وصية أهل الحكم الراشد!!

 

بقلم :  عبد الله فرج الله

farajalla_assabeel@yahoo.com

 

يحتفظ لنا التاريخ بوصية السلطان محمد الفاتح رحمه الله الذي وفقه الله كي يكون الفائز بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش الذي يفتح القسطنطينية، إذ كان قائد هذا الجيش، فهو إذاً من القادة القلائل جداً في التاريخ، الذين يستحقون مرتبة القدوة ومركز التوجيه في كيف يكون القائد، لهذا أحببت أن تكون لنا هذه الوقفة مع وصية هذا السلطان، لابنه، حتى نتعرف على حقيقة القيادات التي تريد حقاً أن تسعى برعيتها إلى شواطئ الأمن و الأمان، وواحات العز والكبرياء، وساحات النصر والخلود، يصونون كرامتهم، ويحفظون حقوقهم، ويدفعون عنهم الظلم، ويردون عنهم الشرور..

 

الوصية ترسم لنا صورة أخرى للحكام الذين نعرف سيرتهم في أيامنا هذه، فتبدو كأنها آتية من عالم آخر.. كي تضعنا في خيال نتمنى أن نصحو يوماً فنراه واقعاً معاشاً.. لكن بالتأكيد حين تعرف الشعوب طريقها، وتحدد أهدافها، عندها فقط ستجعل من المستحيل ممكناً، ومن الخيال واقعاً، ومن الحلم حقيقة..

 

الوصية تقول: «هاأنذا أموت، ولكني غير آسف، لأني تارك خلفاً مثلك، كن عادلاً صالحاً رحيماً، وابسط على الرعية حمايتك بدون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الأرض.

 

قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر، وينغمسون في الفحش، وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها.

 

وسع رقعة البلاد بالجهاد، واحرس أموال بيت المال من أن تبدد، إياك أن تمد يدك إلى أحد ما من رعيتك إلا بحق الإسلام، واضمن للمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك للمستحقين.

 

وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم، وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك، وأكرمه بالمال.

 

حذار حذار لا يغرنك المال ولا الجند، وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة، فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبذلك انتصرنا».

 

ويختم رحمه الله وصيته بقوله: «خذ مني هذه العبرة: حضرت هذه البلاد كنملة صغيرة، فأعطاني الله تعالى هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، واحذ حذوي، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله، ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو، أو أكثر من قدر اللزوم، فإن ذلك من أعظم أسباب الهلاك».

 

* * * * *

 

يلاحظ أن الوصية قد ركزت الاهتمام على أمرين، تكرر فيهما اللفظ توكيداً على أهميتهما، وحرصاً على الأخذ بهما، لأنهما الأساس الذي يستقيم به الحكم، والأصل الذي تقوم عليه الدولة، هما:

 

أولاً: الدين: «واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله»، فأكد له أن هذا هو واجب الملوك، وأساس حكمهم، وعليه فلا يجوز أن يتخذ معيناً له في شؤون الحكم إلا من اتصف بكثرة اهتمامه بأمر الدين، وعرف بالتزامه به، ثم هذا يقتضي إكرام العلماء وتقريبهم، لأنهم القوة المبثوثة في جسم الدولة..

 

ثانياً: المال: «ولا تصرف أموال الدولة في ترف أو لهو»، بل عليه أن يكون معتدلاً في النفقة، فلا يصرف هذا المال إلا في مكانه، ولا يجوز أن يكون مباحاً للحاكم، يعمل به كما يشاء، بل عليه أن يعف عنه، ولا يأخذه إلا بحقه، ولا يعطيه إلا بحقه، هذا حتى تطمئن الرعية، فلا تأخذهم الريب، ولا تتوزعهم الشكوك، فهذا هو السبيل لعفة الرعية، ونظافة المجتمع، من السرقات والرشاوى، «عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا» وهكذا..

 

* * * * *

 

وبعد، فأين حكامنا من هذا كله؟!

 

أين هم من الاهتمام بأمر الدين نشراً وحماية والتزاماً واحتراماً؟!

 

أين هم من توقير العلماء وإكرامهم وتقديمهم؟!

 

أين هم من الجهاد وتربية الناس عليه؟!

 

أين هم من حفظ الأموال العامة وحراستها وحمايتها؟! وهل يجد اللصوص الذين تمتد أيديهم إليها جهاراً نهاراً العقاب العادل، الذي يحفظ هيبة السلطان في نفوس رعيته؟!

 

بالإجابة على هذه التساؤلات، نستطيع أن نحدد حقيقة حكام زماننا، فهذا هو الميزان، كما أكده الأولون من سلفنا الصالح!.