العراق.. والتهديدات الأمريكية

 

بقلم : د. محمد صالح المسفر

 

الرئيس جورج بوش الابن لم يكل ولم يمل من ترديد تهديداته ـ عند كل محطة تحط فيها طائرته أو علي كل منصة خطابية يقف عليها ـ للعراق الشقيق شعبا وحكومة وحضارة وفي كل مرة يقف زعيم دولة الاستكبار العالمي أمام عدسات التلفزة يعلن بأنه يجب الإطاحة بزعيم النظام السياسي في بغداد، ثم يتبعه الثالوث الرهيب، نائبه ووزير دفاعه ومستشارته للأمن القومي يعزفون نفس النغمة التهديد والوعيد بإسقاط النظام في بغداد وإلحاق الأذي بالشعب العراقي الشقيق.

إن ثقافة الثالوث الرهيب وزعيمهم عن المنطقة تكاد تكون محصورة في شؤون أسعار البترول وكمية إنتاجه وذلك بحكم المهنة، وأيضا تنحصر معرفتهم عن جغرافية المنطقة العربية وحضارتها الإنسانية بوجود الدولة العبرية التي تتماثل مع الولايات المتحدة الأمريكية في النشأة والتكوين. لقد استطاعت الولايات المتحدة أن تراكم ثروة من كل مآسي الشعوب في العالم منذ طرد وذبح الهنود الحمر إلي استغلال عمالة العبيد السود، إلي الدخول محل إنكلترا في أمريكا الجنوبية وأسبانيا في جزر الكرائب، وهكذا يفعل الصهاينة يراكمون ثروة وهيمنة منذ احتلال فلسطين عام 1948 وهم اليوم وعن طريق الدعم المالي والسياسي اللامحدود من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن ابتزاز بعض الدول الغربية مثل ألمانيا ثم عن طريق استغلال العمالة الفلسطينية بأقل الأجور بعد حرب عام 1967 وقد تحقق لها بعد رفع المقاطعة العربية اختراق أسواق الكثير من الدول العربية ودول منظمة المؤتمر الإسلامي.

ما اريد قوله إن الزعيم وثالوثه الرهيب لو كان لديهم الحد الأدني من الثقافة عن المنطقة العربية لأدركوا بأن التهديد والوعيد واتباع سياسة التخويف لأي نظام سياسي عربي من الخارج بالإطاحة أو الإزاحة في هذا الجزء من العالم أمر لن يتحقق حتي في ظل معارضة سياسية لهذا النظام أو ذاك.

والحق ان الشعب العراقي الشقيق كلما تكاثرت التهديدات ضده وضد مؤسساته من أي جهة كانت كلما ازداد تماسكا وتضامنا مع قيادته. النظام السياسي في بغداد كغيره من الأنظمة العربية له أنصار ومؤيدون كما له أعداء ومعارضون لكن في حالة الشدائد وتهديد الأوطان سرعان ما تنسي الخلافات وتتوحد الجبهة الداخلية ضد أي عدو خارجي لكن علي هذه الحالة استثناء واحد هو بقاء العملاء خارج إطار الجبهة المتحدة ولن يجدوا مكانا يأويهم من غضبة الشعب عندما يأتي يوم الحساب.

السياسة التي تتبعها إدارة بوش الابن في منطقة الشرق الأوسط تؤجج الكراهية للولايات المتحدة الأمريكية عند العامة والخاصة ومحاولة دغدغة مشاعر العرب عامة والفلسطينيين خاصة بإقامة دولة فلسطينية في المستقبل المنظور لن تغير من درجة الكراهية لسبب في غاية البساطة إن دولة الكيان الصهيوني تحظي بالحماية والرعاية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت نفسه يتعرض الشعب الفلسطيني لأبشع أنواع الإرهاب علي يدي جيش المنظمة الصهيونية المسلح تسليحا أمريكيا ليس ذلك فحسب بل إن عددا من الدول العربية الأخري مثل الجماهيرية الليبية والسودان والجمهورية العربية السورية ولبنان تخضع لابتزاز سياسي ناهيك عن العراق الشقيق الذي يتعرض لأبشع أطول حصار في التاريخ ذهب ضحيته ما يزيد عن مليون ونصف من البشر.

في منتصف الأسبوع الماضي خرج بوش الأبن في جولة أوروبية كانت البداية برلين في ألمانيا وقد استقبل بمظاهرات شعبية صاخبة احتجاجا علي زيارته لألمانيا كما كانت احتجاجا علي سياسة أمريكا الاقتصادية وفرض الهيمنة علي شعوب وحكومات العالم، لكن تلك الاحتجاجات لم تثن الرئيس بوش من شن هجوم عنيف علي بغداد وقال انه لا يحتاج الي تفويض من الأمم المتحدة لشن هجوم عسكري علي العراق أو حتي اي دولة اخري اشارة الي الدول في المنطقه التي توجد بها قواعد عسكرية امريكية او تسهيلات عسكرية، كما استقبل بمظاهرات اشد عنفا في موسكو ومن المتوقع أن يستقبل بمزيد من المظاهرات الاحتجاجية في كل عاصمة يحط بها.

اليس ذلك استفتاء علي رفض السياسات الأمريكية علي مستوي العالم؟ هل يمكن ان يقوم في عالمنا العربي مبادرات رفض للهيمنة الأمريكية كما قمنا بمبادرات سلام مع الكيان الصهيوني في الثانية فشلنا والكاتب علي يقين بأننا سننجح في المبادرة الأولي. دعوة صادقة بأنه حان الوقت الذي يجب أن نرد لهذه الأمة اعتبارها، تكون نقطة البدء رفع الحصار عن العراق الشقيق من طرف واحد، واتخاذ موقف عربي واضح وحاسم من أن أي اعتداء علي العراق هو اعتداء علي الأمة العربية.