الحزب الإسلامي في الموصل

 

 

 

 بقلم : مصطفى محمد الطحان 

 

 

الحديث عن الاحتلال الأمريكي للعراق.. أسبابه.. وخططه.. وأهدافه.. حديث طويل، أتوقع أن يشغل الكتّاب والسياسيين زمنًا طويلاً، وهو بكل تأكيد يستحق ذلك؛ فالأصل أن تُستخلَص العبر من حدث كبير بهذا الحجم.

 

كتبت منذ فترة مقالاً في مجلة المجتمع تحت عنوان: التاريخ يعيد نفسه بين "سايكس - بيكو" و"بيرل - فيث"، وقلت يومها إن الحروب ترافقها باستمرار مؤامرات واتفاقيات، وإذا توقفت الحرب فإن الاتفاقيات والمؤامرات مستمرة.

 

فالمنطقة العربية تعيش منذ عام 1916 نتائج اتفاقية "سايكس - بيكو".. ولم تخرج منها بعد.. فهل سنمضي مائة سنة أخرى نعالج المؤامرة التي أعلنت في البنتاجون الأمريكي، والتي أطلقوا عليها اتفاق "بيرل – فيث"؟!

 

ولكنني اليوم سأتحدث عن الحزب الإسلامي في الموصل. والموصل وإن كانت جزءًا من العراق، وهي اليوم تحت الاحتلال الأنجلوساكسوني، إلا أنها جزءٌ أيضًا من الذكريات.. فقد كنت شديد الإشفاق على الثلة التي أمضينا معها أجمل سنين عمرنا في نهاية الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي، ونحن زملاء دراسة في جامعة استانبول.. من هؤلاء د. طه الجوادي، د. إدريس الحاج داود، د. محمود الحاج قاسم، د. عبد الله الرحو، د. بشير حنون، د. عبد الجبار الحسن، وغيرهم كثير..

 

كنت مشفقًا أن يكون أصابهم مكروه.. فالصواريخ الموجهة التي زعموا أنها ذكية ضربت جميع الأقطار المجاورة للعراق، وضربت كل المدنيين العراقيين في كل المدن والقرى، والذين سقطوا بالآلاف بالقنابل التي تكفي الواحدة منها لتدمير منطقة بأكملها. كنت أسأل نفسي.. هل أصابتهم إحدى هذه القنابل الذكية؟، وهل وصل إليهم التمدن الديمقراطي الأمريكي؟.

 

كنت في هذا الحديث مع نفسي.. حتى قرأت ما كتبه مراسل النيويورك تايمز الأمريكية الذي زار مقر الحزب الإسلامي في الموصل، وتحدث مع د. إدريس الحاج داود أحد قادة الحزب، فرحت كثيرًا لسلامته، وأنست بكلماته للمراسل، كما كنت أستمتع بحديثه في استانبول. زرته مرة فقال لي 34 ولم أفهم، وبعد قليل طرق الباب صديق آخر فرحب به، وقال له أنت 35، ففهمت أنه استقبل اليوم حتى الآن 35 زائرًا، وغدًا امتحانه النهائي.

 

تحدث الدكتور إدريس عن الحزب الإسلامي فقال: لقد قرر الحزب الإسلامي العودة إلى العراق بعد عشرات السنين التي قضاها في المهجر، موضحًا أن القائمين على الحزب أعادوا تشكيله ونشره بين العراقيين، خاصةً بعد انهيار نظام صدام حسين، وبعد أن رأينا رايات كثيرة لا تمتلك أية قاعدة شعبية تعود إلى العراق.

 

إننا نختلف عن هؤلاء، فنحن نمتلك قاعدة حقيقية منذ عام 1944 عندما بدأ العمل الإسلامي على يد الدكتور حسين كمال الدين، موفد الإمام حسن البنا- رحمه الله-، لكن حكومة العهد المدني لم تسمح لنا بأن نطلق على أنفسنا اسم الإخوان المسلمين؛ لذلك أنشأنا جمعية "الأخوة الإسلامية"، التي قامت بدور ملموس في التربية الدينية للشعب العراقي، وكان على رأسها الشيخان أمجد الزهاوي، ومحمد محمود الصوّاف.

 

عام 1960، وبعد انقلاب عبد الكريم قاسم الذي أنهى الملكية، وأسس الجمهورية، ومكَّن للشيوعيين، أسسنا الحزب الإسلامي.

 

ومثل كل الانقلابات العسكرية التي تعد الشعوب بكل الخيرات: ديمقراطية، حرية، أحزاب، وحدة عربية، تحرير فلسطين، عدالة اجتماعية.. وما أن يصدق الناس ويبدأوا بالحديث عن مشاريعهم المستقبلية.. حتى يبدأ النظام بالاعتقالات وبالقتل والسحل!، ومحاكم الشعب التي تشبه محاكم التفتيش، أو أسوأ منها، ولقد أصاب الحزب الإسلامي الذي تفاعل معه الشعب العربي والكردي، السني والشيعي.. ما أصاب الآخرين: مطاردات واعتقالات وإغلاق المقرات، فقد اكتشف النظام المستبد أن هؤلاء الإسلاميين رجعيون وعملاء، ومن أعداء الشعب... ولا حرية لأعداء الشعب!!

 

ويتابع الدكتور إدريس فيقول: تمَّ حظر الحزب عام 1961، وفرّ قادته إلى الخارج، فيما بقي الحزب يعمل سرًا في الموصل، التي تحولت إلى قاعدة مهمة للعمل الإسلامي. لم يستطع حزب البعث- على الرغم من الإرهاب والملاحقات البوليسية التي تعرض لها الأفراد، والإجراءات المشددة التي فُرضت على المساجد- أن يقضي على هذا الحزب؛ فالإسلام عميق الجذور في نفوس أهل الموصل.

 

أما مراسل الصحيفة الأمريكية فيقول: عندما زرت مقر الحزب وجدت عددًا من أعضائه يوزعون "منشورات وكراسات" تدعو إلى الإسلام بالطرق السلمية. ويؤيد الحزب إقامة نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب في البلاد، ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي: أن القوات الأمريكية تعي حقيقة وجود هذا الحزب في العراق، لكنها لا تنوي حظره، وأضاف أن الأمريكيين يرغبون في الحد من تأثير الإسلاميين في الشارع، وتقليص نفوذهم من خلال برامج إعادة الإعمار، ونشر الطمأنينة والاستقرار، وتوفير فرص عمل للمواطنين، بالإضافة إلى إشاعة حرية التعبير عن الرأي.

 

وحسب تصورهم، سيواجه الحزب الإسلامي العراقي مع الوقت عدة مشاكل بعد تشكيل حكومة علمانية ينجذب إليها المواطنون، وتكون قادرة على توفير الرخاء.

 

وينتهج الحزب في المرحلة الحالية أسلوب عمل معتدل شبيه بالأحزاب الإسلامية في تركيا ومصر وباكستان. وينشط أساسًا في مجالات العمل الخيري، إذ افتتح في الأيام الماضية عددًا من العيادات الطبية المجانية، وسيّر عددًا من الدوريات الشعبية؛ لمكافحة عمليات النهب والسرقة. ويوزع أنصاره الصدقات على الفقراء والمستشفيات.

 

وقال مراسل الصحيفة: إن مكتب الحزب في الموصل عبارة عن خليَّة من العمل الدؤوب، في بحر من الفوضى خلفتها الحرب في المدينة التي انقطعت فيها الكهرباء والماء، ولم يعودا إلا قبل عشرة أيام فقط. واتخذ الحزب مقرًا له مكاتب اللجنة الأوليمبية التي أصبحت رمزًا لنظام صدام، والتي كان يسيطر عليها ابنه عدي. وفي الطابق الثاني شاهد المراسل عددًا من الشبان يعملون على أجهزة كمبيوتر وطابعات وآلة تصوير ضوئي (فوتوكوبي) تبرع بها للحزب أحد رجال الأعمال في المدينة. وكانت الآلة تعمل بلا توقف لإنتاج المنشورات. وينفي مسؤولو الحزب تلقيهم أية مساعدات من الخارج، ويؤكدون أن تمويلهم يأتي من رجال الأعمال المحليين (الحياة، نقلاً عن صحيفة نيويورك تايمز (24/4/2003).

 

وماذا عن علاقة الحزب بالقوات الأمريكية؟

 

يجيب الدكتور إدريس: إن موقفنا من الأمريكيين واضح، نرفض وجودهم على الأرض العراقية، ونعتبر قواتهم قوة احتلال، ونرفض التعاون معهم، ولن نكون في يوم من الأيام طرفًا في الحكومة التي يعتزم الاحتلال تشكيلها.

 

ونحن متفقون في هذا التوجه مع جميع الفصائل الوطنية والقومية والدينية في الشعب العراقي، والحكومة الوحيدة التي نعترف بها، ونتعامل معها هي الحكومة المنتخبة من قِبَل العراقيين تحت إشراف دولي.

 

وشدد على أن أقطاب حزبه في المهجر لم يشتركوا في أية مفاوضات مع الأمريكيين والبريطانيين قبل غزو العراق.

واشتكى أعضاء الحزب من الاستفزازات التي يواجهونها من الجنود الأمريكيين في الموصل. وأشاروا إلى واقعة جرت عندما توقفت دورية أمريكية أمام مقر الحزب، وطلبت من الحارس الواقف أمام المدخل -وبيده رشاش "كلاشينكوف"- الدخول إلى المقر، وعدم الوقوف مع سلاحه خارجه، فيما كانت طائرات هليكوبتر تحوم في السماء (الحياة نقلاً عن نيويورك تايمز 24/4/2003).

 

المتحدث باسم الحزب الدكتور محسن عبد الحميد أضاف: نعلم مسبقًا أن الأمريكيين لن يقبلوا إلا بمن يعطيهم قواعد عسكرية ويعترف بإسرائيل، ونحن ضد ذلك قلبًا وقالبًا، ونقول: إن بقاءهم بالعراق لن يطول كثيرًا.

 

وأضاف: العراقيون لن يقبلوا بمحتل، فإذا صدقوا في قولهم بأنهم جاءوا للتحرير، وخرجوا من ديارنا فبها ونعمت، وإلا فإن الشعب سيستخدم كل الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس والأرض والوطن.

 

وحول ما إذا كان بإمكان الشعب العراقي التوحد في مواجهة الاحتلال، وهو منقسم واقعيًّا بين سنة وشيعة وأكراد وتركمان، شدَّد عبد الحميد على أن "الحزب يدعو ويعمل على دعوة كل الطوائف والأعراق إلى الوحدة والأخوة في الدين والوطن"، موضحًا أن الحزب يشكل لجانًا للتقارب بين هذه الطوائف والأعراق.

 

وأضاف: لنا مع الشيعة- على سبيل المثال- جسور طيبة ممتدة، منذ عام 1960 عندما أجهضنا المشروع الشيوعي في العراق، مشيرًا إلى أن هناك لجانًا من الطرفين تجتمع وتحاول أن تنمّي الأخوة الإسلامية بين السنة والشيعة.

 

إعادة تشكيل للأطروحات...

 

وحول أطروحاته للوضع الحالي في العراق قال عبد الحميد: لقد أعدنا الحياة إلى الحزب، ونحن في سبيلنا لإعادة تشكيل أطروحاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مضيفًا: شكلنا لجانًا تعكف حاليًا على تعديل دستور الحزب أيضًا، وحتى لائحتنا الداخلية. وهذا لن يتم قبل شهر.

 

وأوضح: لنا الحق في أن نقدم أنفسنا، وأن ننشر مبادِئنا وأفكارنا، ولا تهمنا النتائج كثيرًا، كل ما نريده أن نزيد الوعي بالإسلام بين فئات الشعب، وأن نُزيل الغشاوة التي تبـاعد بين هـذا الشعـب وبين إسلامه، وسيكون ذلك من خلال ما نقدمه له في كافة المجالات، مضيفًا: إننا من الآن نقدم خدمات ملموسة، عن طريق تقديم الإغاثة للمنكوبين، وتشكيل لجان شعبية لحل المشكلات، ونعمل في كثير من المواقع