مبادرات السلام خيانة شرعية أشد إثما في هذه الأيام

 

بقلم : هيثم بن جواد الحداد

 

كثر الحديث في هذه الآونة عن السلام مع اليهود، وأن الدول العربية في صدد صياغة مبادرة جديدة، تتضمن إدانة العنف بجميع صوره، والعمل على إيقافه بشتى السبل، ثم التحضير لمرحلة جديدة يتم التعايش فيها بسلام، بين الطرفين الفلسطيني، والإسرائيلي، من جهة، والعربي والإسرائيلي من جهة أخرى، تتضمن التطبيع الكامل بين الجانبين، ونظرا للخطورة الشديدة التي تتضمنها هذه المبادرات على عقيدة المسلمين أولا، ثم على أحكام شريعتهم، ثم على المسلمين في فلسطين على وجه الخصوص وعلى غيرهم على وجه العموم، فإنه يجب على أهل العلم، وقد رأينا منهم فيما سبق مبادرات وردود، يجب عليهم أن يبينوا الحكم الشرعي في هذا الذي يجري وقبل أن يعلن رسميا، فيتعذر عندئذ الحديث عنه. وهذه مبادرة عجلى، قصد منها بعد إبراء الذمة، والنصح للأمة، شحذ الهمم للقيام بهذا الواجب

 أيها المسلمون: لقد تكلم العلماء، وطلبة العلم حول حكم السلام مع اليهود في مواطن عامة وخاصة، فليس من الحكمة إعادة ما ذكره أولئك الأفاضل، لا سيما وأنه مسطر في مراجع تمكن من الوصول السريع له، لكن السلام مع إسرائيل وما يتبعه مما يسمونه إدانة العنف بجميع صوره، في هذه الأيام بالذات ينطوي على مخالفات عقدية، وشرعية كبيرة غير المخالفات التي ينطوي عليها السلام مع اليهود في غير هذه الأيام، ولذلك لم تذكر في كثير من  الكتابات المشار إليها والتي تحدثت عن حرمة السلام مع يهود، وذلك من الأوجه التالية:

 

   1-   أن السلام مع اليهود القتلة في هذه الأيام، بعد أن قام اليهود بقتل مئات من المسلمين والمجاهدين في فلسطين، خيانة عظمى لأولائك المسلمين سواء الذين قضوا نحبهم، أو غيرهم، لأنه خذلان لهم وترك الانتصار لهم، ومعلوم أن خذلان مسلم واحد، وعدم نصره معصية، فكيف بخيانة مئات من ألئك المجاهدين الذي كانوا ينتظرون من ينصرهم وينتصر لهم ممن ظلمهم.

 

 2-      أن السلام مع اليهود في هذه الأيام يتضمن فوق خذلان المسلم، الرضى بجرائمهم من تقتيل وتشريد، فبدل أن نعمل بكل وسعنا على أخذ حقنا منهم، نسكت عنهم، وندعوهم إلى السلام، وكأننا نكافئهم على جرائمهم، والرضى بالمنكر منكر مثله، وقتل المسلمين المجاهدين، وسجنهم، وتعذيبهم، وتدمير الأرض واغتصابها من أكبر المنكرات والرضا به من أكبر المنكرات كذلك.

 

3-      لقد علم الجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية رأس الكفر العالمي، الذي يحارب الإسلام والمسلمين هي التي طلبت من البلاد العربية إيقاف العمليات الاستشهادية، والضغط على الرئيس الفلسطيني من أجل إيقافها، وبصرف النظر عن حكم تلك العمليات، فإن الاستجابة لهذه المطالب الظالمة من الذي أخذ على عاتقيه حرب الإسلام والمسلمين ضد إخواننا المسلمين المجاهدين، يتضمن مخالفتين عقديتين كبيرتين:

 

الأولى: مولاة أعداء الله من اليهود والنصارى، أما الثانية: فهي مظاهرة الكفار ضد المسلمين، ومعلوم أن أي من هاتين المخالفتين قد تكون كفرا مخرجا من الملة، فكيف إذا اجتمعتا، قال الله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52}) سورة المائدة

 

 4-     إن استنكار العمليات الاستشهادية، وجعلها من الإرهاب والعنف المذموم، وبصرف النظر كذلك عن حكم تلك العمليات، إلا أن الجميع يعرف بأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يقاوم بها الفلسطينيون الاعتداء عليهم، وهي الصورة الأخيرة من صور جهاد الدفع التي تبقت للمسلمين هناك، فإدانتها تتضمن أولا: إلغاء جهاد الدفع، وهذا أمر خطير جدا، فهو تعطيل كبير لشعيرة من أهم شعائر هذا الدين، بعد أن عطل شقها الثاني جهاد الطلب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأس الأمر الإسلام من أسلم سلم و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد) وتعطيل شعيرة الجهاد يجر على المسلمين الويلات والنكبات في الدنيا قبل الآخرة، وما حالهم هذا الذي وصلوا إليه إلا بسبب تعطيل هذه الشعيرة، فكيف بهم وقد عطلوا آخر ما تبقى منها، وهو حق مشروع تقره جميع النظم حتى الوضعية منها، لكنه يحرم على المسلمين، ومن الذي يحرمه قادتهم الذين ينتظر منهم أن يكونوا هم أول من يدعون عنه للدفاع عن دماء شعوبهم، وأعراضهم، وأموالهم، فضلا عن الدفاع عن دينهم وعقيدتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من هذا الخذلان العظيم.

 

 5-     لقد قام المسؤولون الفلسطينيون بخيانة عظيمة حين قاموا بمحاكمة ثم تسليم المتهمين بقتل الوزير اليهودي من جهة، ثم قبولهم بترحيل بعض الفلسطينيين خارج بلادهم، فهذا العمل يتضمن الإقرار الصريح بأن قتل اليهود جريمة يعاقب عليها القانون، وتزداد الخيانة حينما نراهم لم يطالبوا الإسرائيلين الذين قتلوا مجاهدين فلسطينيين بطريقة الاغتيال، بأية مطالبة، فحينما يبارك حكام الدول العربية هذه الخيانة الصريحة التي قامت بها الدول العربية، وهذه سابقة خطيرة لم نر ونسمع عنها من قبل مع أنها ليس أول خيانة يقوم بها قادة الفلسطينين، والعرب.

 

 أيها العلماء، أيها الدعاة، يا طلبة العلم: إن المسؤولية عليكم في هذه الأيام مضاعفة، لخطورة المرحلة التي تمر بها الأمة، فيجب عليكم أن تبينوا حكم الله في ما يجري إبراء لذمتكم أمام الله، ونصحا للأمة، ولعله يكون حافزا للمسلمين للقيام بعمل جاد لنصرة دينهم، وعقيدتهم (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) والأمر جلل ونحن مسؤولون أمام الله جل وعلا عن دورنا في دفع ورفع ما يجري، نسأل الله جل وعلا أن يرفع البلاء عن هذه الأمة، وأن يوفق علماءها للقيام بواجبهم، وأن يصلح أحوال حكامها، لعلي أكون قد بلغت، اللهم فاشهد.