محنة مروان
البرغوثي
تجسيد لازمة
معسكر السلام
العربي
بقلم : د.
عبدالوهاب
الافندي
علي غرار
مسؤولين
اخرين كثر في
القيادة الفلسطينية،
فان مروان
البرغوثي
امين سر حركة
فتح واحد ابرز
قيادييها قد
اصبح بطلا رغم
انفه. ذلك ان
قيادات منظمة التحرير
لم تحضر الي
غزة واريحا في
عام 1994 لقيادة
مقاومة سلمية
او مسلحة ضد
اسرائيل،
وانما لتطبيق
اتفاق اوسلو
الذي يدعو نصا
وروحا الي ان
تكون السلطة
عبارة عن جهاز
شرطة تابع
لاسرائيل. وقد
كانت الفكرة
ان تكون هذه خطوة
مرحلية يتم
فيها ضبط
المجتمع
الفلسطيني وايقاف
كل اوجه
النشاط
المناهض
للاحتلال، مما
يطمئن
المجتمع
الاسرائيلي
ويعطي بذلك الفرصة
لانجاح الحل
النهائي ،
وحسم
الخلافات حول
الاراضي
والحدود
واللاجئين
والقدس وغيرها،
بمعني اخر
كانت هناك
نظرة مفادها
ان تقديم هذه
الخدمة
المرحلية
للاحتلال هي
الخطوة
الاولي حول
انهائه.
هذه النظرة
المتفائلة
التي سادت
معظم الاوساط
الرسمية وشبه
الرسمية
الفلسطينية
كانت تقوم علي
مفهوم يري ان
الصراع
العربي ـ
الاسرائيلي
قد انتهي، وقد
ساهم في هذا
الفهم ما اصاب
العالم
العربي من
زلازل جراء
غزو الكويت في
اب (اغسطس) عام 1990
وانهيار
الاتحاد السوفييتي
في العالم
التالي. الحرب
حول الكويت قسمت
العرب الي
قسمين احدهما
اصبح يري
اسرائيل اقرب
اليه من
المعسكر
العربي
المخالف، واسقطت
محرمات
كثيرة، وجعلت
الولايات
المتحدة عضو
شرف في
الجامعة
العربية،
وكنتيجة لهذه
التحولات
انهارت ارادة
المواجهة
العربية، او
بالاحري
انهار ما بقي
منها بعد
كارثة يونيو 1967
وطامة كامب
ديفيد.
وكتبرير لهذا
الواقع المرير
سقط البعض في
دائرة الوهم،
وروج المروجون
لاحلام
مفادها انه لو
تحول العرب
الي الاعتدال
واسقطوا من
مطالبهم كل ما
تفوح منه رائحة
التشدد، فان
اسرائيل
ستكون سخية في
التنازلات،
كما ان امريكا
لن تسلم
حلفاءها العرب
ولن تظلمهم.
وفي انتظار
السلام
الموعود الذي
اصبح عند الكثيرين
واقعا شهدنا
ما سمي بـ
الهرولة تجاه
التطبيع مع
اسرائيل،
وتسابق
المتسابقون
علي اقامة
العلاقات
وفتح الابواب
وما دونها،
وتصرفوا كما
لو كانت
اسرائيل قد
فكت اسر
الفلسطينيين،
واعادت لهم ما
بقي من ارضهم،
وتركت القدس
العربية
للعرب واعطت
اللاجئين حتي
رضوا. بل تحرك
البعض لتغيير
المناهج الدراسية
وتنقيحها من
كل ما ينغص
علي عدو
الامس، ولي
اليوم.
وفي السلطة
الفلسطينية
دعا الداعون
بالويل
والثبور علي
معارضي اتفاق
اوسلو وكل من
دعا الي
استمرار
المقاومة،
وقد وصم هؤلاء
بالخيانة
والضرر
بالمصلحة
الوطنية، وسجنوا
وعذبوا
وقتلوا
وطوردوا، وقد
كانت الاجهزة
الامنية في
السلطة اكثر
فروعها،
نشاطا، وافضلها
تمويلا،
وكانت السجون
اكثر من المستشفيات
والجامعات،
وعدد رجال
الشرطة اضعاف
الاطباء واكثر
من المعلمين
والمعلمات.
اما السياسيون،
وعلي رأسهم
البرغوثي
وصحبه، فقد
طوروا خطابا
يروج لفضائل
اوسلو، ويسفه
رأي كل من
يعارضها،
ويبرر لما
تعرض له الشعب
الفلسطيني من
قمع علي ايدي
السلطة بشتي
الحجج.
ولكن السلطة
ومن وراءها من
العرب اسقط في
يدهم حينما
تكشف ان اسرائيل
لم تكن تنوي
قط الاستجابة
للحد الادني
من المطالب
العربية ولا
ما دونه
بكثير، بل ان
اسرائيل بعد
مقتل صاحب
اتفاق اوسلو
اسحاق رابين
ووصول
بنيامين
نتنياهو
للسلطة في عام
1996 تراجعت حتي
عن الاتفاقات
المرحلية التي
قبلت بموجبها
ان تتخلي عن
بعض الاراضي
للسلطة،
واصبح واضحا
ان ما كان
يطالب به
العرب من انهاء
للاحتلال ولو
علي جزء صغير
من الارض الفلسطينية
اصبح بعيد
المنال.
وفي الحقيقة
فان تراجعات
نتنياهو ومن
بعده باراك عن
اضعف
الايمان، وهو
حفظ ماء الوجه
للسلطة
ومؤيدي اتفاق
اوسلو لم يكن
هو، كما يروج
الكثيرون، هو
القشة التي
قصمت ظهر بعير
السلام
فالمشكلة كانت
كامنة في
اتفاق اوسلو
نفسه، الذي
يضع العربة
امام الحصان،
ويحتم علي
العرب الدفاع
غير المشروط
عن الاحتلال
والوضع
القائم دون
اعطاء اي
ضمانات
لنتائج
نهائية تحقق
الطموح. من هنا
فان اسرائيل
علي حق في
اتهامها
السلطة بالاخلال
بتعهداتها
تجاه امن
اسرائيل، حين
سمحت
للانتفاضة
بان تستمر،
ولم تقم
باللازم تجاه
قمع
الانتفاضة
وكل صنوف
المقاومة، بل
ساهمت في دعم
واذكاء
المقاومة.
فاتفاقيات
اوسلو، علي
خلاف
اتفاقيات
كامب ديفيد
ووادي عربة، لا
تربط
التعهدات
لاسرائيل بأي
التزامات
محددة من قبل
الاخيرة. فتلك
الاتفاقيات،
علي اجحافها،
ربطت السلام
مع اسرائيل
باخلاء
الاراضي المحتلة
وتصفية
الخلافات
الثنائية.
اما
اتفاقيات
اوسلو فهي
تلزم السلطة
بالدفاع عن
امن اسرائيل
بدون شروط
يمكن التثبت
من الالتزام
بها.
وهذا يشير
الي نقطة
الخلل
الرئيسية في
السلام
المزعوم مع
اسرائيل،
فالسلام
الطوعي بين طرفين
متحاربين، او
بين قوة
مستعمرة وشعب
مغلوب لا يكون
له معني ما لم
تتم تصفية
الخلافات والالتزام
بازالة اسباب
الحرب، سواء
اكانت احتلالاً
أو غيره.
وعليه فان
التزام اي طرف
بالدفاع عن
مصالح الطرف
الآخر وامنه
ضد معارضي السلام
يكون مبنيا
علي اساس ان
كل اسباب
النزاع
والخلاف
زالت، او سويت
الي حد كبير.
اما اذا كان
احد الطرفين
يتمسك
بالمكاسب
التي ادت الي
الحرب في
المقام الاول
فان السلام
المزعوم يكون
في حقيقته
استمرار
الحرب مع
انتقال طرف
محارب الي
معسكر العدو.
فليس من
المعقول مثلا
ان يعقد
معارضو
النظام
العنصري في
جنوب افريقيا
اتفاقا مع
الحكومة
العنصرية
يدعمون بموجبه
نظام الفصل
العنصري
مقابل وعود
براقة باصلاحات
قادمة،
وبالمثل لم
يكن ممكنا ان
تتعاقد بعض
اطراف
المقاومة
للاستثمار مع
السلطة الاستعمارية
لادامة
الاستعمار
مقابل وعد مستقبلي
بالتحرير. ومن
يفعل هذا فانه
يكون شريكا
للاستعمار في
حربه ضد
الشعب، كما
حدث مع حكومة
موزريو في
روديسيا وحزب
اثكاتا في
جنوب افريقيا،
او مع روابط
القري في
فلسطين نفسها.
السلطة
الفلسطينية
اكتشفت ما كان
ظاهرا للعيان
منذ ايام
اوسلو
الاولي، ان
اسرائيل تريد
السلطة رابطة
قرية وطنية
وهو دور
استنكف منه الجميع،
ولهذا جعلوا
شعار
الانتفاضة
انتفاضة حتي
التحرير بعد
ان ادركوا
متأخرين ان اي
التزام بأمن
اسرائيل بدون
انهاء
الاحتلال
سيخلق
تناقضات غير
محتملة.
السلام مع
القوي المستعمرة
يكون في غاية
الصعوبة في
افضل الحالات
اذ من الصعب
علي الشعوب
التي تعرضت
للقمع والاذلال
التصالح مع من
اهان كرامتها
وسلب حقوقها، ولكن
الجروح تندمل
بعد مرور
الوقت، وبعد
اعتراف
الجاني بذنبه.
الاشكال في
الحالة
الاسرائيلية
هو ان القوة المعتدية
تريد السلام
بدون التوقف
عن العدوان،
ومع
الاستمرار في
ارتكاب
الجرائم
والموبقات،
ليس هذا فحسب،
بل هي تريد من
ضحاياها
الاعتذار لها
والتسليم
بأنهم اجرموا
في حق الغاصب
حين طالبوه
بارجاع الحق الي
اهله، وعلي
خلاف ما هو
معهود ومطلوب
من صفقات
تصفية
الاستعمار،
لا تعرض
اسرائيل الانسحاب
حتي من جزء من
الاراضي
المحتلة، وهي
تصر علي ان
تكون الدولة
الفلسطينية
المنتظرة في قبضتها
بدون سيادة او
حرية وبدلا من
الافراج عن
الاسري في
سجون
اسرائيل،
ومعاملتهم
كما ينبغي
كأبطال،
مثلما كان
الحال مع
مانديلا وغوشمال
وغيرهما من
ابطال
التحرير، فان
اسرائيل تصر
علي ملء
سجونها بالاف
من الاسري
الجدد.
من هنا فان
محنة
البرغوثي وهو
قائد سياسي
سجين لمواقفه
وآرائه التي
يشاركه فيها
كل الفلسطينيين
وكل العرب،
تجسد بحق محنة
العرب وما يسمي
بالمسيرة
السلمية، فها
هو مسؤول
فلسطيني كبير
يتمتع
بالحصانة حسب
اتفاق اوسلو
وتحميه المواثيق
الدولية
ومباديء حقوق
الانسان، يتعرض
للسجن
والتعذيب كما
لو كان مجرما
خطيرا دون ان
تجرؤ السلطة
التي ينتمي
اليها، او الحكومات
العربية علي
الدفاع عنه
والمطالبة برفع
اليد عن حريته
وكرامته.
السلطة ومن
وراءها في
ازمة لأنهم لا
يريدون الاعتراف
بان الشعب الفلسطيني
والشعوب
العربية كلها
في حالة حرب مع
اسرائيل ما
دام احتلالها
قائما، وما
دام العرب لا
يعرفون بهذا
الاحتلال،
واذا كان الامر
كذلك فان كل
اسري
المقاومة
المشروعة ضد
الاحتلال
يعتبرون اسري
حرب يجب ان
يعاملوا بموجب
اتفاقية جنيف
وغيرها، وان
يعاملوا
بكرامة الي ان
يتم اطلاق
سراحهم بدون
قيد او شرط
بعد انتهاء
الحرب.
البرغوثي
ضحية وضع ساهم
هو للأسف الي
حد كبير في
تكريسه،
ولكنه لا
يتحمل
المسؤولية
كاملة فيه،
العرب جميعا
وجدوا انفسهم
في محنة مبعثها
عجز وفساد
القيادات فهم
في عجز تام عن
التصدي
للعدوان
الاسرائيلي
وهم في نفس
الوقت عاجزون
عن التسليم
بواقع
الهزيمة واعلان
الاستسلام
الكامل
والتنازل عن
كل الحقوق.
وبينما تقف
الغالبية
دولا وشعوبا
متفرجة او
منتظرة بفرح،
فان هذا الوضع
الشاذ قد خلق
استقطابا بين
المهرولين
لاستثمار
الحرب وجني
ثمارها، سواء
اكان هؤلاء
افرادا
اصبحوا عملاء
لاسرائيل او
دولا وقعت
وطبعت وقبضت،
وبين دعاة
المقاومة
ومعسكرها
الذي يزد اد
انكماشا كل
يوم. وهناك
جدلية بين
الاثنين،
فكلما ازدادت
المقاومة
شراسة، كلما
ارتفع الثمن
الذي يتقاضاه
الاخرون.
الاستقطاب
نفسه تشهده
الساحة
الفلسطينية ففي
مقابل
البرغوثي
ومهجري كنيسة
القيامة
وضحايا جنين
والخمسة الاف
اسير جديد،
هناك آخرون
يسكنون
القصور
ويتمتعون بالحراسة
والسيارات
الفارهة من
عائدات صفقة
اوسلو. ولا شك
ان
الميزانيات
المخصصة
لهؤلاء سترتفع
بل ان بعضهم
يحلم بأن يصبح
الرئيس الجديد
لرابطة القري
الوطنية
الفلسطينية،
ولا شك ان هؤلاء
يحمدون الله
علي المقاومة
وحماس والجهاد،
فبدونها ما
كانوا
ليحصلوا حتي
علي ما اعطتهم
اوسلو، اما
بالنسبة
للغالبية في
فلسطين فان ما
جري يدعو الي
مراجعة شاملة
للمسيرة فاما
استسلام
وركوع كامل
حفظا لما تبقي
واما مواجهة
شاملة تكون
التضحيات
فيها متساوية.
اما الوضع
الذي تتاجر
فيه القلة
بتضحيات
الكثرة فهو
غير محتمل،
وهو مدخل
للتدمير
الذاتي للمجتمع
عبر تنامي
الفساد
والحرب
الاهلية،
وليكن الله في
عون البرغوثي
الذي ذهب
للمواجهة حتي
يسمح لبعض
المسؤولين
بالسفر.