استمرار المقاومة  يؤدي لتحولات تاريخية

 

 

 

 بقلم : إبراهيم أبو الهيجاء

 

لا  أمل لإنجاز أي حالة من  الهدوء مادام الاحتلال موجودا حقيقة يؤكدها أداء المقاومة  القادر  - رغم كل ما جرى- على ضرب الاحتلال في العمق ، بل  إن ثمة إجماعا عسكريا وسياسيا ونخبويا  صهيونيا على أن  عدم استغلال نتائج حملة  ما يسمى "السور الواقي" بشكل سياسي  فإن المقاومة الفلسطينية  قادرة على استعادة عافيتها وضرب الكيان من جديد ،  وهذه الحقيقة المثبتة - بداهة - تتأكد يوما بعد يوم ، وبرأينا أن الأداء المقاوم  أكد حضوره أسرع مما هو متوقع  لكثير من المراقبين ، و الاحتلال  الجديد المتسارع والمبادر في  الهجوم  والاقتحام والاعتقال  أصبح من السهل التكيف مع إجراءاته،  وكلما مر وقت إضافي   أصبحت الوضعية أفضل وانكشفت خطط  العدو، مما سيصّعب  كل ذلك الأمر  على  الاستخبارات الصهيونية  في جمع المعلومات وبالتالي التوصل إلى استنتاجات قريبة  كما كان  سابقا ، لأن حركة المقاومة -من قبل -كانت تمارس أو تمزج بين السرية والعلنية ،   ولكن الآن وبعد  أن يتحّصل لها لملمة جراحها وإتقان سريتها كما كانت إبان الاحتلال،  فإن أداءها حتما سيكون فاعلا ومباغتا وقويا ، وهذا ما أثبتته الأيام  - بالرغم من حقيقة  أن الضربات الموجهة  للمقاومة والفاعلين بها كانت دون شك قوية ومؤذية  إلا أن المقاومة لازالت تملك التقنية والوسيلة والإرادة  و الدافعية أيضا، وهذا ما سيبشر بخير على الدوام

 

 

 

(1)

 

 

 

"إسرائيل" إذا"  تحاول الآن   استغلال  نتائج الحملة العسكرية بشكل سياسي من خلال أمرين :

 

1-فرض إصلاحات  أمنية ووظيفية  في  أجهزة ونظم السلطة، أو تعليل  عدم الاستحقاق السياسي بسبب تأخر الإصلاحات

 

2-ممارسة  ضغوط  لدى الأميركان بواسطة أنظمة عربية  رسمية  لإيقاف عمليات العمق  تحديدا ،والتركيز على (حماس ) كونها الطرف الأفعل في ذلك ، مقابل وعود بمؤتمر إقليمي أو دولي يحمل في طياته أيضا  وعودا سياسية -أي وعود  على أمل وعود  - .

 

لكن ورطة شارون  الفعلية ، أنه  لا يملك إمكانية ليطرح  استحقاقا" سياسيا"  جّديا" أو ذا جدوى ، والأميركان  أيضا لا يستطيعون تسويق أو هام شارون حتى  النهاية ، والسلطة هي الأخرى لن تتمكن من قبول أو تسويق   أو هام سياسية  فارغة لا تعدو كونها وعود (أولا )ومفاوضات  عبثية ( ثانيا) ، وورطة شارون الكبرى أنه قام بأقسى ما لديه من قوة لسحق المقاومة  ولم ينجح بذلك ، وعندما  يحمّل "السلطة" التقصير في ملاحقة المقاومة  ،فإنه فعلا يثير السخرية ، لأنه (أولا) دخل مناطق السلطة وفعل  بها الأعاجيب  وأكثر مما يمكن لأي جهاز أمني أن يفعله ، (وثانيا) -وهذه حقيقة -أن "إسرائيل" هي المسئول الأمني الحالي و الفعلي عن الضفة .

 

 إذن"  إسرائيل" من جهة  لا تملك  عنوانا لتعلق  عليه الاتهامات بالتقصير ومن جهة ثانية المقاومة مستمرة  وبالعمق أيضا ، إذن تساؤلات الشارع الصهيوني - حتما  ستتسارع - عن  الجدوى الأمنية وحتى عن مبرر التكلفة الاقتصادية والتي سيدفع ثمنها مقابل الحماية المفقودة

 

 

 

(2)

 

 

 

ثمة كذبة كبيرة يروج لها عن تماسك وصلابة ذلك المجتمع الصهيوني، الذي فقد الأمن حتى في بيته ، وربما يدّعمون الأمر ببعض الإحصاءات الممنهجة لإثبات  تلك الحقيقة  أو لتعزية ذلك الشعب  وبث  بعض التماسك فيه ، والقضية عندنا ليست عاطفية أو هي محاولة  لتجزئة الحقائق  ،  بل  حتى الفزّاعة المروج لها عن تصاعد قوة اليمين  الصهيوني  مع  استمرار  العمليات ،هي الأخرى كذبة  أكبر  من أختها .

 

 ويثبت  كل ما نذهب إليه الحقائق التالية:-

 

1-تصاعد دعوات الفصل الأحادي ، وبدء "إسرائيل" الفعلي  في مخطط المناطق العازلة  ، صحيح أن  السبب أمني لكنه يحمل في ثناياه معنى الهروب وعدم  السيطرة أو القدرة على سحق أو إنهاء المقاومة، والتباينات في داخل تلك الدعوات  مع ظهور حركات لرافضي الخدمة أو أمهات الجنود  يؤكد ذلك

 

2-تسارع الجدل حول " الدولة الفلسطينية "، حتى لو كان   هدف ذلك   القيام بمناورة علاقات سياسية لليمين الصهيوني، إلا  أن  الأمر يحمل في ثناياه  التعبير عن حتمية الحل السياسي ، أو بلغة أخرى عجز الحل الأمني.

 

3-الاعترافات التي أدلى بها قادة رسميين عسكريين أو سياسيين صهاينة حول عدم إمكانية حل الصراع   بالوسائل العسكرية  ، مع توصيات  جلية تحث على ضرورة البدء بالبحث عن شكل سياسي  ، كل ذلك اعتراف  بحالة الضعف  "الإسرائيلية".

 

4-ارتفاع الأصوات "الإسرائيلية"عن ضرورة التدخل الخارجي أو الدولي -حتى لو كان  يحمل  في طياته  تكريس رقابة أو إشرافا أميركياً - إلا أنه عمليا دليل ضعف  يدلل على عدم إمكانية السيطرة .ا

 

يمكن أن نستدل مع مرور الزمن بالعشرات من الأمثلة والمؤشرات الدالة على مناحي الضعف  الخفية المتسّربة للنخبة الرسمية والثقافية  الصهيونية من خطورة استمرار المقاومة ، وتحديدا عمليات العمق ذات الخطر الوجودي  على دولة "إسرائيل" 

 

 

 

(3)

 

 

 

إذن  ميزة استمرار المقاومة وتحديدا العمليات العمق الاستشهادية  ، يعني ببساطة خسران "إسرائيل" لكل ما تبقى لها من  وسائل للضغط السياسي أو العسكري ، بل إن مبرراتها بإلقاء التهم  على الغير بالتدهور الأمني أصبحت مفقودة  ومثيرة للسخرية ولا يمكن تصديقها ، والمجتمع "الإسرائيلي" الذي أثارته أو داعبت رغبته بالانتقام استعراض القوة الأخير ،  بدا شعور النشوة  بسبه يزول بداية بعد معركة جنين  البطولية ، ومرورا بعمليات العمق  بحيفا وريشون ونتانيا ولن يكون أخيرا دون شك  الانتهاء بريشون  مرة أخرى ، فالمجتمع "الإسرائيلي" ، بدأ يطرح نفس التساؤلات والتخوفات ، وإن كان أحد يخالف هذه الحقيقة فليقل لنا  ما هو الدليل أو على ماذا يعول في التحليل ؟ ، فقد استنفذ شارون وسائله العسكرية التقليدية أو تلك المستحدثة،  وهو فعليا يسيطر عسكريا على الأرض التي تنطلق منها ذات المقاومة القديمة الجديدة المتجددة ، وعليه  ما الذي تبقى له ليقوله مجتمعة . ولكن   شارون الذي فشل في مشروعه الأمني ولا يملك في ذات الوقت العطاء السياسي الممكن، لم يتخل - بالطبع -عن غروره وهو الآن  يكابر  على الوقائع ، ويحاول الآن أن  يمارس  لعبة  جديدة  عنوانها) الإصلاح والمؤتمر الدولي و أحاديث الدولة الفلسطينية) على الصعيد السياسي ليؤمن لنفسه القليل من الوقت ، ويركز أيضا  على عمليات العمق بمساعدة عربية رسمية وبضغوط أمريكية ، لعل وعسى يستطيع من خلال  كسب الوقت والتخفيف من عمليات العمق أن تتوقف المقاومة وتفقد تدريجيا استحقاقها السياسي ، ويؤمّن  الأرضية التبريرية ليقولها لمجتمعة  الذي عقد الآمال الكبيرة على خطواته العسكرية   الأخيرة ، والتي  بدأت تفقد  بريقها وجدواها مع مرور الوقت ، ولذا جرى التعجيل في هذه الأيام  تحديدا بقدوم( تينيت وبيرنز) وربما بعد أسبوع( باول)  لتامين عملية التمرير السياسي ووضع أساس قانوني لحالة الخوف العربية الرسمية  المتوهمة ( كذبة ) أن شارون انتصر والمقاومة انكسرت .

 

 

 

(4)

 

 

 

عموماً التركيز الآن على عملية الإصلاح سبق الخوض به في (مقالتنا  السابقة )، وجدير الآن أن نتوقف على السيمفونية القديمة الجديدة حول العمليات الاستشهادية ، التي من جهة يحرّض دوليا عليها وكأنها رأس الإرهاب ،  وتحرص الأنظمة الرسمية العربية على تمريرها خدمة  أو خوفا من الأميران ( أولا ) وحرصا على ذواتهم  (ثانيا )، والأهم أن  الأحاديث حولها بدأت تغطى بتيريرات " المصلحة " وربما "الحكمة" و"الشجاعة" ،  وبرأينا أن كل ذلك  هو لإنقاذ شارون  من ورطته أولا و أخيرا ،ومحاولة بائسة لاستثمار النصر العسكري "الإسرائيلي"  ،ومنح فرصة للأميركان لكي يغسلوا أيديهم من الورطة الفلسطينية ، وتمرير  هزيل لعملية الإصلاح المدّعاة ، و التي هدفها  الأول والأخير  إقامة جهاز أمنى فاعل يوقف الانتفاضة،  و يشغل  الناس عن واجب المقاومة، والذين ينتظرون من المقاومة وقواها وعلى رأسها (حماس) أن توقف   عمليات العمق  وتلقي بما تبقى لها من سلاح واهمون لسببين  هامين:-

 

الأول : بات الجميع يعرف أهداف  السيناريو الأمريكي "الإسرائيلي"  ومحصلّته النهائية ،  والاختبار  لخلاف ذلك هو التزام "إسرائيل" بوقف الاعتداء ضد المدنيين الفلسطينيين مقابل وقف عمليات العمق ، فمن غير الوارد أن يجري  إلقاء سلاح  أو تأخير عمل أو تأجيله دون مقابل  يعود بالنفع  أولا على جموع الشعب وثانيا  على المقاومة ، وبما يضمن استمرارها ، وثالثا  وهو الأهم بما يحفظ  ثوابت الحركة ومنهجها الذي دفعت أثمانه  المئات من الشهداء والقادة  ولازالت 000

 

الثاني : لا يمكن الخوض في الحديث عن "إصلاح" بمعزل عن واقع الاحتلال، كما لا يمكن الحديث عن "إصلاح"  في ظل  شروط وأجواء أوسلو و اشتراطاته ودون معرفة الآليات والو سائل التي ستجري بها تلك العملية ، وضمان صحة مالها ، و إذا كان الأميركان  و الأوربيون جادون بالإصلاح فعليهم أن يرضوا  بنتائج الصلاح جدّي وجوهري ، وهذا ما لا يتمنونه دون شك ،لأنه سيؤدي إلى  استمرار المقاومة والتخلي عن شروط أوسلو وملاحقها الأمنية والسياسية ، واختيار قيادة من صلب المقاومة أو معبرة عن طموحاتها.

 

 

 

 

 

(5)

 

 

 

بعيدا عن الجدل بفرضيات "الإصلاح " وملهاة الانتخابات  وما يريده شارون  ويتصوره بوش لصالحنا وما يتحدث عنه كمصلحة فلسطينية – و كأنهم الأعرف بها أو الأحرص عليها - ، نعتقد أن ما يحدث هو المحاولات الأخيرة لوقف المقاومة من الإنجاز السياسي والتأثير مباشرة على مصير  (شارون )السياسي ، والمسألة باتت واضحة ووضوح الشمس ، فلا تغيير حقيقي  ولا حقيقة سوى مسالة واحدة

 

( لقد قطعنا شوطا مهما في المقاومة ومن المستحيل  أن يفرض على الشعب الفلسطيني ومقاومته شروط الهزيمة بأثواب أوسلو جديدة )، ومرور الوقت يؤكد حضور المقاومة ، وحضور المقاومة يعزز الأسئلة الوجودية لدى كل صهيوني ، وعمليات العمق تحديدا  هي الأفعال في تعجيل تلك الأسئلة وليس سواها ،  وعلينا إن لا نقع اليوم في المصيدة فنؤمن مثلا أن ( شارون  أو بوش ) قادر على إعطائنا  حلول سياسية  مرضية  ليس لاتجاه بعينيه بل لأي فلسطيني  لديه القليل من الحس الوطني ، ولا ندري ما الذي يحمل المستوى الرسمي الفلسطيني على تحمل   غضب الشعب الفلسطيني  و الأميركان معا؟  ،مع أن أضعف الأيمان  أن  يقولوا للأميركان  ( إنهم  لا يسيطرون  على الأرض  كما هو حاصل فعليا ، وليتركوا لمفاعيل المقاومة الاستشهادية  لتجبر "إسرائيل"  على التراجع استراتيجيا  عن منطق الاحتلال   دون تشويش إنهم أرادوا أن لا يكونوا جزء منها،   فالاحتلال  يجب أن يذعن  لحقيقة  مكنونة في نفوسنا  وهي من قبل جزء من إيماننا (أننا شعب لن نسلم لمحتل بشير على هذه الأرض)، وليستفد بعدها من شاء سياسيا من مفاعيل المقاومة ، ونرى أن أي وقف لمفاعليها في هذا الوقت إضاعة لفرصة تاريخية  واستراتيجية، قادرة أن  تؤكد  لكل "إسرائيلي"  أن الاحتلال وبقائه يهدد كل واحد فيهم ، وأن إجراءات (شارون) الأمنية ارتدت  سلبا  عليهم ، بل وزادت من دافعية الاستشهاد  عندنا ، فالمقاومة  قامت من بين الأنقاض وتكيفّت -إلى حد ما- مع الظروف الجديدة  وانتصرت على المنطق الأمني الشاروني ، وأي وقف لها اليوم  هو تماما خطا استراتيجي وقرار أحمق  ،  ولا يجب أن نكرر أخطاء التاريخ ولا نتعظ منه ، والتاريخ - لمن لا يدري- لا يرحم  وهو ذاكرة جيدة  جداً .