نبيل شبيب
ماذا بعد ليلة القدر؟..

د. عبدالله السهلي
الإيمان إكسير الحياة

د محمد عباس
محمد عفيفي مطر.. إلى اللقاء..!!

ورثة الأنبياء 8
ابن حربويه .. آخر من ركب إليه الأمراء
11/28/2009

د. محمد عبد المجيد لاشين :


القضاء في الإسلام بين الجد والهزل
ـــــــــــــــ
من ابن حربوية إلى القاضي النطَّاح
ــــــ
أ تذكر قول الشاعر القديم :
إذَا كَانَ رَبُّ الْبَيْتِ بِالدُّفِّ ضَارِبًا فَشِيمَةُ أهْلِ الْبَيْتِ كُلِّهِمُ الرَّقْصُ ؟
وإذا كان ربُ البيت الَّذي أعنيه هنا هو رئيس الدولة أيًّا كان لقبه ـ أمير المؤمنين أو الخليفة أو الحاكم أو السلطان أو الملك أو الأمير أو الشيخ أو رئيس الجمهورية ... ـ كانت الرَّعيَّة على دينه ومذهبه ؛ تسير سيرته ، وتقتدي به في أقواله وأفعاله ، وقد قيل : "كما تكونون يولَّى عليكم" ؛ فالفساد يبدأ بالرأس ، ثمَّ يسري في الجسد كله ، واقرأ درس التاريخ :
` كان الخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ / 715م) يرسل الجيوش للغزو ، وفي عهده وصلت جنود الرحمن إلى الهند في الشرق ، والأندلس وجنوب فرنسا في الغرب ، فكانت مسافة دولته مسيرة ستة أشهر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ، كما كان مولعًا بالبناء والعمارة ، فجدَّد المسجد الحرام في مكة المكرَّمة ، ومسجد الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في المدينة المنوَّرة ، وقبَّة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس الشريف ، والجامع الأموي العظيم في مدينة دمشق ... وغيرها في طول البلاد وعرضها .
` وكان أخوه سليمان بن عبد الملك (ت 99 هـ / 717م) مع حبِّه للعدل والجهاد كانت شهرته الأكل والزواج ، يحكي السيوطي أنَّه أكل في مجلس واحد : خروفًا ، وست دجاجات ، وسبعين رمَّانة ، ومكوك زبيب طائفي .
` ثمَّ جاء من بعدهما خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ / 720م) التقي النقي ، أخرج الترمذي في تاريخه أنَّ سيِّدنا عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول : من ولدي رجل ، بوجهه شجَّة ، يملأ الأرض عدلاً .
قال الطبري في تاريخه : كان الوليد صاحب بناء واتِّخاذ للمصانع والضِّياع ، وكان الناس يلتقون في زمانه فإنَّما يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع والفتوحات ، فولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام ، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والجواري وأطايب الطعام ، فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل : ما وِرْدُكَ الليلة ؟ وكم تحفظ من القرآن الكريم ؟ ومتى تختم ؟ ومتى ختمت ؟ وما تصوم من الشهر ؟
وإذا تركنا درس التاريخ القديم إلى درس التاريخ الحديث والواقع الِّّذي نعانيه ، وهو الزمن الَّذي يصدق فيه قول الشاعر :
نَحْنُ وَاْللهِ فِي زَمَانٍ رَدِيءٍ لَوْ رَأَيْنَاهُ فِي الْمَنَامِ فَزِعْنَا
فالناس في زماننا هذا يلتقون ، فيسأل بعضُنا بعضًا عن أخبار "الفساد" الَّذي استشرى في الوطن العربي كله من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ، وأصبح سمة العصر وعنوانه ؛ وأصبح حكَّامنا النشامى الأماجد ـ ولا تستثن منهم أحَدًا ـ عونًا للصهيوني الغاصب ، ويدًا للعدو الباطش ، وحربًا على الشعب المكبَّل بالحديد ، وقد نهبت ثروته ، واستبيحت أرضه ، وانتهك عرضه ، وأنْسِيَ دينه ، وشُوِّه تاريخه ، واستبعدت ثقافته ، وامتهنت لغته ، والأكثر سوءًا في تاريخهم الأسود وعهدهم البغيض إثارة الفتن الداخلية ، وبذر بذور الفتنة والعداوة والفرقة بين الأشقاء لأسباب تافهة يخطِّطون لها بخبث ومكر ، وينفِّذها الغوغاء وخشارة الناس بحمق وسفالة ، وينفقون أمولا طائلا ما أحوج الوطن إليها في البناء والتعمير ، وتذكَّر ما حدث ويحدث بسبب مباراة في كرة القدم بين الجزائر ومصر جرت معركة وقائعها الدامية على أرض السودان الَّذي جرُّوه جرًّا إلى عداوات هو في غنى عنها ، وكأنَّ ما يعانيه من الفرقة والحروب والهموم لا يكفيه .
تذكَّر ما حدث في تلك المباراة ، واحسب ما أهدر فيها من أموال ، وتأمَّل المواقف الهزلية الفكهة الجبانة الحقيرة لحكام وحزبيين وساسة وقادة وإعلاميين ـ وكلُّهم فقد صوابه وإنسانيَّته وحياءه ، وخرج علينا الشخص منهم بوجه كالح بارد يستعرض شهامته ومروءته وملْء فمه كرامة المواطن وعزَّة الوطن ـ واسأل هؤلاء الحمقى المغفلين المنافقين : أليس اغتصاب الأرض واحتلال فلسطين وهدم الأقصى وحبس الأبرياء ، وتدمير التعليم والزراعة والصحة وعَلْف البشر بالطعام المسرطن وسقْيهم الماء الملوث بالمجاري وتعذيب المواطنين وقتلهم أليس كل ذلك أولى بالغضب للكرامة الَّتي ضيَّعتموها والعزَّة الَّتي أذللتموها...وقل لي بربَّك : ألايستحق هؤلاء أنْ يحجر عليهم شرْعًا للسفه والحمق وسوء التصرُّف ؟
روى ابن إياس في تاريخه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" في سيرة الحاكم بأمر الله الفاطمي أنَّ قاضيا من قضاته صنع قلنسوة ، وركَّب فيها قرني بقرة ، فإذا لم يعجبه قول أحد الخصمين لبس قلنسوته ، وقام من مجلسه ، وواجه الخصم ، وأخذ ينطحه بالقرنين نطحًا موجعًا ، وشهر بين الناس بلقب "القاضي النطَّاح" .
ولَمَّا بلغ الحاكم خبره ، أرسل إليه ، ولامه على فعله ، وأنَّه أهان القضاء ، وانتقص من هيبة القاضي ، وعرَّض مكان العدل للسخرية والاستهزاء .
فقال القاضي للحاكم : لو حضرت مجلسي ، وجلست من خلف ستارة ، ترى وتسمع ، ولا يراك أحد ، ربَّما وجدت لي عذرًا ، فاحضر ، ثمَّ احكم .
وفي يوم من الأيَّام حضر الحاكم مجلس القضاء ، واستتر عن الخصوم ، وحضر رجلان ، قال أحدهما للقاضي إنَّ لي عند هذا الرجل مائة دينار ، ومَطَلَنِي حقِّي .
وسأل القاضي الرجل الثاني : أأنت مدين لهذا الرجل بمائة دينار ؟
قال : نعم .
ـ متى تدفعها له ؟
ـ لا يمكنني سدادها دفعة واحدة ، وإنَّما على دفعات .
ـ لا بأس ، أ تستطيع سداد عشرة دنانير في كل الشهر ؟
ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع .
ـ خمسةَ دنانير ؟
ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع .
ـ دينارًا واحدًا ؟
ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع .
ـ نصفَ دينار ؟
ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع .
ـ كم تستطيع أنْ تدفع إذن ؟
ـ أستطيع سداد 300 درهم في السنة ، وبشرط أنْ تضع صاحب المال في السجن لكي أعرف مكانه ، فإذا توفَّر المبلغ معي عرفت مكانه ، فدفعته إليه ؛ لأنَّني أخشى إذا كان معي المال ، وليس محبوسًا ألاَّ أعرف مكانه ، فلا أتمكَّن من الوصول إليه .
عندما سمع الحاكم هذا الحوار ، برز من مجلسه ، واتَّجه إلى القاضي قائلاً : إن لم تنطحه أنت نطحته أنا ؟
هل كان من الممكن أنْ يوجد هذا القاضي النطَّاح إلاَّ في عهد الحاكم بأمر الله ؟
فمن هو الحاكم بأمر الله ؟
هو منصور بن نزار بن معد ، العُبَيْدِي ، الفاطمي ( 1 ) تولَّى حكم مصر بعد وفاة أبيه سنة 386 هـ / 996 م ، وعمره إحدي عشرة سنة ، وفي سيرته متناقضات عجيبة ، فهو يأمر بالشيْء ثمَّ يعاقب عليه ، وأسرف في سفك الدماء ، وادَّعى الألوهيَّة ،
وفي مقابل هذه الصورة الهزلية للقاضي النطَّاح أمامنا صورة أخرى للقاضي الجاد الوقور المهيب ابن حَرْبَوَيْه آخر القضاة الَّذين ركب إليهم الأمراء ، وحضروا مجلسه ؛ فلم يكن يذهب إلى أمير إذا دعاه ، ولا يقوم إليه إذا أتاه .
قيل : إنَّ شخصا يقال له إبراهيم أصبح في منزله يوما جنبا ليس معه شيء يدخل به الحمَّام ، قال فخرجت رجاء صديق يدخلني الحمام ، فإذا بغريم على بابي يطالبني بخمسة دنانير ، فحدثته حديثي فقال ما نفترق إلا إلى القاضي ، فتوجهنا إلى القاضي أبي عبيد فوجدناه خارجا من المسجد وبين يديه غلام أسود خصي ، فقال له خصمي : أيَّد الله القاضي ، انظر في أمري ، فإني بِتُّ على بابك والقاضي مطرق لا ينظر إلينا حتى دخل داره ، وليس على بابه حاجب ولا أحد ثم خرج إلينا الغلام ، وقال : ادخلا ؛ فدخلنا فوجدناه جالسا في وسط مجلسه .
فقال : تكلَّما ، فسبقت أنا ، فصرت المدَّعِي .
فقلت : أيَّد الله القاضي ، لي على هذا خمسة دنانير .
فقال مصرية ؟
فقلت : نعم .
فقال : حالَّة ؟ [ يريد : حان وقت سدادها ]
فقلت : نعم .
فقال للخصم : ما تقول ؟
فضحك متعجبا من فعلة خصمه ووقاحته ، ولمَّا سمع القاضي الرجل يضحك صاح صيحة ملأت الدار ، وقال : مَهْ ، مِمَّ تضحك ؟ لا أضحك الله سنَّك ، تضحك في مجلس اللهُ مطَّلعٌ عليك فيه ؟ ويْحك ، تضحك وقاضيك بين الجنَّة والنار ؟
فأرعب القاضي الرجل ، وقال : أنا أدفع إليه ، قم ، فقمنا ، فلما خرج قال لي امض فأنت في حل .
فقلت : ما نفترق إلا بخمسة دنانير ، ارجع بنا إلى القاضي ، فأعطاني دينارًا .
كان من أثر تلك الصيحة المدوِّية أنْ أُرْعِبَ الرجل ، ومرض بعدها ثلاثة أشهر ، فكنت إذا عدته يقول لي : صيحة القاضي في قلبي إلى الساعة وأحسبها تقتلني .
فمن هو ابن حربويه هذا القاضي الجليل المرعب ؟ إليك تعريفًا به وبمكانته :
الاسم : أبو عبيد ، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى ، البغدادي ، القاضي ، ابن حَرْبَوَيْه (232 ـ 319 هـ / 847 ـ 931م) ( 2 ) ، وهو فقيه ، مجتهد ، فصيح ، عاقل ، عفيف ، قوَّال بالحق متعصِّب له ، سمْحُ جواد ، مولده ووفاته في بغداد .
صفاته : كان ابن حربويه مثلاً أعلى للعدالة ، لا يطعن في حكمه أحد ، ولا يشكَّ خصم في نزاهته ، ولا تلحقه تهمة ، وبلغ رتبة الاجتهاد ؛ فكان يختار في أحكامه أصح الآراء عنده من جميع المذاهب ، قال أبو حفص عمر بن علي ، المطوعي (ت 440 هـ / 1048م) فى كتاب "المذهب" إنه تخرج بأبى ثور ( 3 ) ، وكان من خواص أصحابه ، وكان يسلك مناهجه في الاختيارات التى اختص بها والتخريجات التى تفرد باستنباطها ، وكان ابن حربويه يرى أنَّ من قلَّد فهو متعصِّب أو غبي ، وحكم بما لو حكم به غيره ما سكتوا عنه ، ومع ذلك لم ينكر عليه أحد شيئًا من أحكامه .
شيوخه : روى عن جماعة من العلماء الكبار ، منهم :
` أبو الأشعث ، أحمد بن المقدام ، العجلي ، البصري (ت 253 هـ / 867م)
` وأبو يعقوب ، يوسف بن موسى بن راشد ، الكوفي القطَّان (ت 253 هـ / 867م)
` وأبو علي ، الحسن بن عرفة بن يزيد ، العبدي (ت 257 هـ / 871م)
` وأبو طالب ، زيد بن أخزم ، الطائي (ت 257 هـ / 871م)
` وأبو علي ، الحسن بن محمد بن الصباح ، الزعفراني (ت 260 هـ / 874م)
` أبو سليمان ، داود بن علي بن خلف ، الأصبهاني ، إمام أهل الظاهر (ت 270 هـ / 884م) ، وغيرهم كثيرون .
تلاميذه : روى عنه جماعة من المشاهير ، منهم :
` أبو عبد الرحمن ، أحمد بن علي بن شعيب ، الإمام النّسائي (ت 303 هـ / 915م) روى عنه في صحيحه في سنة ثلاث مائة .
` وأبو بكر ، محمد بن إبراهيم بن علي ، ابن المقرئ ، (ت 381 هـ / 991م)
` وأبو عمر ، محمد بن العباس بن محمد بن زكريا ، ابن حيُّوَيْه (ت 382 هـ / 992م)
` وأبو حفص ، عمر بن أحمد بن عثمان ، البغدادي ، ابن شاهين (ت 385 هـ / 995م) ، وجماعة .
وقال عنه الشيخ أبو زكريَّا محيي الدين يحيى بن شرف ، الإمام النووي (ت 676 هـ / 1277م) : كان من أصحاب الوجوه ، وروى عنه في كتابيه : "المجموع شرح المهذَّب" ، و "الروضة" .
وكان عالِمًا بالاختلاف والمعاني والقياس ، عارفا بعلوم القرآن والحديث ، وفي كتاب "أخبار قضاة مصر" للمؤرخ المصري الحسن بن إبراهيم بن الحسين ، المعروف بابن زولاق (ت 387 هـ / 997م) أطال فى ذكر أخبار القاضى أبى عبيد ، والثناء على محاسنه وقول أهل مصر إنهم لم يروا قبله ولا بعده قاضيا مثله ، ووصفه بأنَّه من فحول العلماء ، وذكر أن تواقيعه جمعت وكتبت لفصاحتها وبلاغتها وأنه كان إذا تكلم بكلمة طارت في البلد إعجابا بها .
كان ابن حربويه مهيبا وافر الحرمة ، وكان عليه من الوقار والحشمة ما يتذاكره أهل بلده ؛ فلم يره أحد يأكل ، أو يشرب ، أو يلبس ، أو يغسل يديه ، وإنَّما كان يفعل كلَّ ذلك في خلوة ، وفي الوقت نفسه لم يره أحد يتمخَّط ، أو يبصق ، أو يَحُكُّ جسمه ، أو يمسح وجهه ، وكان إذا ركب لا يلتفت ، ولا يتحدَّث مع أحد ، ولا يصلح رداءه ، وكان ينهى أن يتلفظ لافظ في مجلسه بذكر الطعام أو النساء .
قال عنه أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المؤرخ (ت 347 هـ / 958م) في كتابه "ذكر الغرباء الواردين على مصر" : هو قاضي مصر ، أقام بها طويلاً ، وكان شيئًا عجبًا ، ما رأينا مثله ، لا قبله ، ولا بعده .
وظائفه :
1 ـ ولي قضاء واسط قبل مصر .
2 ـ ثمَّ ولي قضاء مصر في سنة 293 هـ / 906 م وبقي في منصبه مدة ثماني عشرة سنة وستة أشهر ، وعزل عن القضاء بناء على طلبه ، في سنة 311 هـ / 923 م ، فقد كتب يستعفي من القضاء ، ووجَّه رسولاً إلى بغداد يسأل في عزله ، وأغلق بابه ، وامتنع من الحكم ؛ فأُعْفي من منصبه ، ورجع إلى بغداد ، وكان يقول : ما لي وللقضاء ، لو اقتصرت على الوِرَاقَة ، ما كان خطِّي بالرديء .
آثاره : له مؤلفات ، فقد أملى مجالس بعد عزله ، وجمع أحكامه بمصر باختياره .
مواقفه المشرفة :
! كان لا يُؤَّمِّر أحدًا من ولاة مصر ، بل كان يدعوهم بأسمائهم ، ويستدعيهم إلى مجلسه إذا احتاج إلى مساءلتهم أو شهادتهم ، ولا يذهب إليهم في مجالسهم .
! كان مؤنس الخادم ( 4 ) أكبر أمراء الخليفة المقتدر ( 5 ) ، وكان في خدمته سبعون أميرا سوى أصحابه ، وعلت منْزلته إلى درجة أنْ كان يخطب له على جميع المنابر مع الخليفة ، ورد إلى مصر فى عسكر كبير ، فعرض له مرض شديد ، أوشك منه على التَّلف ، فأرسل إلى القاضى يطلب منه شهودًا يشهدهم عليه أنه أوصى بوقف قرى كثيرة على سبيل البر ، وبعتق ست مائة مملوك ، وبأنواع من الخير .
فقال القاضى حتى يثبت عندى أنَّ مؤنسا حر ـ هذا ومؤنس أكبر أمراء الإسلام ـ فصمم القاضى ، وقال إنْ لم يرد علىَّ كتاب المقتدر أنه أعتقه وإلا فلا أفعل .
ولَمَّا ورد كتاب أمير المؤمنين المقتدر إلى مؤنس استدعى بعض الأمراء ليوصله إلى القاضي ؛ فهاب القاضى ، فدعى تكين ( 6 ) أمير مصر وحمَّله أنْ يذهب إلى القاضي ويوصل الكتاب إليه ، فأتى إلى القاضي ، وأومأ بيده إلى أنْ ناوله الكتاب .
فقال القاضي : ما هذا ؟
فقال : كتاب أمير المؤمنين .
فقال : أمن يدك ؟
فقال : بلى .
فقال : لا أخذه إلاَّ من يد شاهدين عدلين يشهدان أنَّه كتاب أمير المؤمنين .
ولَمَّا شهد شاهدان عدلان على أنَّه كتاب أمير المؤمنين ، عندئذ أرسل له الشهود.
! كان تكين ـ أمير مصر ـ يحبه ، ويحترمه ، وكان يأتي مجلسه زائرًا ، ولا يدعه يقوم له ، وإذا جاء هو إلى مجلس تكين مشى تكين له ، وتلقَّاه بترحاب ، وأخذ بمشورته ، وكان أبو عبيد إذا ذكر تكين ـ أمير مصر ـ يقول أبو منصور تكين ، ولا يقول الأمير .

ركب أبو عبيد مرة إلى أمير مصر تكين وهو بالجيزة في كائنة اتفقت له ، وكانت الكائنة التي خرج فيها تكين إلى الجيزة قد قتل فيها في الواقعة على ما قيل نحو من خمسين ألفًا ، وأراد تكين أنْ يحفر لهم خندقا ، ويدفنهم ، فخرج إليه القاضي : وقال : إنك إنْ فعلت ذلك تلفت المواريث ، ولكن ناد في الناس من له قتيل يأخذه ، ففعل تكين ما قاله .
! قال ابن زولاق وجرى للقاضي في هذا الخروج إلى الجيزة خبر عجيب ، حركه البول وهو راجع ، فعدل إلى بستان فنَزَل ، وبال ، واستنجى ، وتوضَّأ من مائه ، ثم انصرف ، ثم سأل بعد أيام عن البستان ، فقيل : لفلانة ، فأرسل إليها ، يستأذنها على الحضور إليها ؛ فارتاعت لذلك ، وقالت : أنا أركب إليه ـ وكانت من أهل الأقدار ـ فأبى ، فركب إليها أبو عبيد ، وقد فرشت له الدار ، وحسَّنتها .
فقال لها : البستان لك وحدك بلا شريك ؟
فقالت : نعم ، وأنا التي أسقيه من مائي .
قال : فأنا نزلت في أرضه ، وتوضَّأت من مائه ، فخذي ثمن ذلك ، فبكت .
وقالت : أيها القاضي ، أنت في حل ، ولو علمت أنَّ القاضي يقبله هدية لأهديته إليه .
فقال لها : عن طيب نفس تركت ، ولم تتركي ذلك لأجل القاضي وحرمته .
فقالت : نعم ، فانصرف .
ـــــــــــــ الهوامش والتوثيق ـــــــــــــ
1 ـ هو أبو علي ، منصور "الحاكم بأمر الله" بن نزار "العزيز بالله" بن معد "المعز لدين الله" (375 ـ 411 هـ / 985 ـ 1021م) الخليفة الفاطمي ، خطب له على منابر مصر والشام وأفريقية والحجاز ، وأخبار جبروته كثيرة ، ويبدو أنَّ أكثر ما قيل عنه أكاذيب ؛ فقد تقوَّل عليه المؤرخون السنيون ، وشنَّعوا عليه ، ولمَّا ظهرت كتب الشيعة ووثائق الدولة الفاطمية كتب أستاذنا الدكتور عبد المنعم ماجد ـ رحمه الله ـ كتابه "الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه" عرض فيه لأقوال المؤرخين المغرضين الَّذين كانوا يلقِّبوبه "الحاكم بأمر الشيطان" كما ذكر أقوال المؤرخين المنصفين ، وإنْ كان هناك اتفاق بين الجميع على غرابة أطواره ، وتناقض أقواله وأفعاله .
انظر : العبر 2/219 ، دول الإسلام 1/245 ، سير أعلام النبلاء 15/173 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [401 ـ 420] 283 وفي هامشه جريدة ضخمة من المصادر ، الإعلام بوفيات الأعلام 1/277 ، البداية والنهاية 12/10 ، إتعاظ الحنفا 2/3 ، حسن المحاضرة 2/13 ، شذرات الذهب 3/192 ، الأعلام 7/305 .
2 ـ راجع ترجمة ابن حربويه في : الولاة والقضاة ، للكندي 523 ، طبقات الفقهاء الشافعية ، للعبادي 68 ، المنتظم ، لابن الجوزي 6/238 ، تاريخ بغداد 11/395 ، طبقات الفقهاء ، للشيرازي 90 ، تهذيب الأسماء واللغات 2/258 ، سير أعلام النبلاء 14/536 ، تذكرة الحفاظ 3/803 ، العبر 2/176 ، دول الإسلام 1/193 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [301 ـ 320] 586 ، الوافي بالوفيات 21/19 ، طبقات الشافعية الكبرى 3/446 ، البداية والنهاية 11/167 ، طبقات الشافعية للأسنوي 1/397 ، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/96 ، تهذيب التهذيب 7/203 ، تقريب التهذيب 2/35 ، رفع الإصر عن قضاة مصر 2/389 ، النجوم الزاهرة 3/231 ، حسن المحاضرة 1/312 و2/145 ، طبقات ابن هداية الله 53 ، شذرات الذهب 2/281 ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 338 ، الأعلام 4/277 ، معجم المؤلفين 7/72 .
3 ـ أبو ثور ، إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان ، الكلبي ، البغدادي (ت 240 هـ / 854م) فقيه ، مجتهد ، صاحب الإمام الشافعي ، وهو أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا ، له مؤلفات كثيرة ، منها : الطهارة ، الصلاة ، الصيام ، المناسك ، وكتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي . انظر : التاريخ الصغير ، للبخاري 233 ، الجرح والتعديل 2/97 ، الثقاة لابن حبَّان 8/74 ، مسالك الأبصار 5/670 ، المعين في طبقات المحدثين 83 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [231 ـ 240] 63 ، الإعلام بوفيات 1/167 ، سير أعلام النبلاء 12/72 ، دول الإسلام 1/146 ، الوافي بالوفيات 5/344 ، الأعلام 1/37 ، معجم المؤلفين 1/28 .
4 ـ مؤنس الخادم ، الملقَّب بالمظفر المعتضدي (231 ـ 321 هـ / 846 ـ 933م) أحد الخدَّام الَّذين بلغوا رتبة الملوك ، وكان أبض فارسا شجاعل من الدهاة ، ولي دمشق للمقتدر ، ثم غدر بمولاه ، وقتله . انظر : شذرات الذهب 2/291 ، الأعلام 7/335 .
5 ـ أبو الفضل ، جعفر بن أحمد بن طلحة ، المقتدر بالله ، الخليفة العباسي (282 ـ 320 هـ / 895 ـ 932م) تولى الخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي ، وكان صغير السن ، وطالت أيَّامه ، وكثرت فيها الفتن والحروب ، وقتل القرمطي خلقا كثيرا ، واستولى على الحجر الأسود ، واقتلعه من مكانه ، وانتشر الفساد في البلاد ، وهو يلهو مع وزرائه ، ويقضون أوقاتهم في الصيد والقصف وتبذير الأموال ، قتله مؤنس الخادم . انظر : تاريخ الإسلام ، للذهبي [301 ـ 320] 603 ، سير أعلام النبلاء 5/43 ، العبر 2/8 ، اإعلام بوفيات الأعلام 1/220 ، الوافي بالوفيات 11/94 ، مرآة الجنان 2/280 ، شذرات الذهب 2/284 ، الأعلام 2/121 .
6 ـ أبو منصور ، تكين بن عبد الله ، الخزرجي ، ويلقَّب بتكين الخاصَّة (ت 321هـ / 933م) مولى أمير المؤمنين المعتضد ، ولاَّه المقتدر مصر ثلاث مرَّات ، وبها توفي . انظر : تاريخ دمشق ، لابن عساكر 3/340 ، الوافي بالوفيات 10/386 .
ــــــــــــــ


m_lashin20 @ maktoob.com

د. إبراهيم عوض
نصر أبو زيد أغلاط ومغالطات (1من2)

محمد يوسف عدس
مع بيجوفيتش فى ثنائيته التكاملية

محمود زاهر
ثمن التفريط سيكون فادح

طلعت رميح
حلف الأطلنطي... ما بعد أفغانستان

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان