أسطورة جنين .. والرولزرايس

 

بقلم : د.نورة السعد

 

بعد عودة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من منتدى الإعلام العربي الذي عقد في الإمارات العربية المتحدة قال: إن الموقف الدولي غير مؤيد للعرب لأننا نواجه بحملة تزوير إعلامية عالمية تعتمد على تشويه ثقافتنا وحضارة واقعنا العربي، لذلك فإنه مطلوب منا سرعة التحرك بعمل إعلامي كبير وعقلاني يكون موجهاً للغرب........

ثم قال: إن ما يحدث اليوم في الأراضي المحتلة سوف يحدث في بلدان أخرى، وأن ما خفي سيكون أخطر بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، والعالم العربي بصفة خاصة. ونحن مقبلون لا محالة على مرحلة حاسمة لذلك علينا الاستعداد لها ومواجهتها.....، ثم وضح أننا كعرب لم نعترض على مكافحة الإرهاب ولقد قمنا بإدانته، ولكننا فوجئنا بالحملة الشرسة علينا وكأننا جزء من الإرهاب.. والمؤسف أن هناك دعاوى في الغرب تقول إن المسلمين سيهزمون كما هزمت الشيوعية.. وألقى عمرو موسى باللائمة على إسرائيل أنها استغلت الموقف وصورت الفلسطينيين الذين يدافعون عن أرضهم المحتلة بأنهم إرهابيين.. ولأن الإعلام الإسرائيلي يحظى بدعم مالي هائل فقد نجح في تسويق أفكاره هذه عن العرب والفلسطينيين، بينما وقف الإعلام العربي عاجزاً عن الدفاع عن نفسه لضعف الإمكانيات..

عبارات عمرو موسى تفرض التوقف عندها.. ونتساءل عن دور الجامعة العربية طوال خمسين عاماً وزيادة من عمرها وهو عمر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أيضاً وكيف تقلص هذا الدور وتعاظم بالمقابل وجود دولة اليهود وطغيان إعلامهم وحضورهم بل وفرض سياساتهم حالياً.. وكما يذكر أن دولة المحتل تصرف أكثر من 600مليون دولار منذ أحداث سبتمبر 2001م (لتجميل) الوجه الإسرائيلي وكسب الرأي العام العالمي عامة والغرب خاصة في حربهم ضد الفلسطينيين.

@ هل ضعف الإمكانات العربية المالية هي أحد الأسباب لهذا الدور المهزوم للإعلام العربي ليس طوال السنوات الماضية فقط بل في الفترة المماثلة نفسها منذ أحداث سبتمبر؟!

يقول الكاتب الإنجليزي بيتر جيمس: من المفارقات العجيبة أن حكومات الدول العربية غارقة في الأحلام وهي تعتقد أن العالم يعرف عنهم كل شيء... والحقيقة أن الغرب يعرف القليل جداً عن البلدان العربية، ولكن يعرف الكثير جداً عن إسرائيل سواء من الناحية السياسية والثقافية والاقتصادية أو غيرها وفي الوقت ما هو راسخ في الذهنية الغربية أن العرب قد أثروا ثراء فاحشاً من ارتفاع أسعار النفط.. وفي المقابل هم دول إرهابية لا تعرف سوى سفك الدماء.. وأن إسرائيل مضطرة للدفاع عن وجودها بكل الوسائل المتاحة.. وهذا ما يجعل الدول الغربية تتعاطف معها، وخاصة الحكومات ناهيك عن المساندة الأمريكية الكاملة لها..

هذه الصورة النمطية عن العرب والمسلمين معروفة. وللأسف لم تكن في أجندة الجامعة العربية أو المنظمات الإسلامية والعربية أولويات (تصحيح المفهوم) عن مضمون الإسلام كعقيدة وسلوك المسلم الذي قد لا يرقى لجوهر العقيدة.. وما حدث قبل أحداث سبتمبر وبعدها لم يكن خارج السياق المعرفي للذهنية الغربية.. بل وجرف معه مجموعة من الطابور الخامس من أصحاب الذهنية الممسوخة من العرب والمسلمين فجدفوا مع التيار.. ولم يدركوا أخطار المرحلة سابقاً وحالياً.. فترسخت خصائص الصورة النمطية ربما أكثر.. وما يحدث كل مساء من (حروب كلامية) في القنوات الفضائية هي جزء مكمل للصورة النمطية السابقة.

وفي الخطاب الإعلامي العربي حالياً استجداء للغرب كي يفهموا واقعنا و(يتصدقوا) علينا بقليل من الاحتواء.. يغيب عنا أن المواجهة ليست ناجحة إذا ما اكتفت بجانب الإعلام.. إذ يفترض أن تستمد من واقعنا عرباً ومسلمين بشكل عام بعيداً عمَّا يحدث حالياً من (الاستبداد السياسي وغياب حقوق الإنسان والفساد الإداري، وهدر المال العام والبذخ والترف.. وبقية جزئيات المنظومة) التي تشكل ملامح الخارطة العربية والعديد من جزئيات الخارطة الإسلامية.. فالإعلام هو صورة الواقع..

وأستحضر هنا ما جاء في صفحات كتاب أحمد بن راشد بن سعيد (قولبة الآخر).. من عبارة للدبلوماسي المصري حسن الأمين يقول فيها: إن مدير جمعية ألمانية للدفاع عن الخنافس والضفادع، أخبره أنه يفضل مساعدة الحيوانات على مساعدة الشعوب العربية. وأن أية حملة لجمع التبرعات والإعانات لأي شعب عربي، أو أية قضية عربية محكوم عليها بالفشل في ألمانيا في الوقت الراهن على الأقل - أي قبل أعوام - وبرر ذلك قائلاً: "كيف يمكن أن يتعاطف الألماني معكم أو يتجاوب مع قضاياكم وهو يرى أثرياءكم هنا أو في سائر بلدان أوروبا ينفقون أموال شعوبهم على الساقطات من نسائنا، وعلى موائد القمار وسائر صنوف اللهو الرخيص.. لا يا سيدي مساعدة الضفادع والخنافس أقرب إلى قلوبنا" وبالرغم من فجاجة هذه المقارنة إلاّ أنها تشير بوضوح إلى أن مراكز الاستشراق، ووسائل الإعلام الغربية. لا تجهد نفسها لاختلاق القصص، أو (فبركة) الأحداث، لتدلل على أن المسلمين (فاسدون) أو (غير متحضرين) أو (ميالون للعنف) فسلوك بعض من ينتسبون للإسلام كفاها مؤونة ذلك.. وأعطاها الفرصة لتورد زعمها بأن هناك خطراً كامناً في المجتمعات الإسلامية هو (الإرهاب)..

@ وعودة إلى ما تمخض عنه قرار الجامعة العربية مؤخراً وتحدث عنه الدكتور نبيل إبراهيم المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وهو أن (الجامعة العربية جمدت الخطة الإعلامية التي تم إقرارها مؤخراً لمواجهة الإعلام الإسرائيلي بصفة خاصة واليهودي بصفة عامة.. وأن سبب التجميد يرجع إلى عدم وجود التمويل اللازم لتنفيذ الخطة والذي يقدر بحوالي عشرين مليون دولار!! ويضيف ولكن هنالك رأي آخر داخل الجامعة العربية يرى أن السبب المباشر لذلك التجميد يعود إلى ضغوط أمريكية على دول محددة كي لا تقوم بالتمويل.. وقال إن هناك عدداً من الدول العربية ستعمل بشكل فردي.. معللة ذلك بعدم وجود بنود إلزامية تلزم الدول العربية بسداد تمويل حصصها في الخطة الإعلامية المقترحة..

@ هذا هو واقعنا!! الذي يحاول الفلسطيني الاستشهادي أن يعيد صياغته بجسده وإيمانه القوي بالنصر إن شاء الله.. وما هولوكست الفلسطيني في جنين سوى جزء من أجمل خطة للتحرير وللنضال لم تنتظر بنود أجندة الجامعة العربية.. ولا استجداءات إعلامنا العربي.

وهذه المجازر التي ارتكبت في جنين أحدثت تأثيراً مضاداً تجاه إسرائيل وما المظاهرات التي سيقابل بها بوش في المانيا إلا نموذجاً لهذا التغيير..

 

@ اتكاءة حرف..

في برنامج (ستون دقيقة) الذي تبثه شبكة سي. بي. إس (C.B.S) عرض في إحدى حلقاته سابقاً مشهداً لثري عربي يركب في المقعد الخلفي لسيارة رولزرايس.. وعندما أوقف السائق السيارة أمام فندق فخم، وترجل الثري العربي.. سأله السائق: ماذا أصنع بالسيارة يا سيدي؟ فأجاب "احتفظ بها"!!