الشارع الاوروبي يلقن دروس الحرية والديمقراطية لامريكا

(أوروبا المتمردة علي الاستيعاب الامريكي)

 

بقلم : مطاع صفدي

 

اخيرا قرر الرئيس بوش مواجهة مشاكل سياسته مع اوروبا بطريقة الحوار المباشر مع قادتها. لكن اللقاء والحوار يتأثران حتميا بايقاع الشارع الملتهب بالشعارات المعادية لرموز السياسة الامريكية وعناوينها الاستفزازية بدءا من محاربة الارهاب، الي العدوان العسكري المصمم ضد العراق، الي مشاكل البنية والحرب التجارية المفتوحة بين شاطئي الاطلسي.

فلقد اكتشف فريق الحكم في البيت الابيض ان امريكا لا يمكنها ان تخوض معاركها الحدية ضد ثلثي العالم وهي مقطوعة الصلة عن حلفائها الاوروبيين التقليديين. كل صراعات القرن الماضي وحروبها العالمية الظاهرة والخفية، كان محور القارتين هو القاعدة في التخطيط المتلازم والعمل المشترك، واذا قيل ان امريكا هي التي كانت تهب لمساعدة اوروبا ضد انقساماتها الذاتية نفسها طيلة حروب القرن الماضي، وانها امست هي المحتاجة اليوم لحليفتها التاريخية، فقد يلمس بوش بنفسه ردود الفعل المترددة لدي الزعماء والسلبية القطعية لدي المجتمع المدني. ذلك ان محاور الخلاف تكاد تطغي، ربما لاول مرة في سيرة العلاقة بين العلاقتين، علي دواعي التوافق والتكامل المصلحي بينهما، مع الانتباه الي ان صدام المصالح لا يجري، في الطور الراهن، دون التباين المتنامي علي صعيد الافكار والمثل التي امست تحرك جناحي الحضارة الغربية المعاصرة، في اتجاهين متباعدين. فالمثقف الاوروبي اصبح يعتقد ان امريكا السائرة في طريق القطبية الواحدية، لن يمكنها ان تعامل القوي الاخري في العالم، معاملة الند للند، وان اوروبا عينها امست مرشحة عمليا للانتقال من مرتبة الحليف المتكافيء مع زملائه، الي موقع التابع للقائد الاقوي، هذه النقلة الاضطرارية قد لا تكون طارئة علي العلاقة القديمة بين القارتين. وقد اعتادت اوروبا الغربية منذ الحرب الباردة، وما قبلها الحرب العالمية الثانية بخاصة، علي تقبل هذه التبعية، في الصعيدين العسكري والاقتصادي، مع المحاولة الدائمة في الحفاظ علي مبدأ الاستقلال السياسي بقدر الامكان. وكانت تبعية الامر الواقع هذه تلقي تبريرها الاهم من ضرورة التكتل في معسكر واحد متضامن ضد المعسكر الاخر الشيوعي. لكن بعد انهيار القطب المضاد لم تحاول امريكا اشراك اوروبا في غنائم الانتصار الكوني الجديد. ان لم يكن مجري الامور فيما بعد قد نحا منحي عكسيا. اذ شرعت امريكا تبني استراتيجيتها الجديدة كما لو كانت هي صاحبة ذلك الانتصار الكوني، وهي التي ستجني وحدها كل استحقاقاته القادمة المترتبة عليه. ومع ذلك لم تتردد اوروبا طويلا عندما دعتها ادارة بوش الاب الي خوض حرب عالمية ثالثة ضد العراق، اعتقادا من بعض قادتها انهم سيجنون مكاسب نفطوية علي الاخص، اكثر مما كانوا يحصلون عليه قبل العدوان، وسوف يفوزون بحصص تجارية اكبر. لكن امريكا القت القبض علي معظم الدخول المالية لدول النفط واحتكرت توريد الاسلحة واستأثرت بالعقود الفلكية.

وهكذا يمكن اعتبار هذه الحرب بمثابة نقطة الافتراق الاولي بين الحليفين العملاقين. وحينما اشتعلت الحرب الأهلية في البوسنة، وبدأ انهيار الاتحاد اليوغوسلافي ادركت اوروبا سريعا انها لم تخسر امتيازها التاريخي كحليف دائم ومفضل لامريكا فحسب، بل ربما دفعت الي موقع المنافس وشبه العدو غير المصرح عنه. وان انتقال بؤرة النار الي عقر دارها ليس حادثا عرضيا بعد ان تحولت بؤرة الاقتتال الاهلي الي مقدمة لاطلاق حرب حقيقية وتدميرية من طراز سابقتها ضد العراق، لكن هذه المرة اصبح الهدف دولة اوروبية خالصة، هي بقية يوغوسلافيا القديمة. ومع هذه التجربة الثانية في سجل الحروب الامريكية المندلعة تباعاً خلال حقبة السلام المفترضة ما بعد زوال الاتحاد السوفييتي، لم تتبق ثمة شكوك لدي النخبة الاوروبية بأن الاستفراد الامريكي اضحي المحرك الاساسي لاستراتيجية العلاقة ما بين شاطئي الاطلسي. وبالتالي لا بد ان يحل منطق الصراع بينهما بدلا من وشائج التضامن والتكافل التي تقطعت ومضت مع سواها من معالم الحرب الباردة البائدة.

ثم فوجئت اوروبا كبقية العالم باعلان واشنطن للعولمة الاقتصادية كما لو كانت اعلان حرب كونية جديدة من نوع جديد خارق يعتمد اطلاق مبدأ التنافس التجاري الي اقصاه، واجبار جميع دول العالم علي رفع الحواجز الجمركية في وجه البضائع المتدفقة من كل جهة، ومعها الغاء مختلف القوانين المانعة لانتقال رأس المال وتدفق الاستثمارات. وما زالت اوروبا القادرة اكثر من غيرها علي الصمود والتكيف مع العولمة قدر الامكان، ما زالت اسيرة الانتقالات الاضطرارية التي تواجه خصوصيات انظمتها الاقتصادية الوطنية، المتضامنة مع التوازنات الاجتماعية المميزة لتطورها الثقافي والانساني. من هنا تضاعفت الحوافز الموضوعية الدافعة الي قيام الاتحاد الاوروبي الذي من المنتظر له ان يشكل القطب الثاني مقابل احادية القطب الامريكي. لكن الاتحاد لا يزال في طور الانشاء والتجريب بالرغم من منجزاته الهائلة حتي الآن، من حيث قيام مؤسساته المتنوعة المعبرة عن تجاوز البني الوطنية والدولتية القائمة، وصياغة الهيكلات الوحدوية البالغة التعقيد.

ومع انجاز الاوروبيين لتوحيد العملة اصبح الاتحاد كيانا ماديا قائما بالفعل. لكنه سيمكث فترة اطول في انتظار انبناء الكيانين السياسي والعسكري، وان كانا اصبحا تحصيل حاصل، ويترافقان مع الاسراع في اشادة المؤسسات الضرورية التي هي علي قدم وساق من حيث الانجاز اليومي المتراكم. كل ذلك كان يسير سيره الطبيعي والحثيث بعد تحقق العملة الموحدة بخاصة، الي ان وقعت احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وما تلاها من انفجار اخطر انقلاب بنيوي اصاب امريكا بسعار الخوف المطلق الذي يبرر كل المطلقات الاخري في التخطيط والتدبير، وفي المقدمة اعلان الحرب الشاملة علي ما يسمي بالارهاب العالمي الذي ما لبث ان تم حصاره وتعيينه في نوع (الارهاب) العربي والاسلامي.

عند هذا المنعطف افترضت ادارة بوش انها بالاستناد الي ذريعة تلك الحرب علي الارهاب يمكنها ان تقضي علي الاختلاف الاوروبي، وتعيد اصطفاف دوله الرئيسية بصورة آلية وتلقائية الي جانب واشنطن دونما ادني معارضة او تباين، لكن ما اسرع ما اكتشف الاوروبيون الذي شارك بعضهم رمزيا في حرب افغانستان ان امريكا انما تستخدم الارهاب ذريعة للاستيلاء علي الطاقة في آسيا الوسطي وحول بحر قزوين. وانه ما لم تستطع ان تكتسبه من اطلاق العولمة الاقتصادية، سوف تحصل عليه بترجمة العولمة الاقتصادية الي عولمة امنية. فما بقي من حدود الدول صامدا امام اجتياح البضائع والاستثمارات، سوف يتم اختراقه والالتفاف عليه من داخله عن طريق ربط اجهزته الامنية بالشبكة الامريكية، وبذلك تتقدم القرارات الامنية علي القرارات السياسية، وتغدو معظم دول العالم مجوفة من داخلها لحساب التدخل المخابراتي الامريكي وتوجيهاته المركزية، ويتولي الاعلام تغذية الهوس الارهابي في البلاد الاوروبية ذات الانظمة الديمقراطية الجمهورية والمنفتحة نسبيا وبدرجات متفاوتة علي مصادر الهجرة والمستقبلة، نسبيا دائما للحوار مع ثقافات ذلك الاخر المضطهد، ونصرة قضاياه، ما يؤكد للغربي الديمقراطي ان الامركة هي احدث واخطر استراتيجيات الاستيعاب من الاكبر والاقوي الي الأصغر والاضعف. ولسوف لن يوفر هذا الاستيعاب احدا حتي الاقرباء والمماثلين. بل ان هذا الصنف من الدول ذات الانظمة الاقتصادية والاجتماعية المنافسة والمتقدمة احيانا ثقافيا وحضاريا علي مركز الامركة، هي التي قد تشكل التحدي الحقيقي وشبه المستور لاستراتيجية الاستيعاب الكوني. ولذلك فان كل معركة تفتحها الامركة عسكريا او اقتصاديا او امنيا، في مجال العالم الثالث، انما تعتبرها اوروبا بمثابة تهديد غير مباشر لحريتها ومصالحها الحيوية. فكيف اذا ما اصبحت بؤر النار، المتفجرة والمنتظرة لادوارها، اقرب الي حدود القارة بعشرات المرات من امريكا.

خلاصة القول ان التباعد بين شاطئي الاطلسي غربيا هو اوسع بكثير من تباعد شاطئي البحيرة المتوسطية. والخلاف بين (الغربنة) و(الامركة) يتجاوز مشاكل البيئة والتجارة الحرة الي الموضوع الاعمق الذي يمكن تسميته بالمجال الحيوي لكل من التوأمين اللدودين. فبينما جربت الامركة ولا تزال اقتحام هذا المجال الحيوي والتعامل مع ابوابه المستعصية بمفاتيح الحروب المباشرة او بالوكالة الصهيونية، فقد تعلمت اوروبا المحنكة من الماضي القريب والبعيد ان هذا الجار الشاسع الواسع الذي عنوانه العروبة والاسلام، لا العنف يقهره نهائيا، ولا الخبث اللطيف يستوعبه. ولم يتبق في جعبة التعامل سوي مشروع الشراكة الحقيقية بين انداد، وليس بين اسياد واتباع. مع العلم ان الاوروبيين لا يقرؤون هذا الدرس بطريقة واحدة. لكنهم يرفضون بكل تأكيد التنكر لضرورته، او التقهقر دونه الي تكرار ضروب الاستعمار مهما تنوعت مبرراته المتذاكية، سواء تحت عباءة العولمة الاقتصادية او الامنية. وعلي ذلك لا يبدو ان بوش قادر علي اقناع قادة الاتحاد الاوروبي بما ترفضه جماهير الشارع التي واجهته في كل عاصمة زارها خلال الاسبوع المنصرم بعواصف الغضب والاستنكار والاهانات من كل نوع. فأوروبا لن تنجر هذه المرة الي مسلسل الحروب الامريكية المصممة خصيصا ضد شعوب الجنوب العربي والاسلامي، وهي لها قراءاتها الخاصة للأسباب الحقيقية المفجرة لاوضاع المنطقة. وربما اهتدت الي حلولها التاريخية المغيبة، وانها قد تسلك طريقها الذاتي نحوها بقدر ما تتحرر من هيمنة الامركة وتتابع البحث عن شركاء التاريخ والمدنية واشادة تحالف الحضارة والعدالة في وجه امبراطورية الاستبداد الآتية.