اللعبة الهندية في منطقة جنوب آسيا

 

اسلام أباد - ثناء

 

مع اقتراب الهند لمواجهة مسلحة مفتوحة ضد خصمها باكستان، هناك من تفاجأ بهذه التطورات، إلا أن العديد من المراقبين كانوا يتوقعون مثل هذه التبلورات منذ ديسمبر من العام الماضي حين انقسم العالم إلى قسطاطين: إرهابي أو ضد الإرهابي، ولا مجال لأن تكون محايدا لأنك لو كنت كذلك أصبحت من الفئة الإرهابية التي تسكت عن الشر وتتعاضى عنه.

 

من المعروف أن التحركات الضخمة التي قامت بها الهند والتي سببت لها خسائر إقتصادية كبيرة لا يمكن بكل سهولة اعتبارها مناورة سياسية أو دبلوماسية لمجرد الضغط على الخصم، ومع الأخذ بعين الاعتبار تلك الخطوات الهندية في ذلك الوقت مثل قطع المواصلات الجوية والبرية، واسترجاع رئيس المفوضية من إسلام آباد وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، نرى أنه هناك مؤشر عن وجود سياسة طويلة الأمد تسعى نيودلهي إلى تحقيقها، ما هي تلك السياسة وما الأهداف التي تصبو إليها؟ الجواب هو أن الهند ستأخذ بالخيار العسكري في إطار محدود، وفي الأغلب عبر قصف جوي لمناطق معينة لولاية جامو وكشمير الحرة على الطريقة الأمريكية في أفغانستان.

 

فالقادة الهنود طالما أعلنوا أنه إذا كانت الولايات المتحدة قد لاحقت الارهابيين في أفغانستان بعد الحادي عشر من سبتمبر فإن الهند أيضا تملك الحق في ملاحقة مقاتلي الحرية الكشميريين، وخاصة بعد أن فعلت حليفتها إسرائيل كل ما فعلت بالشعب الفلسطيني المحاصر، ولهذا كان من الضروري للهند أن تخلق حوادث بنسب ملائمة، ومن ثم جاءت حادثة الهجوم المسلح على البرلمان الهندي في الثالث عشر من ديسمر الماضي.

 

لسوء الحظ فإن المناورة الهندية في ذلك الوقت لم تفلح، جزئيا لأن الولايات المتحدة وحلفائها كانوا مشغولين عسكريا بأفغانستان، ولم يكونوا أبدا راغبين في وجود مصدر زعزعة آخر داخل منطقة جنوب آسيا. كما أن باكستان في ذلك الوقت كانت عاملا جوهريا في الحرب الدائرة ضد أفغانستان خاصة فيما يتلعق بالدعم اللوجستي والمخابراتي لكن السبب الآخر لفشل الخطة الهندية آنذاك ربما يتمثل في أن الهند كانت تتأهب استعدادا للمواجهة العسكرية الأخيرة مما يتطلب وقت طويلا لم يكن كافيا آنذاك.

 

في الحقيقة فإن حادثة البرلمان الهندي كانت مجرد إحدى التجهيزات السياسية الدبلوماسية لتبرير الهجوم العسكري على باكستان.

 

الوضع الآن تغير درامايتكيا، لنبدأ من السيد فاجبائي (رئيس الوزراء الهندي) المطوق من قبل العناصر الداخلية، خاصة بعد حوادث القتل الجماعي لمسلمي ولاية غجرات، وباكستان هو العامل الوحيد المتبقي الذي يمكن أن يساهم في الوحدة الوطنية للهند واستغلال شعار القومية الهندية، وفي هذه الهستيريا المضادة لباكستان والاستعدادات الحربية باتت قضية مجازر المسلمين في غجرات ثانوية، وحتى مسلمي الهند سيجبرون على نسيان مأساتهم الدموية، والواقع أن تلويح علم الحرب ضد باكستان هو الخيار الوحيد المتاح أمام فاجبائي لجعل مسلمي الهند ينسون قصة غجرات.

 

العامل الآخر الذي يدفع الهند إلى خوض الحرب هو تجدد العلاقات العسكرية لها مع الولايات المتحدة، التي تضم ليس فقط صفقات الاسلحة بل أيضا إجراء تدريبات عسكرية مشتركة بدءا من مضيق مالاكا وحتى منطقة آغرا، وحسب إتفاقية التدريبات الموقعة بين الطرفين فإن الدوريات الهندية ستشارك في التدريبات المشتركة حتى قناة السويس، ومعنى ذلك أن منطقة الخليج والبحر الأحمر سيشهد حضورا عسكريا للهند، وهو ما يجب فهمه في نطاق الثلاثي المشبوه: الولايات المتحدة وإسرائيل والهند، أما التدريبات المشتركة في منطقة آغرا والتي انتهت قريبا فقد أصدرت مؤشرات سلبية لباكستان، ويتسائل الواحد ما هي الحاجة التي أدت إلى إجراء تدريبات عسكرية مع الهند؟ وما هي الرسالة التي تبعثها الولايات المتحدة إلى إسلام آباد غير السماح للهند بتضييق الخناق على باكستان.

 

هنا بات من الواضح أن التحركات الهندية الأخيرة ضد باكستان لم تكن ممكنة دون على الأقل لموافقة الضمنية لها من واشنطن، فهناك عداء كبير في الولايات المتحدة تجاه باكستان ليس فقط على المستوى الإعلامي بل أيضا على المستوى الحكومي والرسمي، وقد علمنا على مرر السنين أن الاعلام الأمريكي- رغم دعاوى الاستقلالية – يعمل بالتعاون مع حكومته ويستلهم الكثير من دوائر صنع القرار الأمريكي خاصة في أوقات الأزمات، عندها ليس من الغريب تزامن التحركات الهندية من بكاء الإعلام الأمريكي بأن باكستان أصبح ملاذا لعناصر القاعدة وطالبان المارقين من القبضة الأمريكية، رغم أن الوضع الحقيقي في أفغانستان يفيد استمرار التشكيلات الجديدة لعناصر القاعدة وطالبان، ووجود مواجهات مسلحة مع القوات الأمريكية والدولية، وهو ما يعكس سبب بقاء الاسطول الأمريكي في أفغانستان، خاصة في ظل افتقاد أي مظهر من مظاهر الأمن والقانون خارج حدود كابول.

 

هذا الاتجاه الاتهامي المشئوم ضد باكستان قد تضاعف مع الجهود الغربية في زعزعة وإيقاض مصداقية الحكومة الباكستانية عبر الانسحاب المفزع لمواطنيها من البلاد بعد حادثتين إرهابيتين التي استهدفت الأجانب، وآخر مثال على ذلك إغلاق القنصلية البريطانية واسترجاع (150) من الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في البلاد، هنا يتسائل الواحد مرة أخرى لماذا لم يحدث مثل هذا في إسرائيل التي تعج يوميا بالانفجارات الانتحارية، ومرة أخرى ما يحدث في الشرق الأوسط من التنكيل الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني عبر الآلة الأمريكية المستورة، حيث رأت الهند نزعة جديدة للدول القوية جديرة بالاقتفاء لفعل ما يحلو فعله دون أية عوائق خاصة في ظل انعدام ردود الأفعال الدولية على مجازر غجرات.

 

على كل فإن الوضع الحالي يعطي دفعة قوية للهند لشن هجمات عسكري كحدود ضد باكستان خاصة إذا كانت حساباتها تتوقع قيام الولايات المتحدة بإيقاف باكستان من الثأر لمثل تلك الهجمات الهندية، عندها ستكون نيودلهي في وضع متقدم عسكريا.

 

الهند في هذه اللعبة ستحاول أن تستغل هذا التقدم العسكري لتغيير أطر التفاوض حول كشمير عند قدومها إلى طاولة المفاوضات، وعندها ستتنازل عن أية ميزة حصلت عليها عبر الهجوم العسكرية لدفع خيار (خط المراقبة لحدود دولية).

 

على الوجه الأمثل ترغب الهند في بلوغ هذا الهدف قبل شهر سبتمبر أكتوبر من العام الحالي، عندما تعقد انتخابات عامة في أراضي كشمير المحتلة، وفي حالة نجاح الهند بتغيير وضعية خط المراقبة مع باكستان فإنها وبكل سهولة ستجبر الشعب الكشميري على قبول فتات المساومة السياسية المطروحة من قبل نيودلهي.

 

من ثم هناك ضغط كبير على الحكومة الهندية بتعجيل تحركاتها العسكرية، لذا كان هناك حاجة ماسة لخلق حادثة جديدة في الأراضي المحتلة لتبرير أية خطوة عسكرية ضد باكستان، وهو ما حدث في الرابع عشر من الشهر الجاري في ولاية جامو المحتلة، حيث قام مسلحون بالهجوم على قاعدة عسكرية أدت إلى مقتل ثلاثين شخصا.

 

لنفترض أن الجماعة التي تدعى (المنصورين) قد قاموا بالهجوم – رغم إعلان المسئولين الهنود بأن جيش محمد هو المسئول عن الحادث – فإن ذلك لا يهم لأن الهند تريد فقط ذريعة لتصعيد الموقف العسكري مع باكستان، وللعلم فإن الحكومة الباكستانية قد حظرت حركة جيش محمد ولم يسبق أن سمع أحد بجماعة المنصورين عدا الأجهزة الهندية التي أوجدت ودعمت كل أنواع المجموعات المارقة.

 

إذن ماذا نتوقع من الهند في الظروف الراهنة؟ لا شك من أنه سيكون هناك بعض التصعيد العسكري على طول خط المراقبة وربما حتى حدود العمل (WORKING BOUNDARY)، كما لا يُستبعد شن هجمات جوية محدودة خاصة ضد المنشآت الباكستانية الاستراتيجية، لكن ما هو المهم إدراكه هو أن جوهر الافتراض على الجانب الهندي لمثل تلك المغامرة تقوم على أن الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى ستعطي لنيودلهي مهلة الهجوم وفور ذلك ستتدخل واشنطن مباشرة في المسرح وتمنع باكستان من الرد بالمثل، وبذلك تبقى الهند محتفظة بالتقدم العسكري تزامنا مع تنفيذ وقف إطلاق النار الجديد.

 

على باكستان أن تتأكد من عدم تطبيق مثل تلك الخطة، ولهذا عليها أن توضح للولايات المتحدة وحلفائها أنها سترد بالمثل لأي عدوان عسكري للهند – وهو ما أعلن عنه الجنرال برويز مشرف لاحقا – كما أن عليها أن تستفسر بجدية عن النوايا الأمريكية في المنطقة التي توجد بها خيارات استراتيجية غير مستغلة.

 

جدير بالذكر هنا أن الحكومة الباكستانية طلبت من الأمم المتحدة استرجاع جنودها الذين يخدمون قوات حفظ السلام في سيراليون، كما ذكرت مصادر دبلوماسية في إسلام آباد أن الحكومة ستسترجع القواعد الجوية التي منحتها للقوات الدولية كجزء من الدعم اللوجستي للحرب ضد الارهاب،وفي هذا الصدد أعلن مسئولون حكوميون أنهم لن يتوانوا عن سحب القوات الباكستانية من على حدودها الغربية مع أفغانستان في حال اندلاع الحرب، وكل هذا يمثل مصدر قلق للحلفاء الدوليين وخاصة الولايات المتحدة التي تشرف على اللعبة المذكورة في منطقة جنوب آسيا.

 

وفي الختام فإن القيادة الباكستانية مدعوة إلى ترتيب الصفوف الداخلية وتكوين إجماع وطني مع كل الفصائل السياسية التي هي بدورها مدعوة إلى التخلي عن المصالح الحزبية،لأن باكستان باتت مرة أخرى مهددة بالحرب من جانب الهند، فالتوحد القومي المتلاحم أولى خطوات التعامل مع تلك التهديدات بصرامة وحسم، المجازفة عالية على كلا الطرفين باكستان والهند، لكن إذا تبنت باكستان سياسة طبيعية واثقة فإن لعبة الهند الحربية ربما ستكون المسمار الأخير في تابوت السياسة الهندية الفاشلة حول كشمير.