهبون إلى
الغرب سعيا
وراء فرص
العمل إنما
يلاحقون ما
سلبهم الغرب
في بلادهم وما
نقله من خيرات
إلى مجتمعاته.
ولذلك، فإن
القوانين
التي شرعت
تسنها البلدان
الغربية
لتقييد
الهجرة
ومنعها، وجعل
الحياة صعبة
لمن أصبح في
داخلها يتحلب
نفاقا حينما
نشاهده في ظل
سعي هذه
البلدان
وملاحقتها البلدان
الفقيرة حتى
تنسخ كل
قانون، وتئد
كل إجراء،
وتزيل كل حاجز
يحول دون
تغلغل السلعة
الغربية ورأس
المال
الغربي،
شاهرة سيف
الحرية
الاقتصادية.
وقد يستغرب
المرء الذي
يرى في أن هذه
مقايضة ظالمة
لا تستقيم من
مسايرة بلدان
الجنوب
لها بدل أن
تتصدى لها.
لكن الغرابة
تزول حين
إدراك كنه
العلاقة،
ففتح الأسواق في
بلدان الجنوب
أمام السلع
ورأس المال
الغربي وإن
كان يغرق
بأضراره
القوى
العاملة وعموم
الناس فيها،
لكنه منبع
للبحبوحة
للفئات التي
تدافع عنه
وتمهد له
السبيل. فهو
موازنة بين
مصالح
الجمهور، على
اتساعه، الذي
لا يملك السلطة،
ومصالح
الفئات
القليلة
المتحكمة بأدوات
السلطة
والمتحكمة
بها.
وما
كان لهذا
القهر
الاقتصادي
الذي يخلق الحرمان
ويولد الفقر
أن يتواصل لو
لم يستصحب معه
الاستبداد
السياسي.
فالفئات
الحاكمة ما
كان بإمكانها
أن تفتح
بلدانها
للشركات
المتعددة
الجنسية، وأن
تجري
السياسات
المفاقمة
للبطالة،
وأن تتابع
البرامج التي
ترسخ التبعية
ما لم تمارس
القمع، وتخنق الحريات،
وتحرم
الاعتراض.
وبلدان الغرب
ليست فقط على
معرفة
باقتران
الأمرين
وامتناع أحدهما
بغياب الآخر.
بل هي تسند
هذه الحكومات
وتمد
مؤسساتها
بالعون، وهي
إن رفعت
عقيرتها بالاحتجاج
على الظلم
السياسي في
مكان، فلكي تعاقب
أو تبتز من لا
يرى رأيها في
النشاط
الاقتصادي أو
العمل
السياسي.
وكلما ازداد
القهر الاقتصادي
كلما تعاظم
الاستبداد
السياسي،
وكلما تضاعفت
أفواج
الراكبين
لأمواج البحر
الصاخبة إلى
بلدان الغرب،
كأنما تحدثها
بأخبار جرائرها
وقبح صنائعها
في بلدانها.
أما
قمة المراءاة
في النهج
الغربي، فهو
ذلك الخطاب
الذي يعقلن
التوجهات ضد
الهجرة من حيث
الإدعاء بأن
المهاجرين
صعب عليهم
الاندماج في
المجتمعات التي
يعيشون فيها
حيث أنهم
يأتون
بقناعات ومفاهيم
تتناقض ما
عليه غالبية
المجتمع. ووجه
النفاق في هذه
الأقوال باد
في أكثر من
جهة. فالبلدان
الغربية
حينما اجتذبت
في بداية
الأمر هؤلاء
المهاجرين،
كانت على يقين
أنهم يحملون قناعات
ومفاهيم
مختلفة لأنهم
يأتون من ثقافات
مغايرة. ثم إن
الغرب يقف على
رؤوسنا ليل نهار
ليعظنا بجمال
التنوع
وفوائد
الاختلاف ثم يضيق
ذرعا بمن
يساهمون في
عملية
الإنتاج فيه لأنهم
لا يستذوقون
شرابه، ولا
يستأنسون
بطريقة
نكاحه، ولا
يتفاعلون مع
أشكال طربه.
لكن الأغرب
أنهم يثبتون
التقاليد
والقناعات
حتى تبدو
جبالا
راسيات،
بينما
التاريخ
الأوروبي يحدثنا
عن سرعة
انتقالها من
حال إلى آخر.
فتقاليد
وطقوس العصور
الوسطى غيرها
في العصر الفيكتوري،
وهي مختلفة في
النصف الأول
من القرن العشرين
عن نصفه
الثاني.
أما
الأمر الأخبث
فهو المزج
الإيحائي بين
القناعات
والقوانين. إذ
يبدو من الجدل
الدائر أن
المهاجرين
حين يناقضون
في قناعاتهم تقاليد
المجتمع
الغربي
فكأنما
يخالفون قوانينها،
وهذا في مجمله
غير صحيح. فالقناعات
والمفاهيم عن
الحياة ليست
بالضرورة
مترجمة في
قوانين وفي
نظم، بل هي من
المباحات،
بينما
القوانين
التزامات. ولا
يجوز أن تنقل
المباحات إلى
فروض. ومع
ذلك، فالغرب
كاذب ومنافق
في موضوع
القناعات،
فالسود
الأمريكان
اعتنقوا
البروتستانتية
ومارسوا جل
شعائر المجتمع
الأمريكي،
لكن ذلك لم
يشفع لهم من
حيث التمييز
ضدهم، ومن حيث
تهميشهم. بل
أن سواد البشرة
قرينة على
احتمال
الإجرام، كما
أصبح الآن الاسم
العربي قرينة
على الإرهاب.
لقد
أخذت
المجتمعات
الغربية، على
إثر تهاوي الاتحاد
السوفيتي،
تنحاز يمينا
أكثر فأكثر،
حتى احتلت
أحزاب اليسار
مواقع أحزاب
اليمين مما
اضطر الأخيرة
إلى أن تتبوأ
أماكن أكثر
تطرفا. والتوجه
نحو اليمين في
الغرب يقود
إلى الاقتراب
من مفاهيم
النقاوة
العرقية التي
تولد الفاشية وتفرز
التطرف.
* الرئيس
السابق لبعثة
الجامعة
العربية إلى واشنطن