حرب العراق مؤجلة

بقلم: عبدالوهاب بدرخان

 

عندما يتعلق الأمر بحياة الجنود الاميركيين يمكن التيقن بأن البنتاغون يفكر بطريقة صحيحة، حتي لو توصل الي نتيجة لا تعجب السياسيين المتعسكرين الذين يديرون شؤون الدفاع . هذا ما يستنتج من  تأجيل خطة الهجوم علي العراق، اذا لم تكن أخبار التأجيل المسرّبة الي الاعلام مجرد تمويه.

في الواقع نجح منطق اعطاء الفرصة في جعل الادارة الاميركية تتمهل أولاً في سيرها نحو حل عسكري للملف العراقي، وتتأني ثانياً في درس تعقيدات المسألة المطروحة، وتستمع ثالثاً الي الأطراف  الأخري التي يفترض ان تكون شريكة مباشرة أو غير مباشرة في المغامرة. أين ذهبت ادعاءات متطرفي الادارة أمثال بول وولفوفيتز بأن الولايات المتحدة تستطيع ان تخوض أي حرب وحدها ومن  دون حلفاء؟ لا شك ان القدرة العسكرية متوافرة، وبالطبع هناك دائماً بريطانيا وكندا واستراليا واسرائيل كشركاء طبيعيين وممتثلين للأوامر، لكن الاميركيين لا يرغبون في الذهاب الي أي حرب، أو الي  أي مهمة عسكرية، إلا إذا ضمنوا مسبقاً انها أقرب ما تكون الي النزهة، فإذا لم يتوافر هذا الضمان تصبح الحرب خياراً لا لزوم له.

أعداد كبيرة من المسؤولين الاميركيين أجرت علي مدي شهور تقويماً تلو تقويم للموقف الدولي من ضرب العراق، وشارك نائب الرئيس ديك تشيني المتحمس للحرب في هذا السعي، وتوصل الجميع الي  خلاصتين: في اسوأ الاحوال لا أحد يؤيد هذه الحرب، وفي أفضل الأحوال لا أحد يعترض أو يعرقل الخطط الاميركية اذا حسمت واشنطن أمرها وذهبت الي الحرب. لم يسمع المسؤولون  الاميركيون في أي عاصمة دفاعاً عن النظام العراقي ولم يلمسوا تمسكاً به لذاته أو لأنه الأصلح للعراق والعراقيين، لكنهم مع ذلك لم يجدوا أطرافاً متحمسة لفكرة الدخول الي البلد لتغيير النظام.

هل التأجيل فرصة لنظام صدام حسين، ومن أجل ماذا تحديداً؟ اذا كان الهدف المعلن هو اطاحة هذا النظام ورئيسه فلا يعقل ان تكون الفرصة المعطاة له هي لكي يطيح نفسه بنفسه، فهو لن يفعل علي  رغم الافكار المنثورة هنا وهناك عن احتمال تخلي صدام لمصلحة نجله قصي وغير ذلك من السيناريوات. اذاً، هل هناك رهان ما يمكن الاعتماد عليه من خلال تنفيذ صارم ودقيق وشفاف للقرارات  الدولية؟ سيلعب النظام هذه الورقة من قبيل شراء الوقت واستبعاد الخطر. ومن المتوقع ان يتوصل الي اتفاق مع الأمانة العامة للامم المتحدة علي عودة المفتشين الدوليين، لكن احتمال الصدام بين بغداد  والمفتشين وارد جداً، ليس لأن هؤلاء جواسيس بالضرورة وانما لأنهم مضطرون للعمل وفقاً لمعطيات استخبارية ساهم الاميركيون والاسرائيليون وسواهم في جعل امكان حسم ملف الأسلحة المحظورة  مجرد استحالة لا نهاية لها. ذلك ان نظام التفتيش بني أصلاً علي اساس ان يستمر طويلاً أو ان يحقق الهدف المرسوم له: فاستمراره من دون جدول زمني لختامه يعطي الوقت وقد يوفر الفرص  لاسقاط النظام. أما تحقيقه هدفه، أي بإنهاء أي اثر لسلاح محظور في العراق، فيعني ان النظام قد جرّد من عناصر قوته ووجوده.

مثل هذا الاشكال في قضية التفتيش لا يزال مطروحاً، فلن يأتي اليوم الذي تقدم فيه لجنة المفتشين تقريراً نهائياً عن مهمتها يفيد بأن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل علي أنواعها. وطالما ان  المفتشين لن يعثروا علي ما في اللوائح الاستخبارية ليصار الي تدميره والتخلص منه، فإن الشك يحول دون اي حسم. ولا يتوقع من نظام بغداد ان يكون مقنعاً الي حد يبدد الشكوك، خصوصاً انه سبق  ان اعطي بنفسه مؤشرات الي امتلاكه أسلحة كيماوية - علي سبيل المثال - استخدمها ضد مواطنيه الاكراد.

في أي حال، يبدو ان هذه الاسلحة لعبت دوراً حاسماً في تأجيل البنتاغون لمشاريعه العسكرية ضد العراق ونظامه. اذ انها تركت في الخطط الحربية هامش مخاطر كبيراً. فمثل هذه الحرب قد تكون  الأولي التي يمكن لأحد طرفيها ان يستخدم أسلحة كيماوية وبيولوجية بشكل واسع، لأنه لن يسمح باسقاطه مجاناً وبسهولة. واذا صح مثل هذا الاحتمال فإن الطرف الآخر مضطر لأن يقرر مسبقاً:  هل يرد بأسلحة مماثلة؟! هل يسمح أصلاً بوصول الوضع الي هذا الاحتمال الخطير؟

في مناسبة خمسينية الجلوس علي العرش للملكة اليزابيث الثانية أعاد التلفزيون عرض مشاهد من لقاءاتها مع مسؤولين كبار في العالم، ومنها مشهد للقائها مع وزير الخارجية الاميركي السابق جيمس بيكر  في حضور رئيس الوزراء البريطاني السابق ادوارد هيث. في الحوار المسجل أصرّ هيث علي رأيه: الحوار مع صدام حسين وجهاً لوجه أفضل من محاربته. وشرح بيكر انه خلال الحوار مع  العراقيين قبيل الحرب عرض لهم كل ما سيواجهونه اذا لم ينسحبوا من الكويت طوعاً. وقال هيث: لو قابلته (صدام) وجهاً لوجه لكنت توصلت الي نتيجة أفضل. وتدخلت الملكة مستهجنة:  كيف تريده (بيكر) ان يذهب لمقابلته، غير معقول... عندما دار هذا الحديث قبل عقد من الزمن كان مستهجناً التفكير في حوار اميركي - عراقي، وهو لا يزال مستبعداً، لكنه اذا حصل  بمعطيات اليوم وبمفاهيم اليوم فإنه قد يعطي نتائج لا تحلم بها أي حملة عسكرية.