(الصواريخ الاستشهادية )    تثقب الجدار الواقي

 

 

 

بقلم : عبد الرحمن فرحانة

 

ما زال قلب المقاومة ينبض بالحياة … و عادت الصواريخ الاستشهادية الفلسطينية تضرب في العمق الصهيوني و بنفس وتيرة ما قبل الدرع الواقي .. و الحزمة الجديدة فيما يبدو متركزة على القلب الديموغرافي - تل أبيب – و أحد سهام الحزمة التي اخترقت الدرع الواقي الهزيل ارتقى نوعياً ليستهدف نقطة استراتيجية هامة في تل أبيب ممثلة بالمحطة المركزية للوقود و الغاز فيها ، و علقت بعض الصحف العبرية على العملية بأنها حادثة كادت أن تشكل كارثة ضخمة لم تعهدها (إسرائيل) منذ قيامها قبل 54 عاماً لو أنها نجحت كما كان مخطط لها .

رغم أن العملية المذكورة أخفقت إلا أنها بعثت رسالة للجنرالات في المؤسسة العسكرية الصهيونية مفادها أن مساحة الانكشاف الاستراتيجي في مواجهة الصواريخ الاستشهادية آخذة في الاتساع و ربما تصل في المستقبل القريب رسائل أكثر عمقاً و أوسع معنى .. 

و لكن لماذا هذه الفاعلية الساحرة للمقاومة رغم المناخ المتردي في الفضائين المحلي و الإقليمي ؟

تعود جاذبية المقاومة و سحرها أنه يتكدس في جوهرها مضامين لا تتوفر في غيرها من الخيارات الأخرى .. فالمكون الأساسي فيها أنها فعل جهادي ينطلق من قاعدة المقدس و بالتالي فمساحة هامش المناورة للرافضين لها محدودة يدعمها الالتفاف الجماهيري الواسع في الداخل و الخارج حول برنامجها القابل للتطبيق رغم اختلال الموازين في الوضع الراهن .. و هذه الخاصية ليست نظرية بل تم ترجمتها على أرض الميدان بنماذج لا تقبل المناقشة و يزيد في بريقها الإنجاز الذي حققته في ميدان الخصم و حجم الإيلام و الإثخان الذي أوقعته في المجتمع الصهيوني .. و ترجمة ميدانية لهذه الحقيقة و تمثيلاً لهذا الواقع كلمات الكاتب الصهيوني إيتان هابر في يديعوت أحرونوت .. إذ يقول : "تواجه دولة (إسرائيل) في هذه الأيام إحدى أصعب لحظاتها و هناك من يقول إنها أخطر اللحظات في تاريخها ، فالرابط بين الضوائق الأمنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الحزبية يمكنه أن يقتل نمط حياتها ، كما  يمكنه أن يولد الإغراء لدى أعدائها)) .     

و لأن الإنجاز المقاوم يشكل وجعاً استراتيجياً في جسد المشروع الصهيوني فالمحاولات الأمريكية الحثيثة تدفع باتجاه بلورة معادلة يجري في إطارها تبادل المصالح بين كافة الأطراف في الإقليم تبادلياً مع أمريكا و الثمن الذي ينبغي أن تدفعه هذه الأطراف الإقليمية هو رأس المقاومة . لكن الحرج السياسي للأطراف المعنية أن الفعل الجهادي المقاوم ليس عدمياً بل إن أبسط العارفين يدرك حجم إنجازاته على الصعيد السياسي ، لكن العجز العربي هو الحائل دون حصاد هذه الإنجازات و خطيئة المقاومة في هذا السياق أنها أحرجت العجز العربي و كشفت عورات الموقف الرسمي . و برغم الإمكانات المحدودة فجريرة المقاومة أنها أحرجت القوى العسكرية العربية و حققت التالي :

 

·  كسرت شوكة العنفوان العسكري الصهيوني و أسقطت مقولة الجيش الذي لا يقهر و ألقتها في مزابل الهزيمة و حولت أجهزة التفوق النوعي العسكري إلى خردة في مستودعات الجيش و أنتجت معادلة جديدة في المواجهة مفادها : "الصاروخ الفلسطيني الاستشهادي يضرب بفاعلية في العمق بينما القنبلة النووية الصهيونية تغفو في القبو" ، و وفق هذه المعادلة أضحت النقاط الاستراتيجية في الكيان الصهيوني في دائرة استهداف هجمات الاستشهاديين .

·  ضربت قلب الاقتصاد الصهيوني و أدخلته في حالة من الكساد لم تمر عليه منذ نشوء الكيان ، و من جرائها انخفض 30 % من الميزانية الصهيونية لتغطية فاتورة الأمن و بلغت نسبة البطالة 11 % و اقترب عدد العاطلين عن العمل إلى زهاء 300 ألف يد عاملة ، علماً بأن كل عاطل عن العمل يتلقى شهرياً 450 دولار من خزينة الدولة ، و تشير بعض التقديرات إلى أن مجمل الخسائر الاقتصادية بلغ 10 مليار دولار و هي خسائر تزيد بمقدار الضعف عن الخسائر التي أعقبت حرب أكتوبر عام 1973م و التي خاضتها جيوش عربية كبيرة .

 

·  نزعت المقاومة ثقة المجتمع الصهيوني بحكومته و جيشه بسبب العجز عن توفير أبسط مضامين الأمن المتمثل بالأمن الشخصي (و هو أبسط حقوق المواطنة من جهة الدولة و أقل واجباتها نحو المواطن) ، و قد فسر وزير العدل الصهيوني مائير شطريت دوافع حملة الدرع الواقي بأن الهدف الأول منها سيكولوجي مضمونه إعادة الثقة للمواطن بالحكومة و الجيش .

 

·  أصابت الحالة الجمعية النفسية بما يشبة حالة الانهيار ، إذ اقتصرت تحركات المستوطن اليهودي على خط تحرك باتجاه نقطتين هما البيت و مكان العمل  و بالتالي فقد انخفض ارتياد الأماكن  العامة إلى حوالي 60 % في الحالات العادية و في أوقات الأزمات تبدو شوارع المدن شبه خالية و هذه الحالة السيكولوجية المدمرة أنتجت الآتي :

 

 

 

1. اهتزاز الحلم الصهيوني و التشكيك في إمكانية تحقيقه كواقع ثابت ، و أنه غير ممكن التحقيق في إطار الخارطة الجغرافية الحالية – فلسطين – باعتبارها في ظل هذه الظروف و تداعياتها ليست المناخ المؤهل لنمو هذا الحلم بل أصبحت الأرض التي يزرع فيها الموت على كل الدروب و هي التي تأكل أولادها في كل الأنحاء و هي ليست بلاد اللبن و العسل كما قال أكبر شعرائهم إيلي رندان في آخر قصائده اليائسة .

 

2. تكثيف القلق الوجودي من خلال تعميق التساؤلات الحادة المباشرة : هل اليهود في المكان المناسب ؟ و هل الشخصية اليهودية قادرة على بناء وطن آمن ؟ .. بل عمقت حالة العري الأخلاقي للمشروع الصهيوني و أسقطت عنه القشرة الديموقراطية الزائفة و أبرزته من خلال الممارسة الميدانية السافرة لجيشه على أنه ما هو إلا امتداد للحملة الكولونيالية الاستعمارية و لكن بصيغة معدلة .

 

3. أعادت هاجس اليهودي التائه و المكروه و على نطاق واسع داخل فلسطين و خارجها خاصة بعد حملة الدرع الواقي ، و عززت مقولة أحد مدراء مركز هرتسل الصهيوني للأبحاث في حيفا البرفسور غلبر … : "إن (إسرائيل) هي البقعة الأقل أمناً لليهود في العالم و يسقط فيها العدد الأكبر من القتلى اليهود" .

 

و برغم هذا الإنجاز على كافة الأصعدة لماذا العجز عن استثمار إنجازات المقاومة فلسطينياً و عربياً مع أنها قدمت :

 

·  فرصة نادرة لمراجعة الأخطاء منذ كامب ديفد الأولى و حتى أوسلو و وادي عرفة ، حيث الجماهير العربية تصر على هذه المراجعة من خلال الشارع الثائر و النخب المنتقدة للمسيرة حتى المنخرطة في الطبقة السياسية العربية الرسمية .

 

·  و مع أنها تشكل خندقا دفاعيا حصينا في مواجهة الرغبة الأمريكية الجامحة لاجتياح العراق و من بعد ذلك إعادة رسم الإقليم جيوسياسياً بفرجار المصالح الأمريكية .

 

·  و مع أنها كشفت عجز خيار التسوية عن قدرته لتحصيل الحقوق العربية ، و أسفرت عن الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني الرافض لإعادة الحقوق العربية و الطامح بتطوير أهدافه الاستراتيجية المتناغمة مع مضامين العولمة الأمريكية من خلال طروحات على نسق الشرق أوسطية ..

 

و إزاء هذا المشهد السريالي الغامض .. أسئلة كثيرة تقفز في الذهن العربي .. لماذا يتهافت الرسميون في الأروقة الخلفية داعين لتحجيم المقاومة .. ؟ لماذا بوادر الخضوع لـ (الكاوبوي) الأمريكي المتغطرس المطالب برأسها ؟ و لماذا تفرط الدبلوماسية العربية بورقة ضغط هامة يمكن استثمارها سياسياً و تستجيب لقواعد اللعبة الأمريكية ؟ . 

 

هذه الأسئلة و غيرها تحتاج لإجابة من قبل منظريّ السياسة السريالية العربية الراهنة !! ..