تغيير الخريطة العربية: منطقة التجارة الحرة

 

 

بقلم :  د. خالد عبدالله

 

اقترح الرئيس الأمريكي منطقة للتبادل التجاري الحر بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط خلا ل السنوات العشر المقبلة. ولم ينس، على غرار العادة الأمريكية المستحكمة، أن يؤكد على الأهداف النبيلة لمقترحه، فهو يريد أن يشجع التنمية، وأن يدخل الشرق الأوسط إلى عصر الرفاهية. ويتوقع بوش بطبيعة الحال من العرب أن يصدقوا منطوق حديثه، وسلامة طويته، تماما كما كان قد طلب منهم أن يثقوا بحسن نواياه تجاه العراق من أنها بقضها وقضيضها دوافع إنسانية، وبواعث أخلاقية. وقد تجلت بكل حللها على المسرح العراقي. فقد أثاب الشركات الأمريكية على صبرها، فمنحها نفط العراق، وهو يوزع بينها حسب موازين العدل والنصفة حصص الإعمار. كما أنه يلقي من سدة المسرح عظمة هناك وأخرى هناك، إلى من قد اهتبلوا فرصة المشاركة معه في حربه من البلدان الأخرى. أما الشعب العراقي فله أن يتحلى بالأناة فإن الغيث سيقطر إليه بعد أن تملأ الشركات جيوبها. وهو له سابقة في بلده. فقد وزع الفائض على الأغنياء على أمل أن ينسال من جيوبهم بعض منه إلى الفقراء. وبوش هذا فريد في كل ما يقول ويفعل، في لغته، وفي منطقة، وفي سياسته، وفي حربه. وفرادته ظهرت مؤخرا في مجرى الاقتصاد الأمريكي، فهو الرئيس الأمريكي الذي يختلف عمن سبقه في حمل الرخاء إلى الأمريكيين. فمن سبقه من الرؤساء الأمريكيين إلى أكثر من خمسين سنة، كان يضيف كل شهر آلافا من فرص العمل إلى مواطنيه. أما هو فهو يأخذ منهم آلافا من فرص العمل كل شهر. وهذا نوع جديد من الازدهار. ولأنه رجل صاحب مهمة أخلاقية فهو لا يريد أن يستثني العرب من طفح مآثره الاقتصادية، تماما كما أشبعهم من خيراته العسكرية.

ومن لم يصبه الخرق في ابتلاع الإفك، سيتأمل في مقاصد الدعوة الجديدة، في طبيعتها، وفي توقيتها، وفي مناخها. ومن بقي يستعمل عقله فسيخترق ظاهر المقترح إلى مكنونه. وقليل من التبصر يري أن أهدافا ثلاثية رئيسية تحكم المقترح الأمريكي. الأول، إدماج إسرائيل في المنطقة العربية. فقد فشل مشروع بيريز للشرق أوسطية، إذ من كثرة ما عري أصبح عبئا. فقد فضح أهدافه السياسيون الإسرائيليون لكثرة ما ثرثروا عنه، حيث انتابتهم بعد أوسلو نوبة من العجرفة، ودفق من الابتهاج ظنوا معها أن الأعلام البيضاء ارتفعت فوق كل بيت عربي. ثم انتهى حالهم إلى ما أصابهم على يدي المقاومة في لبنان وفلسطين. فأصبح المزاج لديهم، أن منتهى النصر، يكمن في الانعزال عن الأوغاد العرب. كما أن الولايات المتحدة تدرك أن خريطة الطريق ليست إلا كامب ديفيد الثانية زائدا مناقصات شارون وصحبه على يمينه في إسرائيل وأمريكا. فالحلم مكشوف للناس أنه كابوس. وتدرك الولايات المتحدة أن كثيرا من الأنظمة العربية تأنس إلى مشروع الشرق الأوسط إن أطيح بواجهته الأولى، وزين بأخرى. فالمقترح هو الشرق أوسطية مع تزويق ووعد. أما التزويق فهو بلاهة، وأما الوعد فهو استنزاف. فالناتج الإجمالي للبلدان العربية مجتمعة أقل من 5% من الناتج القومي الإجمالي الأمريكي. وليس لدى العرب ما يبيعوه إلى أمريكا إلا النفط، وهو على أي حال ملك يديها. أما الاستثمار الأمريكي في البلدان العربية فخيال، لأن له دوافع اقتصادية وسياسية لا تليق بالبلدان العربية. فما يتبقى هو تمكين لبعض الأفراد العرب من زيادة صادراتهم من سلع تقليدية بسيطة. لكن المنطقة الحرة تعني فتح الأسواق العربية للصادرات الأمريكية حتى تحرثها طولا وعرضا كي تقتل كل أمل بالتقدم الصناعي والتقاني. كما ستمكن إسرائيل من الدخول إلى هذه الأسواق على نحو واسع.

أما الهدف الثاني، فهو تحقيق ما خططت له، ودعت إليه الولايات المتحدة، تغيير خريطة الشرق الأوسط. لقد كانت الولايات المتحدة تتصور أن تجري حربها في العراق على هواها لكن خيب رجائها. ولم تقف الخيبة عند حدود أن أحجار الدومينو لم تسقط تباعا كما كانت تأمل، بل أن احتلالها للعراق يحمل في طياته بداية معضلة حقيقية. فمشروع منطقة التجارة الحرة هو لتحقيق ما أرادت من تغيير، والتغلب على ما تجده من مأزق في العراق. فظاهر منطقة التجارة الحرة اقتصادي ينصب على توفير ظروف التدفق الحر للسلع والخدمات والمال. لكن كلمة السر هي في توفير الظروف. إذ تحقيق أهداف منطقة التجارة الحرة في أي مكان يتطلب تغيير المؤسسات القائمة وبناء أخرى مناسبة، وتبديل للقوانين والإجراءات وتشريع أخرى محبذة، والإطاحة بالخيمة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وإقامة أخرى تستجيب لدواعي منطقة التجارة الحرة. وهذه لا يمكن أن تقوم بين عشية وأخرى حتى بين البلدان التي تتماثل فيها الكثير من الأوجه المذكورة، بل تحتاج إلى صبر ومداراة تستغرق وقتا، يراه المقترح الأمريكي عشر سنوات. وهذا وقت يشي بالعجلة، ويكشف عن نفاذ الصبر الأمريكي. فالتغيير الذي يحتاج إلى أكثر من جيلين في أحسن الأحوال تريد الولايات المتحدة اختزاله في سنوات قليلة. فمشروع المنطقة الحرة يبدو للمغفلين اقتصاديا فحسب، ولكنه في حقيقة الأمر يتطلب، كما تبين تجارب المناطق الأخرى، تغييرات عميقة في كل البنى المؤسسة، وفي معظم أوجه الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وستكون أمريكا قادرة بذريعة متطلبات إقامة هذه المنطقة على فرض تغييرات شاملة على بلدان المنطقة.

أما الهدف الثالث، فإن إقامة هذه المنطقة يقع في إطار حملتها لإضعاف أوروبا. ومن ينظر إلى التبادل التجاري العربي مع الخارج يجد أن الحصة الأعظم للتجارة العربية هي مع أوروبا. وحينما تقوم منطقة التجارة الحرة هذه، فستؤثر من دون ريب على اتجاهات التجارة العربية، سواء اتجاه صادراتها، أو، وهو الأهم اتجاه استيراداتها. إذ أن الظروف التي تخلقها هذه المنطقة مع هذا العملاق العسكري والسياسي والاقتصادي ستشابه بطريقة أضخم الظروف التي كانت تخلقها البلدان الاستعمارية في مستعمراتها. حيث كانت هذه الظروف تخلق مصالح اقتصادية وسياسية أيضا تجعل لا مناص من يكون التعامل الاقتصادي الجوهري مع الدولة الاستعمارية الأم. وستقوي هذه المنطقة الدولار، إذ بحكم غلبة التعامل مع الولايات المتحدة فإنه سيكون الوسيط النقدي الوحيد. وهذا بالإضافة إلى إضعاف اليورو أو على الأقل حصر حدوده الجغرافية فإنه سيلحق خسائر اقتصادية بالمنطقة العربية التي لن يكون لها خيار سوى تحمل أعباء الهزات النقدية الأمريكية. وليس مستبعدا أن تواصل الولايات المتحدة المحافظة على الفوضى النقدية في العراق حتى يصبح الدولار هو العملة الأساسية. وحينما يقوم العراق بعد حين بإصدار عملته الوطنية، يكون الدولار قد ضرب جذوره في الحياة الاقتصادية لأعوام طويلة قادمة.

لقد أدركت الولايات المتحدة أن قوتها العسكرية ليست كفيلة بتحقيق هيمنتها على العالم. فالبلدان الأوروبية التي تكافئها في الميزان الاقتصادي شعرت أن قوتها الاقتصادية تمكنها أن تقول لا للولايات المتحدة. ومثل هذا التحدي الاقتصادي الأوروبي يزعج الولايات المتحدة من جانبين. فالشجاعة الأوروبية تعرقل في الأجل القصير قدرة الولايات المتحدة على تحويل قدراتها العسكرية إلى ثمار اقتصادية في العالم. كما أن المؤشرات تقول أن أوروبا بدأت تشعر أنه لا بد أن تبني إلى جانب قدراتها الاقتصادية المستقلة، طاقات عسكرية وسياسية مناسبة تواجه بها التفرد الأمريكي الذي يريد أن يحيلها إلى عمال خراج في امبراطوريته. وهذا أكثر تخشاه الولايات المتحدة لأن سياستها لمنع المنافسين ستنهار. ومنعهم يتم أولا بإضعافهم اقتصاديا.

فالمنطقة التجارية الحرة ستهدم أولا كل ما بناه العمل العربي المشترك، بل ستقضي على آماله المستقبلية. كما أنها ستقوي مركز إسرائيل وتجعلها القطب الذي ستدور حوله كل البلدان العربية كبيرها وصغيرها. كما  ستخرج أوروبا من المنطقة مما يعني إضعافا أكبر لفرص البلدان العربية في المناورة السياسية والاقتصادية. وإن تم ذلك فإن التحكم الأمريكي في المنطقة سيكون مطلقا. هل هناك من يسمع ويرعوي.