د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

بين الهجر والهجرة في العصر الحديث
3/8/2012

د. يحيى هاشم حسن فرغل :

إذا تتبعنا الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع الهجرة نجد ثلاثة أنواع من الهجرة :


النوع الأول : حيث تكون الهجرة من دار يحس فيها المسلم بالخطر على دينه وبأنه إن استمر فيها مقيما فإنه يتعرض لفتنة غالبة على العقيدة ، وأنه سوف يتعرض لإيذاء شديد ومحنة قاسية جراء التمسك بواجبات دينه وفرائضه ، في هذه الحالة حيث تكون الهجرة من هذه الدار إلى دار أخرى تتحقق فيها السلامة والفائدة للدين …

يدعو القرآن إلى الهجرة كما يدعو إليها الرسول صلى الله عليه وسلم

وفي مثل هذه الحال نجد قوله تعالى : { إِنَّ الَّذينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ قالوا فيمَ كُنْتُمْ قالوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ في الْأَرْضِ قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِروا فيها فَأولَئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصيراً ، إِلّا الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ لا يَسْتَطيعونَ حيلَةً وَلا يَهْتَدونَ سَبيلاً ، فَأولَئِكَ عَسى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفوّاً غَفوراً ، وَمَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً } النساء 96- 100

فهذه الآيات تدل على وجوب الهجرة على من يخاف على عقيدته ودينه في أرض الكفر ، وتعد بالعفو عمن لا يستطيع حيلة تمكنه من الهجرة ، ولا سبيل يهتدي إليه ، وهي مع ذلك تعد الشجعان الذين يقدمون على الهجرة – بما تنطوي عليه من مشقة وأهوال – بالتيسير والتوفيق .

ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات : ( هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين ، إذ يجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه .. ، والظاهر أن المراغَم المنع الذي يتخلص به ويراغِم به الأعداء ) والسعة المشار إليها في الآية يراد بها سعة من الضلالة إلى الهدى ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن القلة إلى الغنى ، وإذن فلا يصح في هذه الهجرة أن تكون هروبا ، ولكن لابد من رجحان المراغمة ضد العدو ، ورجحان المناصرة مع الإخوة

ومن هنا يقول الإمام العيني في شرحه على صحيح البخاري : ( أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا )



وفي هذه الحالة أيضا جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمر يقول: «لتكونَنّ هجرةٌ بعد هجرة، إِلى مُهَاجَرَ أَبيكم إِبراهيم صلى الله عليه وسلم، حتى لا يبقى في الارضينَ إِلاّ شِرارُ أَهلها، وتَلْقِطْهُم أَرضُوهم، وتَقْذَرُهم رُوح الرحمن ـ عز وجل ـ وتَحشرهم النارُ مع القردة والخنازير، تَقِيل حيثُ يقيلون، وتَبيت حيثُ يبيتون، وما سقط منهم فَلَها».

وجاء في سنن أبي داود باب في الهجرة هل انقطعت ، بسنده عن عَبْدِالرّحْمَنِ بنِ أبِي عَوْفٍ عن أبي هِنْدٍ عن مُعَاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».

وفي سنن النسائي بسنده عَنْ عَبْدِ الله السّعْدِيّ قَالَ وَفَدْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ أَصْحَابِي فَقَضَى حَاجَتَهُمْ ثُمّ كُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً فَقَالَ حَاجَتُكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَتَى تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفّارُ.)

وفي هذا يقول العلماء : ( أما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقا ) كما ذكر العيني في شرحه للحديث في صحيح البخاري .



ومن هنا كان الإذن بالهجرة إلى الحبشة عندما اشتد العذاب على المسلمين بمكة ، قبل الهجرة إلى المدينة .

قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم : إذا خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ارض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.

قال ابن إسحاق : وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه

وكان فيمن هاجر من أعلام المسلمين الأولين مثل عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول عليه الصلاة والسلام ، وجعفر بن أبي طالب ، وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود وغيرهم .

ونحن نشك في أن هذا ينطبق على أية جماعة من المسلمين في العصر الحاضر ممن نعرف أن ليس لهم وضع كالذي كانت عليه مجموعة الهجرة إلى الحبشة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

لكننا نبقيه صالحا للأخذ به من ناحية المبدأ بالشروط السابقة



أما النوع الثاني من الهجرة فإنما تكون كذلك من دار يتحقق فيها الخطر على الدين ، لكنها لا تكون إلى دار يتحقق فيها السلامة فحسب ، كما في النوع الأول ، ولكنها تكون فوق ذلك مقدمة إلى نصر على أعداء الدين .

إنه أشبه ما تكون بحركة في ميدان القتال ، يرجع فيها الجيش خطوة أو يتحيز إلى فئة لينطلق بعد ذلك في طريق النصر ، وهكذا كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة .

لم تكن هجرة للسلامة ، ولكنها هجرة للقتال والجهاد والكفاح ؛ كانت بدء مرحلة جدية من الجهاد في سبيل الله .

ومن هنا كان تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عند قدومهم إلى مكة يطلبون الحلف مع قريش ، فدعاهم إلى الإسلام ، أبطل بذلك حلفا محتملا للأعداء ، وأنشأ حلفا محققا لصالح الدعوة الإسلامية ، فكانت بيعة العقبة الأولى مع اثني عشر رجلا من الأنصار ، وأرسل معهم إلى المدينة من يعلمهم القرآن والشرائع ، وهنالك انتشر الإسلام فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها مسلمون رجالا ونساء ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية وكان المبايعون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين ، بايعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأنفسهم وأن يرحل وأصحابه إليهم ، وكل ذلك تمهيدا للهجرة ، بين الغرض منها ، لم يكن الخروج لمجرد السلامة ، ولكنه التحفز لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية .

ومن هنا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة فخرجوا إليها أرسالا ، وانتظر الرسول بمكة محتجزا معه أبا بكر وعليا رضي الله عنهما ، حتى أذن بالخروج فكانت الهجرة بأحداثها ونتائجها .

وكانت بدءا لقتال تتابعت غزواته ضد المشركين الذين أخرجوهم من ديارهم ، وكانت بزوغا لشمس الإسلام بعد أن ظهر فجره في مكة .

وكانت ظهورا للمجتمع الإسلامي بعد أـن تكون أفراده في مرحلة الدعوة المكية .

وكانت حجر الأساس في ظهور الدولة الإسلامية التي حملت الدعوة ، ونشرت الإسلام في أرجاء العالم من بعد

فهذا النوع من الهجرة ليس فرارا ، وليس إيثارا للسلامة ، وليس إيثارا للراحة ، وإنما هو انتقال من مشقة إلى مشقة ، ومن جهاد إلى جهاد ، وهو واجب حيثما توافرت دواعيه ، وتحققت أسبابه ، وترقبت نتائجه في النصر .

إنها ليست هربا من الجهاد ولكنها إعداد له .

وجدير بنا نحن المسلمين اليوم أن نستحضر التاريخ الذي هو جوهر ذاتنا ومبنى شخصيتنا

وجدير بنا أيضا ونحن نستحضره أن نلتفت إلى ما فيه من عناصر العمل الإيجابي وتحمل المسئولية ، والمسئولية القيادية ، وإخلاص التوجه إلى الله تعالى لا أن نكتفي بسرد ما فيه من نفحات الإعجاز وخوارق العادات ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقرب الناس إلى الله لم يدخر جهدا في التدبير للهجرة ، وقد بدأ هذا التدبير مبكرا بعرض نفسه على القبائل من العرب : أن يحموه وينصروه ، أخفى صلى الله عليه وسلم رسالته ثلاث سنين ثم أعلن بها في الرابعة ودعا إلى الإسلام عشرة سنين ، يوافي الموسم كل عام ، يتبع حجيج الجاهلية في منازلهم ، بمنى ، والموقف ، يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة ، ويسأل عن منازلهم ، ويأتي أسواق المواسم : عكاظ ، ومجنة ، وذو المجاز ، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه .



وفي السيرة الهاشمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف في منازل القبائل من العرب ، بمنى ، فيقول : يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وان تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني ، حتى أبين عن الله عز وجل ما بعثني به . وكان خلفه أبو لهب ، كان إذا فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله يقول : يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات واالعزى من أعناقكم ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه .



وذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم عرض نفسه من بين ما عرض على بني عامر بن صعصعة ، فقال له رجل منهم : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟

قال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث شاء . فقال له العامري : أنقاتل العرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه . وكانت نقطة فاصلة
إنها الرسالة الصاخة أسماع العلمانية منذ اربعة عشر قرنا



فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم قالوا : جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا ؟ فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ - أي تدارك – هل لها من مطلب ؟ والذي نفسي بيده ما يقولها كاذبا أحد من بني إسماعيل قط ، وإنها لحق ، وإن رأيكم غاب عنكم .



وذكر الواقدي أنه كان ممن عرض صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم : بني عبس ، وبني سليم ، وغسان ، وبني محارب ، وفزارة ، وبني نضر ، ومرة وعذرة والحضارمة ، فكانوا يردون عليه صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ، ويقولون : أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك

ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بني حنيفة ، أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب .



ويروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه سلم لقي جماعة من شيبان بن ثعلبة ، وكان معه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما ، وان أبا بكر سألهم ممن القوم : قالوا من بني شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر – أي سادات في قومهم – وفيهم مفروق بن عمرو ، وهانئ بن قبيصة ، ومثنى بن حارثة ، والنعمان بن شريك .

وكان مفروق بن عمرو أقرب مجلسا إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال له : إنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة . فقال أبو بكر رضي الله عنه : كيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق : علينا الجهد – الطاقة – ولكل قوم جد – أي حظ وسعادة ، أي علينا أن نجتهد – وليس علينا أن يكون لنا الظفر لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء .

فقال أبو بكر رضي الله عنه : فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق : إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى ، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والسلاح على اللقاح ، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبوبكر رضي الله عنه : أو قد بلغكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ؟ - أي قريش – هو ذا . فقال مفروق : بلغنا أنه يذكر ذلك ، فإلام تدعو يا أخا قريش ؟

فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وإلى أن تؤووني وتنصروني ، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد .

فقال : مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون .

قال مفروق : ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم عرفناه . ثم قال : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، والبغي لعلكم تذكرون .فقال مفروق : دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك .

وكان مفروق أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال: هذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا .

فقال هانئ : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر ، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة ، فقال : هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا .

فقال المثنى : قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش ، والجواب جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب دون ما يلي أنهار كسرى فعلنا ، فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا وأن لا نؤوي محدثا ، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك . وما دروا أن وقت النظر لا يطول ، وأن رضا ملك الملوك أولى من رضا الملوك .
هاهو النموذج العربي القديم في التبعية لملوك الدول الكبرى وأباطرتهم

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : ما أسأتم في الرد ، إذ أفصحتم بالصدق ، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه ، إن لم تلبثوا إلا قليلا ، حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ، ويعرسكم نساءهم : تسبحون الله وتقدسون ؟ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ، وَداعِياً إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبيراً } 45 – 48 الأحزاب . ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم .



ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ائتهم ، فأتاهم ، فعرض عليهم ، فقال لهم : كيف العدد فيكم ؟ قالوا : كثير مثل الثرى . قال : فكيف المنعة ؟ قالوا : لا منعة ، جاورنا فارس ، فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم ، قال : فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم : أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين ، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين ، وتكبروه ثلاثا وثلاثين ؟ قالوا : ومن أنت ؟

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أنا رسول الله . ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له : هل تعرف هذا الرجل ؟ قال : نعم ، فاخبروه بما دعاهم إليه وأنه زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذي من أم رأسه .

فقالوا : لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر .

مرة أخرى : إنها التبعية المفضلة عند العرب قديما لمن يكون البوش القديم أو حديثا لمن يكون البوش الجديد

وما دروا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء ليحررهم من عبادة العباد إلى عبادة الله . وأن الله أذن لدولة العبودية في الأرض أن تزول ، وما بقي إلا أن يمدوا أيديهم ليبايعوا رسوله ، وقد بايعوه قديما وما بقي إلا أن يجددوا البيعة !!



ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ويقول : لا أكره أحدا على شيء ، من رضي الذي أدعو إليه فذاك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد منعي من القتل ، حتى أبلغ رسالات ربي . فلم يقبله أحد من تلك القبائل ويقولون : قوم الرجل أعلم به ، ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه !!

وما دروا أن الفساد إنما هو في ساحة قومه من المشركين ، وان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليصلح ما أفسدوه .

وعن ابن إسحاق : لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم حيث تمت بيعة العقبة ومن ثم كانت بيعة العقبة الأولى ، ثم كانت بيعة العقبة الثانية .

كانت تخطيطا وتدبيرا محكما لا يعفى فيه المسلمون من الجد ، والتخطيط اتكالا على نصر يتقاطر عليهم من السماء .



تعالوا إلى بيعة العقبة ، ففي سيرة مغلطاي ومستدرك الحاكم أن بيعة العقبة كانت في شهر رجب حيث استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة التي ترمي فيها الجمرة فيقال جمرة العقبة إذ لقي بها رهطا من الخزرج ، وكانوا ستة نفر وقيل ثمانية : فقال من أ نتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، فقال : أمن موالي يهود – يعني من حلفاء يهود المدينة قريظة والنضير – قالوا نعم . قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه ، صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم الإسلام ، ورأوا أمارات الصدق عليه صلى الله عليه وسلم لائحة ، فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله أنه للنبي الذي يوعدكم به يهود ، [ وهكذا سخر الله اليهود للتمهيد لظهور محمد صلى الله عليه وسلم ] فلا تسبقنكم إليه ، ذلك أن يهود كانوا إذا وقع بينهم وبينهم شيء من الشر قالوا لهم : سيبعث نبي قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتلة عاد [ نفس ما يردده اليهود اليوم من ظهور المسيح في هرمجدون لقتال المسلمين ] .

فلما دعاهم الرسول إلى الإسلام أجابوه وصدقوه وأسلموا .

وقالوا له : إنا تركنا قومنا - يعنون الأوس والخزرج – بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وتطاولت بينهما الحروب ، فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة ، أي مائة وعشرين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك .

ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم .

وفي رواية أنهم لما آمنوا به صلى الله عليه وسلم وصدقوه قالوا : إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك أي على حالك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا ، فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لعل الله يصلح ذات بينهم ، ونواعدك الموسم من العام المقبل ، فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة ، ويسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار .

فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا ، عشرة من الخزرج واثنان من الأوس ، وقيل كانوا أحد عشر رجلا ، منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم عند العقبة أولا في العام الماضي . فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم عند العقبة أيضا ، فبايعهم صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه البيعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار : أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك ، وعلى أن يرحل إليهم هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وعلى السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول الحق حيث كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم .

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن وفى فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا عوقب به في الدنيا ، فهو – أي العقاب – طهرة له ، وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله ، وإن شاء عذب وإن شاء غفر .

فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم عبد الله ابن أم مكتوم ، ومصعب بن عمير ، رضي الله عنهما : يعلمان القرآن من أسلم منهم ، ويعلمان الإسلام من أراد أن يسلم ، ويفقهانه في الدين ، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام . وهذه المبايعة يقال لها بيعة العقبة الأولى ، لوجود هذه المبايعة عندها . وأسلم من رجالات المدينة : سعد بن معاذ ، وابن عمه أسيد بن حضير رضي الله عنهما ،

وفي كلام ابن الجوزي : أن أول دار أسلمت من دور الأنصار دار بني عبد الأشهل .

ثم ذهب مصعب إلى دار أسعد بن زرارة ، رضي الله تعالى عنه ، فأقام عنده يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من سكان عوالي المدينة ، أي قراها من جهة نجد .

قال كعب : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة : أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن ، وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا ، وذلك ليلة النفر الأول .

قال : فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين ، وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام ، وهو سيد من ساداتنا فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم دعوناه للإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة .

فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هدءة ، يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان [1]، قال : فلا زلنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم ، فلما تأخروا ذهب ثم جاء بعد مجيئهم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له ، وكان معه أيضا أبو بكر وعلي إلا أن العباس أوقف عليا على فم الشعب ، عينا له ، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا ، فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله اعلم .

فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم فقال : يا معشر الخزرج – قال ذلك لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس ، وكانت تغلب الخزرج على الأوس ويقولون " الخزرجيين " قال : إن محمدا منا حيث علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا ، فهو في عز من قومه ، ومنعة من بلده ، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه وما نعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه .. فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده .

فقال البراء بن معرور : إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه ، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل أنفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي رواية أن العباس قال : قد أبى محمد الناس كلهم غيركم ، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم وائتمروا بينكم ولا تفرقوا إلا عن اجتماع ، فإن أحسن الحديث أصدقه .

ولا يصح أن يفهم من قول العباس ( قد أبى محمد الناس كلهم غيركم ) أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم ، ولا أن المراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة الذين قالوا له ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ، لكن المراد بالناس الذين أباهم : أهله وعشيرته ، لأنه إنما أراد نصرة كاملة في الدين والدنيا والله أعلم .

وعندما تكلم العباس بما ذكر قالوا له : قد سمعنا مقالتك ، فتكلم يارسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ، وفي رواية خذ لنفسك ما شئت واشترط لربك ما شئت .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشترط لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وآباءكم .

فقال ابن رواحة : فإذا فعلنا فما لنا ؟

فقال صلى الله عليه وسلم : لكم الجنة .

قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل .

لم تكن صفقة دنيوية إذن . وما كان فيها شيء من مساومة .

وفي رواية : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم .

وفي رواية أنهم قالوا له : يا رسول الله نبايعك . قال : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في الله ، لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم ، وآباءكم ، ولكم الجنة .

فأخذ البراء بن معرور بيده صلى الله عليه وسلم ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا – أي نساءنا – وأنفسنا - وكانت العرب تكني بالإزار عن المرأة والنفس – فنحن والله أهل الحرب ، وأهل الحلقة – أي السلاح – ورثناها كابرا عن كابر .

وبينا البراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو الهيثم بن التيهان – بتشديد المثناة وتخفيفها – نقبله على مصيبة المال وقتل الأشراف .

فقال العباس : اخفوا جرسكم – أي صوتكم – فإن علينا عيونا

ثم قال أبو الهيثم : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال – يعني اليهود – حبالا – أي عهودا – وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم قال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم – والهدم إهدار دم القتيل - ، دمي دمكم فدمي ودمكم واحد، هدمي وهدمكم واحد – أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته – وذمتي وذمتكم واحد ، ورحلتي مع رحلتكم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم .

وعند ذلك قال لهم العباس : عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم ، في هذا الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، يد الله فوق أيديكم ، لتجدًّن في نصرته ولتشدن من أزره .

قالوا جميعا : نعم .

قال العباس : اللهم إنك سامع شاهد ، وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته ، واستحفظهم نفسه ، اللهم كن لابن أخي شهيدا .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا إليَّ منكم اثنيى عشر نقيبا ، فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره ، فإنما يختار لي جبريل.

فلما تخيرهم وهم سعد بن عبادة ، وأسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وسعد بن خثيمة ،والمنذر بن عمرو ، وعبد الله بن رواحة ، والبراء بن معرور ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وأسيد بن حضير ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعبادة بن الصامت، ورافع بن مالك : كل واحد على قبيلة ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين .

وقال صلى الله عليه وسلم : لأولئك النقباء : انتم كفلاء على غيركم ، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ن وأنا كفيل على قومي : يعني المهاجرين .

وفي رواية أن الذي تولى الكلام من الأنصار وشد العقدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسعد بن زرارة ، وهو من أصغرهم ، فإنه اخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال : رويدا يا أهل يثرب ، إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن إخراجه اليوم مفارقة لجميع العرب ، وقتل خياركم ، وأن تعطكم السيوف ، فإما انتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ، ومفارقة العرب كافة ، فخذوه وأجركم على الله تعالى ، وإما تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر لكم عند الله تعالى .

فقالوا : يا سعد أمط عنا يدك ، فوالله لا نذر – أي نترك هذه البيعة – ولا نستقيلها ، أي لا نطلب الإقالة منها .

وفي رواية أن العباس بن عبادة بن نضلة تكلم مع الأنصار وشد العقدة ، فقال : يا معشر االخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر ، والأسود من الناس –أي على من حاربه منهم – ثم ذكر مثل ما تقدم عن أسعد بن زرارة

ثم توافقوا على ذلك .

وقالوا : يا رسول الله ما لنا بذلك إن نحن قضينا ؟

هنا يظهر جوهر الرسالة

قال : رضوان الله والجنة

قالوا : رضينا ابسط يدك

فبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوه .

وأول من بايعه صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ، وقيل اسعد بن زرارة ، وقيل أبو الهيثم بن التيهان ، ثم بايعه السبعون كلهم ، وبايعه المرأتان المذكورتان من غير مصافحة ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء ، إنما كان يأخذ عليهن ، فإذا أحرزن قال اذهبن فقد بايعتكن .

ويروى أن أبا الهيثم قال : أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر نقيبا من بني إسرائيل موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام .

وقال أسعد بن زرارة : أبايع الله عز وجل يا رسول الله ، فأبايعك على أن أتم عهدي بوفائي وأصدق قولي بفعلي في نصرك .

وقال النعمان بن حارثة : أبايع الله عز وجل يا رسول الله ، وأبايعك على الإقدام في أمر الله عز وجل ، لا أرأف فيه القريب ولا البعيد .,

وقال عبادة بن الصامت : أبايعك يا رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم .

وقال سعد بن الربيع : أبايع الله وأبايعك يا رسول الله على أن لا أعصى لكما أمرا ولا أكذبكما حديثا .

وهذه البيعة هي ما يقال لها بيعة العقبة الثانية .



فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام إظهارا كليا وتجاهروا به .

وأمر صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة .

وكان ذلك تمهيدا للهجرة الغرض منها : لم يكن لمجرد السلامة ، لكنه التحفز لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية وانتقالا من مشقة إلى مشقة .

وبدءا لجهاد تتابعت غزواته .

وكانت بزوغا لشمس الإسلام بعد أن ظهر فجره بمكة .

وكانت ظهورا للمجتمع الإسلامي بعد أن تكون أفراده في مرحلة الدعوة المكية

وكانت حجر الأساس في ظهور الدعوة الإسلامية التي حملت الدعوة ونشرت الإسلام في الجزيرة العربية كلها ، ثم في أرجاء العالم من بعد ، ليتحقق للإسلام عالميته التي لا بد أن تصطدم بأية دعوة للعالمية أو العولمة ، تنطلق من غير داره : دار الهجرة في المدينة .



إنه في هذا النوع من الهجرة- والذي قبله - جاء الحكم باستمرارها ما استمر الجهاد أو استمرت فرصة الحياة المشروطة بقبول التوبة ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد بمسنده بسنده عن أبي هند البجلي قال: «كنا عند معاوية وهو على سريره، وقد غمض عينيه، فتذاكرنا الهجرة ، والقائل منا يقول: قد انقطعت، والقائل منا يقول: لم تنقطع، فاستنبه معاوية فقال: ما كنتم فيه؟ فأخبرناه، وكان قليل الرد على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».وجاء مثله في سنن أبي داود والدارمي وغيرهما



وفي هذا النوع من الهجرة جاءت الآيات الكثيرة التي ترفع من قدر المهاجرين ، ومنها :

قوله تعالى : { الَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأولَئِكَ هُمُ الْفائِزونَ } 20 التوبة

و قوله تعالى : {إِنَّ الَّذينَ آمَنوا والَّذينَ هاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ } 218 البقرة

و قوله تعالى : { فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فالَّذينَ هاجَروا وَأُخْرِجوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأوذوا في سَبيلي وَقاتَلوا وَقُتِلوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِها الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ } 195آل عمران

و قوله تعالى : { والَّذينَ هاجَروا في اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِموا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانوا يَعْلَمونَ ، الَّذينَ صَبَروا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ } 41 - 42 النحل

وقوله تعالى { وَمَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفوراً رَحيماً } 100 النساء

وفي هذا النوع من الهجرة جاءت الإشارة إلى شرط قبولها عند الله في الحديث الصحيح ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) متفق عليه .



أما النوع الثالث من الهجرة

فتكون من دار يمكن لإنسان أن يحتفظ فيها بعقيدته ودينه وشعائره إلى دار أخرى تفضلها في ذلك كله ، تكون من دار يحدث للإنسان فيها شيء من الأذى ، يناله من المنافقين أو من أعداء الدين ، لكنه أذى محتمل ، إلى دار أخرى .. يستريح فيها من ذلك كله ، ويستمتع فيها بقوة المجتمع الإسلامي وغلبة الدولة الإسلامية .

مثل هذه الهجرة لا فائدة منها للدين ، إنما هي تستهدف الراحة والدعة ، وفيها راحة من تبعات الدعوة والجهاد في بيئة تفيد فيها الدعوة ويفيد فيها الجهاد .

مثل هذه الهجرة هي ما كان يستأذن فيه بعض المسلمين بعد فتح مكة ، كانوا يطلبون الهجرة من موطنهم إلى المدينة ، فلم يأذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما طلب إليهم الاستمرار في أماكنهم مستمسكين بدينهم ، عاملين على نشره وتوكيده فيمن حولهم ، مستعدين للقتال عندما يدعون إليه .

في هذا النوع من الهجرة جاء قوله صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري بسنده عن عن مُجاشِعِ بن مسعودٍ قال: «جاءَ مُجاشعٌ بأخيهِ مُجالِدِ بنِ مسعودٍ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مُجالدٌ يُبايعُكَ على الهجرِة. فقال: لا هِجرةَ بعدَ فتح مكةَ، ولكنْ أبايعهُ على الإسلام».

و قول عائشة رضي الله عنها فيما جاء بصحيح البخاري بسنده عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: " زُرتُ عائشةَ مع عبيدِ ين عمير الليثيّ، فسألناها عن الهجرةِ فقالت: لا هجرةَ اليوم ، كان المؤمنونَ يَفِرّ أحدُهم بدينهِ إِلى اللّه تعالى وإلى رسولهِ صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن يُفتنَ عليه، فأما اليومَ فقد أظهرَ اللّه الإِسلام، واليومَ يَعبُدُ ربّهُ حيث شاء، ولكن جهادٌ ونيّة».وقول ابن عمر فيما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن مجاهد مثله : «قلتُ لابن عمرَ، فقال: لا هجرةَ اليوم ـ أَو بعدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ـ ».

وما جاء فيما رواه البخاري في صحيحه بسنده عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ افتَتَحَ مكةَ: لا هِجرةَ، ولكِنْ جِهادٌ ونيّة، وإِذا استُنفِرتُم فانفِروا، فإنّ هذا بلدٌ حَرّمَ اللهُ يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامَةِ، وإِنهُ لم يَحِلّ القِتالُ فيهِ لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلّ لي إلاّ ساعةً من نهارٍ، فهوَ حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ القِيامةِ، لا يُعضَدُ شَوكِه، ولا يُنَفّرُ صَيدُهُ، ولا يَلتقِطُ لُقَطتَهُ إلاّ مَن عَرّفَها، ولا يُختلى خَلاها. قال العبّاسُ: يا رسولَ اللهِ إلاّ الإِذخِرَ، فإِنه لِقَينِهم ولِبُيوتهم. قال: قال: إلاّ الإِذخِرَ».



ومن هنا جاء رده صلى الله عليه وسلم على من سأله متخوفا من ضياع الثواب على من لم يهاجر كما جاء في سنن النسائي بسنده عن عَنْ صَفْوَانَ بْنِ اُمَيّةَ قَالَ: ( قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنّهُمْ يَقُولُونَ إنّ الْجَنّةَ لا يَدْخُلُهَا إلاّ مَنْ هَاجَرَ قَالَ: لا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكّةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيّةٌ فَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.) وقد روي مثله في سنن أبي داود والبيهقي والترمذي الذي قال فيه : حديث حسن صحيح .



وللعلماء أقوال في تضعيف بعض روايات هذا الحديث ، ففي كتاب الجهاد لأحمد بن عمرو ابن أبي عاصم الضحاك – ت 287 هـ – روى الحديث بسنده عن ابن عباس ثم قال : إسناده ضعيف والحديث صحيح .



وقال عبد الرحمن الرازي ت 327 هـ : سألت أبي عن حديث رواه الوليد عن شيبان عن الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " فقال أبي : هذا وهم – أي في السند – وإنما هو الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .



وفي تفسير ابن كثير قال : ( وقال الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال : لما نزلت هذه السورة " إذا جاء نصر الله والفتح " قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها فقال الناس : حيز وأنا وأصحابي حيز ، وقال – أي النبي صلى الله عليه وسلم – " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " يقول ابن كثير : وهذا الحديث الذي أنكره مروان على أبي سعيد الخدري ليس بمنكر ، فقد ثبت من رواية ابن عباس ، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما . )



وقال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم " لا هجرة بعد الفتح " ( قال العلماء الهجرة من دار الحرب إلى دارالإسلام باقية إلى يوم القيامة ، وفي تأويل هذا الحديث قولان : الأول : لا هجرة بعد الفتح لأنها صارت دار إسلام ، وإنما تكون من دار الحرب

والثاني : معناه لا هجرة بعد الفتح أي نفي أن يكون فضلها بعد الفتح كفضلها ما قبل الفتح كما قال تعالى : { وَما لَكُمْ أَلّا تُنْفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ ميراثُ السَّماواتِ والْأَرْضِ لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنْفَقوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلونَ خَبيرٌ } الحديد 10 )

وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَدّوا لَوْ تَكْفُرونَ كَما كَفَروا فَتَكونونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِروا في سَبيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذوهُمْ واقْتُلوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ وَلا تَتَّخِذوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصيراً } النساء 89

قال القرطبي : ( والهجرة أنواع :

منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال : لا هجرة بعد الفتح "

وهجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات

وهجرة من أسلم من دار الحرب فإنها واجبة [ أقول بشروطه التي ذكرناها في النوع الأول والثاني مما قدمناه ]

وهجرة المسلم ما حرم الله عليه كما قال صلى الله عليه وسلم " والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه " وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن

وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم ، فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه )



والخلاصة أن الحكم يختلف باختلاف المقصود من الهجرة وظروفها :

إذا كانت تستهدف الفرار بالدين من دار يتحقق فيها الخطر عليه فهي واجبة ، وهكذا كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة .



وإذا كانت تستهدف الإعداد لحال جديد من الجهاد في سبيل الله والتمهيد لنصر حاسم على الأعداء فهي واجبة ، وهكذا كانت هجرة المسلمين إلى المدينة .



وإذا كانت تستهدف الراحة والتخلص من مشقة الجوار مع المنافقين أو من هم أقل درجة في الإسلام فتلك هي الهجرة التي منعها رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذه الهجرة غير المشروعة إسلاميا هي التي تكون في مثل ظروف المسلمين بعد فتح مكة حيث قد توفر لهم شيء من القوة والمنعة : تحميهم وتدافع عنهم ، هي تلك الهجرة التي تكون من أجل التخلص من أذى محتمل إلى دار أخرى يستمتع فيها المسلم بالدعة ، والراحة ، أو يتخلص فيها من متاعب الدعوة وتبعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يفلت فيها من مشقات الجهاد في بيئة تفيد فيها الدعوة ويفيد فيه الجهاد .





ونحن اليوم ندفع ثمن " الهجر " عندما تركنا سنن الهجرة :

يتساءلون : لماذا ننهزم في معاركنا جميعا : عسكرية ، واقتصادية ، وتربوية ، و.. على جميع المستويات ، هزائم في أدنى المستويات ؟

والجواب : لأننا ندفع فاتورة الحساب ، ولابد أن تدفع بعد أن تأجلت . ولأن فاتورة الحساب هذه هي من وارد ما أقمنا عليه البناء من قبل .

أهملنا السنة – أو هجرناها – سواء في القيام بواجب الهجرة عند ما تقتضي مراغمة للمشركين ونصرا للمهاجرين المسلمين كما كان الحال في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو النوع الثاني الذي قدمناه ، أو في عدم القيام بها إذ يقتضي ذلك تشبثا بالأرض واستعدادا ليوم الكريهة " جهاد ونية "



نحن اليوم ندفع ثمن هجرنا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان علينا أن نهاجر معه أو إليه : إلى سنته فنعمل بها .

كان علينا أن نهاجر إلى سنته ولكننا هجرناها .

هجرنا سنته في سنن الحرب والجهاد ، فخسرنا فتح فرنسا : نعم خسرنا فتح فرنسا على يد عبد الرحمن الغافقي ، خسرناها بمخالفة استمرارنا على الجهاد ، خسرنا فتح فرنسا بمخالفة شبيهة بمخالفة بعض المسلمين في غزوة أحد ، وخسرنا فرنسا بمخالفة سنته صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بأمر المسلمين ، بمعرفة أحوال المسلمين ، بمعرفة تاريخ الإسلام ، وليسأل القارئ عمن يعرف شيئا عن هذه القضية

وخسرنا الأندلس ، وخسرنا الهند ، وخسرنا شرق أوربا ، وخسرنا فلسطين ، وخسرنا المسجد الأقصى ، وها نحن نخسر العراق ، ثم نخسر أمن الشرق الأوسط ، ثم نخسر أمن المسجد الحرام


وهجرناها في سنة الوحدة

هجرنا سنته صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بأمر المسلمين – وهو أقل درجات الوحدة – فأسقطنا المسلمين المضطهدين من حسابنا خوفا من تهمة الإرهاب



وهجرنا سنته صلى الله عليه وسلم عند ما هاجرنا حيث لا تجوز الهجرة ، حيث منعها الرسول صلى الله عليه وسلم : في الأندلس مثلا ( النوع الثالث ) ، وقد يتساءل البعض : وكيف كانوا لا يهاجرون وقد انصب عليهم العذاب ، نقول : يستعدون لهذا اليوم قبل أن يقع فربما - أو أغلب الظن - أنه كان لا يقع ، " جهاد ونية " ، "جهاد ونية " نستعد له لا بالاستمتاع بالدنيا وعيش النعومة ، والأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها .

إنه ليس من طبيعة الأشياء بالنسبة للمسلم أن يأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها ، لأن أرضه التي يقف عليها إنما فتحت له بالجهاد والنية ، فإذا تخلى عن الجهاد والنية وشرع يأخذ من الدنيا بأقصى ما يأخذه منها أهلها كان لا بد من أن ينفصل عن فيزيائيته الخاصة ، وكان من ثم لابد من أن تتزلزل أرضه تحت قدميه

إن أفقر الفقراء فينا اليوم يأخذون بدين هذه الحياة الدنيا فيتقاتلون بعضهم مع بعض ، ويتقاتلون بالانضمام إلى صفوف أعدائهم الذين يعملون على إبادة المسلمين ، يتقاتلون هكذا للأخذ من هذه الدنيا بأقصى ما يأخذه أهلها منها ، بينما كان أغنى الأغنياء في جيل الصحابة والسلف الصالح يأخذون بدين الآخرة فيأخذون من الدنيا بتواضع ، يأخذون ما يوصلهم لثواب الآخرة . وهذه هي المفارقة .

أنظروا إلى بعض الأقليات في بعض البلاد الإسلامية : لقد أصبحت سرا ترسانات أسلحة ..هكذا الرجال ، واليوم نبكي كما تبكي النساء ملكا لم نحافظ عليه كما يحافظ الرجال .

إن المسلمين – في قضية الهجرة – إنما يقيمون على أرضهم بتأشيرة إقامة إلهية باسم الإسلام ، فإذا فقدوا هذه التأشيرة أو تنازلوا عنها لم يكن لهم أرض ولا وطن ولا هجرة .

والله أعلم ، وبالله التوفيق .







---------------

[1] \ هما : أم منيع ونسيبة – بالتصغير – وهي أم عمارة من بني النجار ، وكانت من بعد تشهد الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هي وزوجها وابناها حبيب وعبد الله رضي الله عنه ، وحبيب هذا اكتنفه مسيلمة الكذاب وصار يعذبه ويقول له : أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم ، ثم يقول : وتشهد أني رسول الله ؟ فيقول : لا ، فيقطع عضوا من اعضائه ن وهكذا حتى مات . وقد وقع لنسيبة رضي الله عنها ما وقع في حرب مسيلمة الكذاب

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان