دور مصر: هل يكفي القول ان حالها من حال الأمة؟

 

بقلم : احمد مصطفي

 

حين تشتد المحن بامة ما يدور الحديث حول قيادتها ويكثر الجدل بشأن المحوري في تكوين تلك الامة، ويأخذ الجدل مداه بقدر اشتداد المحنة وقدرة الامة علي مواجهتها. ولاننا الان امة ضعيفة مهزومة يمعن الاخرون من صهاينة وامريكان وغيرهم في اذلالها دون ان تستطيع الذود عن كرامتها الا بنفر قليل من ابنائها يستشهدون هنا وهناك، يصل الجدل الي حد هدم الذات والتشكيك في كل قيمة.

ربما يكون ذلك مفهوما لدي عامة الناس الذين يصبون جام غضبهم علي حكام الامة ويصدقون فيهم الان كل شيء الا انهم رجال. لكن في مثل هذه الحالات تحتاج الامم الي عقلاء مهمتهم الحفاظ علي ما تبقي من عناصر تماسكها وبذور اعادة احيائها.

من هنا وجدت دافعا قويا للحديث عن موضوع نادرا ما خطر ببالي وكثيرا ما غضبت عندما يدلي فيه البعض بارائهم من منطلقات قطرية او عصبية ضيقة. لكن ما قرأته وسمعته منذ النكبة الجديدة في فلسطين قبل شهرين جعل من اللازم ان اسجل الكلمات التالية، ليس فقط لاني عربي من مصر، ولا لاني مهموم بهذا القطر او ذاك ولا حتي من باب خوض حرب المقالات التي يلجأ اليها من لايجد سلاحا اخر يلعب به في زمن اصبحت اسلحة العرب من غير الفلسطينيين وحزب الله للهو واللعب فحسب. ولكن فقط خوفا علي تلك الاجيال الناشئة التي خرجت في كل الشوارع العربية، واولها المصرية، تتدافع راغبة في التطوع الي جانب الارهابيين الفلسطينيين دفاعا عن مستقبلهم القريب والبعيد.

وبما اني اعرف معظم من يتناولون موضوع مصر ودورها العربي والاقليمي ومواقفها في الازمات عبر الكتابة في القدس العربي اود ايضا ان اشير الي انني لا اقصد احدا بعينه ولا موضوعا محددا، اللهم الا مقال الدكتور يوسف نور عوض الاخير بعنوان مسؤوليات مصر .. الذي كان فقط الدافع المباشر للكتابة. والنقطة الوحيدة التي اريد ان اشير اليها هنا انه لا يكفي مبررا ان تبدأ حديثك عن مصر بالتفريق بين قيادتها الرسمية وشعبها، كي تغالط وتدخل في جدل لا يصب الا في خانة من لا يريدون لشباب هذه الامة ان يثقوا بانفسهم للحظة ولمصلحة من يريدون ان يقنعونا دائما اننا لم نتقدم الا في ظل الاستعمار والاحتلال. فهذا التفريق بين القيادات والشعوب العربية يدركه الناس جميعا في وطننا، بل ويعيشه المصريون في كل لحظة وموقف، ولا احد يأخذ كلام النخب الاعلامية والمثقفة الدائرة في فلك الحكومة علي انه موقف الناس الا من كان ذا غرض. ولعلي اتفهم دوافع رئيس تحرير القدس العربي وبعض كتابها من المصريين وغيرهم من العرب القوميين والاسلاميين حين يتعرضون لمواقف مصر باعتبارها، شئنا ام ابينا وكانت اهلا ام لم تكن الان، الاخ الاكبر الذي بفساده تضيع الامة كلها. وهذا بالضبط موقف غالبية المصريين ممن لا يعملون لدي السلطة. وغالبية الناس في مصر تدرك ذلك جيدا وتتذكر المثل الشهير جنازة بالتار ولا القعدة في الدار ، بمعني ان الانكفاء علي الشؤون الداخلية لم يجلب لمصر واهلها الا التراجع والتدهور حتي في الشان الداخلي الذي انكفأوا عليه بحجة التنمية والتقدم.

ولعل رئيس وزراء مصر عندما تحدث عن مئة مليار دولار من العرب لمصر كي تحارب عنهم انما كان ينطلق من ذلك الانكفاء الذي لا يقبله غالبية المصريين، ليس لعروبيتهم الخالصة النبيلة ولكن لمصلحتهم الذاتية في ان امنهم القومي لا يقف عند حدود الشام والجزيرة شرقا ومنابع النيل جنوبا وتونس غربا بل يتعداها من ايام الفراعنة الي ايام المماليك. وحتي لا يقع المرء في دائرة الاقزام الرسمية العربية التي تتناوش فيما بينها، ليس تفاخرا بما تنجز للامة، ولكن تنابذا بمن يخونها اكثر من الاخر، يجدر بالمرء ان ينوه الي ان بعض الكتابات في موضوع مصر لا تنطلق من مصلحة الامة ومصلحة مصر والمصريين بقدر ما تعكس هوي شخصيا وربما حنقا فرديا لاحداث ومواقف فردية تجعل الكتابة اصغر من تنشر لتشوه افكار الشباب، خاصة المصريين منهم.

مقال الدكتور يوسف كان يمكن اختصاره في سطر: اوافق علي مقال الدكتور عبد الوهاب الافندي الذي فسر فيه مقولة رئيس الوزراء المصري . اما الحشو الذي انتقل المقال فيه من اقصي اليمين الي اقصي الشمال، علي طريقة الدكتور. عبد العظيم رمضان الذي يوصف بالمؤرخ، فليس سوي محاولات تشويه للذات (واقول للذات لان الدكتور يوسف في النهاية مصري من جنوب الوادي) قد تكون وسيلة تفريغ لهم الكبار في زمن الاحباط لكنها لا تزيد الشباب الا بلبلة هم في غني عنها بعدما اعادت لهم الانتفاضة بعض الثقة بالنفس.

ويعرف نظام الحكم في مصر ونخبته، التي يكاد الدكتور عوض رغم انتقاداته ان يكون من بين افرادها، ان الناس لا يصدقون اوهام السلام ولا يحزنون، شأنهم في ذلك شان مئتي مليون عربي يعلمون ابناءهم صباح مساء ان تلك الارض من البحر الي النهر تسمي فلسطين القي فيها الاوروبيون ببعض المخلفات العنصرية من صهاينة اغتصبوها وانهم لمطرودون منها يوما، طال او بعد.

ولا يحتاج الامر هنا الي التذكير بان السلاح النووي لدي العرب لن يفيدهم كثيرا، فهم في النهاية سيشترونه من الغرب باموال النفط ويمكن ان يكون من النوع الذي ينفجر فيهم. والوحيد الذي كان يحاول بجدية هو العراق، فاصبح عبرة لشيوخ العرب في الخليج الذين يقبلون ايديهم الان ويقولون الحمد لله ان لم نحاول والا كان مصيرنا مصير الثور الابيض . خلاصة القول ان الحديث عن دور مصر المتردي لا يمكن تبريره بانها تمثل حال الامة المتردي اصلا. فنحن نؤمن ان تلك مسؤولية مصر شاءت ام ابت، فهمت نخبتها ام لم تفهم. لكن ذلك ايضا لا يبرر للبعض ان يصب جام غضبه علي بلد بالكامل لمجرد انه علي خلاف مع شخص من نخبتها لا يعرفه احد في مصر ولا يمثل فيها او منها شيئا.

وربما يذهب المرء الي عكس ما فهمه الدكتور عبد الاوهاب الافندي من مقولة رئيس وزراء مصر، فالاخير منذ كان وزيرا لقطاع الاعمال كان يسافر الي الخليج في مهام رسمية مع وزير مالية سابق (متهم الان باهدار المال العام) ليسهلوا اعمالا تخصهم. وليست قيادة مصر فريدة في فساد السلطة المالي والاخلاقي وافساد النخبة حولها، فذلك الفساد منتشر بكثافة من الرباط الي المنــــامة عبر عمان ودمشق وحتي الخرطوم وصنعاء. والمناظرة هنا ليست للتبرير، ففي النهاية تلك مسؤولية القاهرة، التي ضعفت وتراجعت فجرت وراءها قاطرة العرب الي الهاوية التي نحن فيها الان.

في النهاية لا اريد الدخول في تفنيد المغالطات التي ذكرها مقال الدكتور عوض تاريخيا ومعلوماتيا من كلامه عن السد العالي الي هجرة رؤوس الاموال الي الغرب والعمالة الي الخليج، فليس هذا غرضي من الكتابة. لكن ما قصدته هو المســــــتهدف من وراء الكتابة، الذي كما ذكرت في البداية لا علاقة له بفضح ضعف مصر ومســـؤولية قادتها عن انهيار ما تبقي من الامة كلها وعته النخبة في محاولاتها لتبرير ذلك بتشويه عقول الناس. لكنه للاسف يصب في ذات الخانة التي يقف فيها كتاب السلطات من المحيط الي الخليج وان تسربل بزي النقد الموضوعي.