باكستان ..
هل تتحول إلى
أفغانستان
أخرى؟
بقلم : محمد
سعد الدين
هل تـهدف
واشنطن
لتحويل
باكستان إلي
أفغانستان
أخرى؟؟ سؤال
بدأ يتردد
كثيرًا في
الآونة الأخيرة
خاصة بعدما
زعمت واشنطن
وجود قوات تابعة
للقاعدة
وتنظيم
طالبان في
أراضيها؛ ومن
ثم فهي ترغب
في مطاردة هذه
القوات .. وهو
الأمر الذي من
شأنه إثارة
القلاقل في
باكستان خاصة
لدى القوى
الإسلامية
التي كانت
تعارض بشدة وجود
قوات أمريكية
في أفغانستان
من ناحية، وقيام
مشرف بتقديم
الدعم للقوات
الأمريكية من
ناحية ثانية ..
بل أصدرت فتوى
بمشروعية
الجهاد
ضد القوات
الأمريكية؛
لذا فإن واشنطن
بـهذه
الطريقة وهذه
التهديدات
تحاول أن تضع النظام
الباكستاني
في مأزق جديد،
خاصة بعد
المأزق الأول
قبيل شن
الهجمة العسكرية
ضد
أفغانستان،
إذ كان على
مشرف الاختيار
بين تأييد واشنطن
أو الاستجابة
للرأي العام
الداخلي خاصة
من قبل القوى
الإسلامية
التي كانت
تعارض مبدأ
الهجوم
العسكري ضد
طالبان.
كما أن موقف
واشنطن بشأن
عدم الاعتراض
على نتيجة
الاستفتاء
الذي قام به
مشرف الشهر
الماضي والذي
سيسمح له
بالبقاء في
الحكم خمس
سنوات يطرح
بدوره تساؤلاً
عن أسباب عدم
الاعتراض
الأمريكي خاصة
وأن واشنطن
كانت تعترض
على مشرف منذ
قيامه بالانقلاب
العسكري عام
1999؟ .. وهل معنى
ذلك أن واشنطن
تكرس مبدأ
الانقلاب
العسكري
كوسيلة للوصول
إلى الحكم ما
دام قادة
الانقلاب
سيستجيبون
لمطالبها؟؟ ..
وهل يشبه وضع
مشرف الحالي
وضع حامد
كرزاي في
أفغانستان
الذي ساهمت في
فرضه على
أفغانستان؟
أهداف
واشنطن:
تـهدف
واشنطن إلى
محاولة إضعاف
النظام الباكستاني
من أجل ضمان
انصياعه لها
على طول الخط كما
تـهدف أيضًا
إلي إحداث نوع
من القلاقل سواء
فيما يتعلق
بالوضع داخل
باكستان أو
الوضع الخارجي..
خاصة فيما
يتعلق
بعلاقات
إسلام أباد مع
الهند؛ ولعل
ما يدفع
واشنطن
لإعطاء مزيد
من الاهتمام
إلى باكستان
هو امتلاك
الأخيرة للقنبلة
النووية؛ ومن
ثم فهي الدولة
الإسلامية
الوحيدة التي
تمتلك سلاحًا
نوويًا .. لذا
فهي تسعى
دائما - أي
واشنطن - إلى
إيجاد نظام ضعيف
يدين لها
بالولاء،
وتحاول بكل
السبل منع
القوى
الإسلامية من
الوصول إلي
الحكم في هذا
البلد شديد
التدين .. لذا
لا غرابة
مثلاً في أن
تـهدد واشنطن
بتدمير
المفاعلات
النووية في
باكستان - على
غرار ما فعلت
إسرائيل مع
العراق أوائل
الثمانينات -
في حالة عدم
وقوف باكستان
معها في
حربـها ضد
أفغانستان.
لقد شكل العامل
النووي
دائمًا أداة تخوف
لدى واشنطن
ومن ورائها
العدو
الصهيوني الذي
يقع في مرمى
الصواريخ
النووية الباكستانية،
ومن هنا يمكن
فهم حساسية
واشنطن في
التعامل مع
باكستان
ومحاولة
الحيلولة دون
تطوير
باكستان
لبرنامجها
النووي .. ولعل
هذا يفسر
أسباب ضغط
واشنطن على
مشرف من أجل
إقالة
الجنرال عبد
القادر خان
الملقب بـ
"أبو القنبلة
النووية" من
منصب رئيس
المخابرات
النووية في
مارس 2001،
وبالفعل استجاب
مشرف للضغوط
الأمريكية!!
محاولة
استيعاب مشرف:
لكي تضمن
واشنطن
انصياع مشرف
لها اتبعت في
ذلك عدة وسائل
لعل من أهمها:
1 - اتباع
سياسية العصا
والجزرة ..
فمنذ وصوله للحكم
عقب الانقلاب
العسكري الذي
قام به في أكتوبر
1999 وواشنطن
تطعن في شرعية
نظام مشرف،
وعملت بشتى
السبل - رافعة
في ذلك مبادئ
الديمقراطية
وحقوق
الإنسان - على
مطالبته
بتحديد موعد
محدد للتحول
الديمقراطي
وإجراء
انتخابات حرة
ونزيهة.
ولعل هذه
النقطة ساهمت
في إضعاف
التأييد ليس الداخلي
فقط وإنما
الخارجي
أيضاً لمشرف
الذي حاول
اتباع سياسة
التسويف فيما
يتعلق بعملية
التحول
الديمقراطي ..
ولقد كانت
أحداث الحادي
عشر من سبتمبر
بمثابة
الفارقة في
العلاقات
الأمريكية
الباكستانية
فإما أن تتجه
العلاقة إلى
مزيد من التدهور؛
وإما أن يحدث
نوع من
التقارب.
فبالنسبة
لواشنطن رفعت
شعار من ليس
معنا فهو علينا،
وهذا الوضع
ينطبق بصورة
أخص على باكستان
على اعتبار
أنـها تجاور
أفغانستان
وتشاركها في
حدود طويلة
تزيد عن ألف
كيلو متر من
ناحية، كما أن
طالبان تحظى
بدعم باكستان
بل إنـها خرجت
من رحمها من
ناحية ثانية.
وكانت
واشنطن تناور
بعدة وسائل
تجمع بين الترغيب
والترهيب،
فقد هددت بعدم
رفع العقوبات عن
باكستان التي
فرضتها عليها
بعد التفجيرات
النووية عام 1998 في
مقابل رفعها
عن جارتـها
اللدود الهند
التي عرضت
مساعدتـها في
أي عملية
عسكرية في
أفغانستان ..
كما هددت بوضع
إسلام أباد
ضمن قائمة الدول
الراعية
للإرهاب في
العالم .. ومن
ناحية ثالثة
هددت بضرب
المفاعلات
النووية
الباكستانية
.. وفي المقابل
عملت واشنطن
على التلويح
بأسلوب الدعم
الاقتصادي
لحكومة مشرف
من أجل إصلاح
الوضع
الاقتصادي
المتدهور في
البلاد
والمتمثل في ارتفاع
حجم الديون الداخلية
إلى 70 مليار
دولار،
والخارجية
إلى 37 مليار
دولار،
وتراجع دخل
الفرد ليصبح 450
دولار فقط
سنويًا .
كما وعدت
واشنطن
بإعادة تقديم
المساعدات
السنوية إلي
باكستان
والتي تأتي في
المرتبة
الثالثة بعد
كل من إسرائيل
ومصر .
أما بالنسبة
لمشرف فكان
عليه
الموازنة بين
أمرين فإما أن
يعارض واشنطن
ومن ثم تحمل
المعاناة
التي يمكن أن
تنجم عن ذلك
خاصة وأن
واشنطن كانت
ستميل إلى
الهند التي
أبدت
استعدادها لتقديم
يد العون لها
في حربـها في
أفغانستان،
أو أن يقبل
التعاون معها
من أجل تحقيق
عدة أهداف في
آن واحد من
أهمها تثبيت
شرعيته من ناحية،
والحصول على
المساعدات
الأمريكية
التي تساهم في
تخفيف
التوترات
الاقتصادية
ومن ثم تقليل
حدة السخط
الداخلي نحوه
من ناحية ثانية.
لكن حسابات
مشرف يبدو
أنـها كانت
خاطئة لأن الانصياع
لواشنطن
معناه تدهور
شعبيته داخليا؛
فالشعب
الباكستاني
خاصة القوى
الإسلامية
تعارض مبدأ
ضرب
أفغانستان،
لذا حدثت
المواجهة
الدامية بين
النظام
والقوى
الشعبية عامة
والإسلامية
خاصة، وقام
مشرف باعتقال
قادة القوى
الإسلامية
وفي مقدمتهم
قاضي حسين
أحمد (زعيم
الجماعة
الإسلامية)،
ومولانا سميع
الحق، وغيرهم
.. كما راح مشرف
يحاول وضع يده
على المدارس
والمعاهد
الدينية عل
اعتبار
أنـها
هي التي
أفرزت طالبان
وذلك انصياعا
فاضحا للإملاءات
الأمريكية.
بل أكثر من
ذلك قام في
ديسمبر
الماضي بحظر
نشاط خمس
جماعات
إسلامية - اثنتان
منهما تساند
المجاهدين في
كشمير - بزعم
دعمهما
للإرهاب، على
خطورة ما
تمثله كشمير
في ضمير كل
باكستاني.
دعم
الاستفتاء ..
لماذا ؟:
وإزاء قيام
مشرف بـهذه
الجهود التي
تـهدف إلى
محاولة طمس
الهوية
الإسلامية عن
البلاد من أجل
إرضاء واشنطن
.. كان لا بد
للأخيرة أن
تغض الطرف عن
أية ممارسات
يقوم بـها
الأخير حتى
وإن كانت هذه
الممارسات
تتعارض مع
مبادئ الديمقراطية
التي تتشدق
بـها واشنطن ..
لذا فلم تعترض
واشنطن على
قيام مشرف
بتنظيم
استفتاء على
تمديد
الولاية له
لمدة خمس
سنوات بدلاً
من إجراء
انتخابات
رئاسية تسمح
بوجود منافسين
له، بل لم تعط
أي اهتمام
لنداءات المعارضة
التي عارضت
هذا
الاستفتاء من
البداية على
اعتبار أنه
يكرس وجود
النظام
العسكري في الحكم
.. كما أن
عمليات
التزوير
واسعة النطاق وإجبار
المواطنين
على الإدلاء
بأصواتـهم لم
تحرك ساكنًا
لدى واشنطن؛
ولعل موقف
واشنطن هذا
ليس غريبًا!!
بل إن التاريخ
يعيد نفسه من
جديد فالذي
يحكم واشنطن
هو مبدأ
المصلحة؛
فبعدما كان
مشرف شخصاً
غير مرغوب فيه
منذ وصوله للحكم
بسبب تأييده
لطالبان صار
الآن شخصاً
مرغوباً فيه
مادام يحقق
أهدافها، حتى
وإن كان ذلك
يتعارض مع
أبسط قواعد
الديمقراطية،
وكما قلنا
فليس هذا
بالأمر
المستغرب
بالنسبة لواشنطن
التي سبق لها
أن فرضت
عقوبات على
نظام ضياء
الحق بسبب
قيامه
بالانقلاب
على رئيس الوزراء
المنتخب
آنذاك
ذوالفقارعلي
بوتو عام 1997 واستمرت
هذه العقوبات
ضد نظام ضياء
الحق ثلاث
سنوات، ولم
ترفع إلا مع
دخول
السوفييت أفغانستان
واحتياج
واشنطن
للتعامل من
جديد مع كابول.
ونفس الأمر
تفعله واشنطن
الآن مع
مشرف حيث
أنـها تدرك
أنه في حالة
إجراء
انتخابات حرة
ونزيهة فان
نتيجتها لن
تكون في صالحه
.. خاصة وأن
الأوضاع
الاقتصادية
لم تتحسن كما
وعد بـها؛
الأمر الذي قد
يفسد الود
الحالي بين
الجانبين.
لكن السؤال
الذي يطرح
نفسه الآن هو
هل كانت حسابات
مشرف صحيحة
فيما يتعلق
بالأمريكان؟؟
في الواقع
يُلاحظ أن
مشرف خُدع[1]
فيما يتعلق بالولايات
المتحدة ولم يدرك أن
واشنطن لا
أمان لها
وأنـها تقترب
منه عند
اللزوم فقط ..
ويُلاحظ ذلك
من خلال عدة
أمور:
1 - عدم قيام
واشنطن
بالوفاء بكل
التزاماتـها الاقتصادية
تجاه باكستان
والتي سبق أن
وعدت بـها قبل
غزو
أفغانستان،
ولعل هذا كان
أحد أسباب
قيام مشرف
بإجراء
الاستفتاء؛
لأن تردي الوضع
الاقتصادي
كان يمكن أن
يدفع الناخبين
لعدم التصويت
لصالحه في
الانتخابات
الرئاسية.
2 - قيام
واشنطن - في ظل
توتر الأوضاع
بين الهند وباكستان
بسبب حادث
الهجوم الذي
تعرض له البرلمان
الهندي على
أيدي بعض
عناصر
المجاهدين في
كشمير في
ديسمبر
الماضي -
بإجراء
مناورات مشتركة
مع الهند
الشهر
الماضي، وهو
الأمر الذي
أثار حفيظة
القوى
الشعبية الباكستانية،
ووضع مشرف في
حرج بالغ أمام
الرأي العام
الداخلي.
3 - عدم قيام
واشنطن
بالتدخل لحل
قضية كشمير وهي
القضية
المحورية
بالنسبة لأي
نظام باكستاني؛
لأنه لا
يستطيع
التفريط
بشأنـها، إذ
يلاحظ أن
مساعدة وزير
الخارجية
الأمريكي
لشئون جنوب
آسيا والتي
زارت كلا من الهند
وباكستان الشهر
الماضي اكتفت بمطالبة
الجانبين
بالتزام ضبط
النفس ولم تسع
لاتخاذ أية
إجراءات بشأن
كشمير بالرغم
من أن الحشود
العسكرية لكل
من نيو دلهي
وإسلام أباد
بلغت قرابة
مليون جندي،
بل حدثت
مناوشات بين
الجانبين
فضلاً عن
تدهور
العلاقات
الديبلوماسية
وقيام نيو
دلهي بطرد
السفير
الباكستاني.
بل يلاحظ أن
واشنطن حاولت
في المقابل
الوقيعة بين
مشرف وبعض
القوى
الكشميرية
التي تنطلق من
أراضي
باكستان
لمساندة
إخوانـهم في
كشمير
المحتلة حيث
طالبته بحظر
هذه المنظمات
باعتبارها
منظمات
إرهابية،
وبالفعل
استجاب مشرف
لهذه الضغوط
وقام بحظر
نشاط جماعتين
كشميريتين في
يناير الماضي
.. وهي خطوة
ساهمت في
زيادة السخط
الشعبي ضده.
إن واشنطن لم
تـهتم بقضية
كشمير بالرغم
من اهتمامها
مثلاً بقضية
تيمور
الشرقية التي
يسكنها
الكاثوليك،
ومن ثم فهي لا
يهمها
استقرار
الأوضاع في
شبه القارة
الهندية أو حل
قضية كشمير!؛
إنما الذي
يهمها بالأساس
الحفاظ على
مصالحها.
وبالنسبة
لباكستان فهي
تـهدف لإيجاد
نظام علماني
يدين لها
بالولاء من
ناحية، كما
تسعى للحيلولة
دون وصول
القوى
الإسلامية
للحكم من ناحية
ثانية، والسعي
لعدم قدرة
باكستان على
تطوير
برنامجها النووي
من ناحية
ثالثة .. وفي
سبيل تحقيق
هذه الأهداف
تتبع عدة
وسائل ليس
مهماً أن
تتماشى مع منطق
الديموقراطية
والحريات
وحقوق
الإنسان، وإنما
المهم أن تحقق
المصالح
الحيوية
الأمريكية في
آسيا الوسطى.
----------------------------------------------
[1] - إذا
حملنا
تصرفاته محمل
الظن الحسن
وإلا فواقع
أفعاله
وأعماله
يدلان على أنه
عميل أجير.