|
د. محمد عبد المجيد لاشين :
القضاء في الإسلام بين الجد والهزل ـــــــــــــــ من ابن حربوية إلى القاضي النطَّاح ــــــ أ تذكر قول الشاعر القديم : إذَا كَانَ رَبُّ الْبَيْتِ بِالدُّفِّ ضَارِبًا فَشِيمَةُ أهْلِ الْبَيْتِ كُلِّهِمُ الرَّقْصُ ؟ وإذا كان ربُ البيت الَّذي أعنيه هنا هو رئيس الدولة أيًّا كان لقبه ـ أمير المؤمنين أو الخليفة أو الحاكم أو السلطان أو الملك أو الأمير أو الشيخ أو رئيس الجمهورية ... ـ كانت الرَّعيَّة على دينه ومذهبه ؛ تسير سيرته ، وتقتدي به في أقواله وأفعاله ، وقد قيل : "كما تكونون يولَّى عليكم" ؛ فالفساد يبدأ بالرأس ، ثمَّ يسري في الجسد كله ، واقرأ درس التاريخ : ` كان الخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ / 715م) يرسل الجيوش للغزو ، وفي عهده وصلت جنود الرحمن إلى الهند في الشرق ، والأندلس وجنوب فرنسا في الغرب ، فكانت مسافة دولته مسيرة ستة أشهر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ، كما كان مولعًا بالبناء والعمارة ، فجدَّد المسجد الحرام في مكة المكرَّمة ، ومسجد الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في المدينة المنوَّرة ، وقبَّة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس الشريف ، والجامع الأموي العظيم في مدينة دمشق ... وغيرها في طول البلاد وعرضها . ` وكان أخوه سليمان بن عبد الملك (ت 99 هـ / 717م) مع حبِّه للعدل والجهاد كانت شهرته الأكل والزواج ، يحكي السيوطي أنَّه أكل في مجلس واحد : خروفًا ، وست دجاجات ، وسبعين رمَّانة ، ومكوك زبيب طائفي . ` ثمَّ جاء من بعدهما خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ / 720م) التقي النقي ، أخرج الترمذي في تاريخه أنَّ سيِّدنا عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول : من ولدي رجل ، بوجهه شجَّة ، يملأ الأرض عدلاً . قال الطبري في تاريخه : كان الوليد صاحب بناء واتِّخاذ للمصانع والضِّياع ، وكان الناس يلتقون في زمانه فإنَّما يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع والفتوحات ، فولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام ، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والجواري وأطايب الطعام ، فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل : ما وِرْدُكَ الليلة ؟ وكم تحفظ من القرآن الكريم ؟ ومتى تختم ؟ ومتى ختمت ؟ وما تصوم من الشهر ؟ وإذا تركنا درس التاريخ القديم إلى درس التاريخ الحديث والواقع الِّّذي نعانيه ، وهو الزمن الَّذي يصدق فيه قول الشاعر : نَحْنُ وَاْللهِ فِي زَمَانٍ رَدِيءٍ لَوْ رَأَيْنَاهُ فِي الْمَنَامِ فَزِعْنَا فالناس في زماننا هذا يلتقون ، فيسأل بعضُنا بعضًا عن أخبار "الفساد" الَّذي استشرى في الوطن العربي كله من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ، وأصبح سمة العصر وعنوانه ؛ وأصبح حكَّامنا النشامى الأماجد ـ ولا تستثن منهم أحَدًا ـ عونًا للصهيوني الغاصب ، ويدًا للعدو الباطش ، وحربًا على الشعب المكبَّل بالحديد ، وقد نهبت ثروته ، واستبيحت أرضه ، وانتهك عرضه ، وأنْسِيَ دينه ، وشُوِّه تاريخه ، واستبعدت ثقافته ، وامتهنت لغته ، والأكثر سوءًا في تاريخهم الأسود وعهدهم البغيض إثارة الفتن الداخلية ، وبذر بذور الفتنة والعداوة والفرقة بين الأشقاء لأسباب تافهة يخطِّطون لها بخبث ومكر ، وينفِّذها الغوغاء وخشارة الناس بحمق وسفالة ، وينفقون أمولا طائلا ما أحوج الوطن إليها في البناء والتعمير ، وتذكَّر ما حدث ويحدث بسبب مباراة في كرة القدم بين الجزائر ومصر جرت معركة وقائعها الدامية على أرض السودان الَّذي جرُّوه جرًّا إلى عداوات هو في غنى عنها ، وكأنَّ ما يعانيه من الفرقة والحروب والهموم لا يكفيه . تذكَّر ما حدث في تلك المباراة ، واحسب ما أهدر فيها من أموال ، وتأمَّل المواقف الهزلية الفكهة الجبانة الحقيرة لحكام وحزبيين وساسة وقادة وإعلاميين ـ وكلُّهم فقد صوابه وإنسانيَّته وحياءه ، وخرج علينا الشخص منهم بوجه كالح بارد يستعرض شهامته ومروءته وملْء فمه كرامة المواطن وعزَّة الوطن ـ واسأل هؤلاء الحمقى المغفلين المنافقين : أليس اغتصاب الأرض واحتلال فلسطين وهدم الأقصى وحبس الأبرياء ، وتدمير التعليم والزراعة والصحة وعَلْف البشر بالطعام المسرطن وسقْيهم الماء الملوث بالمجاري وتعذيب المواطنين وقتلهم أليس كل ذلك أولى بالغضب للكرامة الَّتي ضيَّعتموها والعزَّة الَّتي أذللتموها...وقل لي بربَّك : ألايستحق هؤلاء أنْ يحجر عليهم شرْعًا للسفه والحمق وسوء التصرُّف ؟ روى ابن إياس في تاريخه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" في سيرة الحاكم بأمر الله الفاطمي أنَّ قاضيا من قضاته صنع قلنسوة ، وركَّب فيها قرني بقرة ، فإذا لم يعجبه قول أحد الخصمين لبس قلنسوته ، وقام من مجلسه ، وواجه الخصم ، وأخذ ينطحه بالقرنين نطحًا موجعًا ، وشهر بين الناس بلقب "القاضي النطَّاح" . ولَمَّا بلغ الحاكم خبره ، أرسل إليه ، ولامه على فعله ، وأنَّه أهان القضاء ، وانتقص من هيبة القاضي ، وعرَّض مكان العدل للسخرية والاستهزاء . فقال القاضي للحاكم : لو حضرت مجلسي ، وجلست من خلف ستارة ، ترى وتسمع ، ولا يراك أحد ، ربَّما وجدت لي عذرًا ، فاحضر ، ثمَّ احكم . وفي يوم من الأيَّام حضر الحاكم مجلس القضاء ، واستتر عن الخصوم ، وحضر رجلان ، قال أحدهما للقاضي إنَّ لي عند هذا الرجل مائة دينار ، ومَطَلَنِي حقِّي . وسأل القاضي الرجل الثاني : أأنت مدين لهذا الرجل بمائة دينار ؟ قال : نعم . ـ متى تدفعها له ؟ ـ لا يمكنني سدادها دفعة واحدة ، وإنَّما على دفعات . ـ لا بأس ، أ تستطيع سداد عشرة دنانير في كل الشهر ؟ ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع . ـ خمسةَ دنانير ؟ ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع . ـ دينارًا واحدًا ؟ ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع . ـ نصفَ دينار ؟ ـ لا هذا كثير ، لا أستطيع . ـ كم تستطيع أنْ تدفع إذن ؟ ـ أستطيع سداد 300 درهم في السنة ، وبشرط أنْ تضع صاحب المال في السجن لكي أعرف مكانه ، فإذا توفَّر المبلغ معي عرفت مكانه ، فدفعته إليه ؛ لأنَّني أخشى إذا كان معي المال ، وليس محبوسًا ألاَّ أعرف مكانه ، فلا أتمكَّن من الوصول إليه . عندما سمع الحاكم هذا الحوار ، برز من مجلسه ، واتَّجه إلى القاضي قائلاً : إن لم تنطحه أنت نطحته أنا ؟ هل كان من الممكن أنْ يوجد هذا القاضي النطَّاح إلاَّ في عهد الحاكم بأمر الله ؟ فمن هو الحاكم بأمر الله ؟ هو منصور بن نزار بن معد ، العُبَيْدِي ، الفاطمي ( 1 ) تولَّى حكم مصر بعد وفاة أبيه سنة 386 هـ / 996 م ، وعمره إحدي عشرة سنة ، وفي سيرته متناقضات عجيبة ، فهو يأمر بالشيْء ثمَّ يعاقب عليه ، وأسرف في سفك الدماء ، وادَّعى الألوهيَّة ، وفي مقابل هذه الصورة الهزلية للقاضي النطَّاح أمامنا صورة أخرى للقاضي الجاد الوقور المهيب ابن حَرْبَوَيْه آخر القضاة الَّذين ركب إليهم الأمراء ، وحضروا مجلسه ؛ فلم يكن يذهب إلى أمير إذا دعاه ، ولا يقوم إليه إذا أتاه . قيل : إنَّ شخصا يقال له إبراهيم أصبح في منزله يوما جنبا ليس معه شيء يدخل به الحمَّام ، قال فخرجت رجاء صديق يدخلني الحمام ، فإذا بغريم على بابي يطالبني بخمسة دنانير ، فحدثته حديثي فقال ما نفترق إلا إلى القاضي ، فتوجهنا إلى القاضي أبي عبيد فوجدناه خارجا من المسجد وبين يديه غلام أسود خصي ، فقال له خصمي : أيَّد الله القاضي ، انظر في أمري ، فإني بِتُّ على بابك والقاضي مطرق لا ينظر إلينا حتى دخل داره ، وليس على بابه حاجب ولا أحد ثم خرج إلينا الغلام ، وقال : ادخلا ؛ فدخلنا فوجدناه جالسا في وسط مجلسه . فقال : تكلَّما ، فسبقت أنا ، فصرت المدَّعِي . فقلت : أيَّد الله القاضي ، لي على هذا خمسة دنانير . فقال مصرية ؟ فقلت : نعم . فقال : حالَّة ؟ [ يريد : حان وقت سدادها ] فقلت : نعم . فقال للخصم : ما تقول ؟ فضحك متعجبا من فعلة خصمه ووقاحته ، ولمَّا سمع القاضي الرجل يضحك صاح صيحة ملأت الدار ، وقال : مَهْ ، مِمَّ تضحك ؟ لا أضحك الله سنَّك ، تضحك في مجلس اللهُ مطَّلعٌ عليك فيه ؟ ويْحك ، تضحك وقاضيك بين الجنَّة والنار ؟ فأرعب القاضي الرجل ، وقال : أنا أدفع إليه ، قم ، فقمنا ، فلما خرج قال لي امض فأنت في حل . فقلت : ما نفترق إلا بخمسة دنانير ، ارجع بنا إلى القاضي ، فأعطاني دينارًا . كان من أثر تلك الصيحة المدوِّية أنْ أُرْعِبَ الرجل ، ومرض بعدها ثلاثة أشهر ، فكنت إذا عدته يقول لي : صيحة القاضي في قلبي إلى الساعة وأحسبها تقتلني . فمن هو ابن حربويه هذا القاضي الجليل المرعب ؟ إليك تعريفًا به وبمكانته : الاسم : أبو عبيد ، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى ، البغدادي ، القاضي ، ابن حَرْبَوَيْه (232 ـ 319 هـ / 847 ـ 931م) ( 2 ) ، وهو فقيه ، مجتهد ، فصيح ، عاقل ، عفيف ، قوَّال بالحق متعصِّب له ، سمْحُ جواد ، مولده ووفاته في بغداد . صفاته : كان ابن حربويه مثلاً أعلى للعدالة ، لا يطعن في حكمه أحد ، ولا يشكَّ خصم في نزاهته ، ولا تلحقه تهمة ، وبلغ رتبة الاجتهاد ؛ فكان يختار في أحكامه أصح الآراء عنده من جميع المذاهب ، قال أبو حفص عمر بن علي ، المطوعي (ت 440 هـ / 1048م) فى كتاب "المذهب" إنه تخرج بأبى ثور ( 3 ) ، وكان من خواص أصحابه ، وكان يسلك مناهجه في الاختيارات التى اختص بها والتخريجات التى تفرد باستنباطها ، وكان ابن حربويه يرى أنَّ من قلَّد فهو متعصِّب أو غبي ، وحكم بما لو حكم به غيره ما سكتوا عنه ، ومع ذلك لم ينكر عليه أحد شيئًا من أحكامه . شيوخه : روى عن جماعة من العلماء الكبار ، منهم : ` أبو الأشعث ، أحمد بن المقدام ، العجلي ، البصري (ت 253 هـ / 867م) ` وأبو يعقوب ، يوسف بن موسى بن راشد ، الكوفي القطَّان (ت 253 هـ / 867م) ` وأبو علي ، الحسن بن عرفة بن يزيد ، العبدي (ت 257 هـ / 871م) ` وأبو طالب ، زيد بن أخزم ، الطائي (ت 257 هـ / 871م) ` وأبو علي ، الحسن بن محمد بن الصباح ، الزعفراني (ت 260 هـ / 874م) ` أبو سليمان ، داود بن علي بن خلف ، الأصبهاني ، إمام أهل الظاهر (ت 270 هـ / 884م) ، وغيرهم كثيرون . تلاميذه : روى عنه جماعة من المشاهير ، منهم : ` أبو عبد الرحمن ، أحمد بن علي بن شعيب ، الإمام النّسائي (ت 303 هـ / 915م) روى عنه في صحيحه في سنة ثلاث مائة . ` وأبو بكر ، محمد بن إبراهيم بن علي ، ابن المقرئ ، (ت 381 هـ / 991م) ` وأبو عمر ، محمد بن العباس بن محمد بن زكريا ، ابن حيُّوَيْه (ت 382 هـ / 992م) ` وأبو حفص ، عمر بن أحمد بن عثمان ، البغدادي ، ابن شاهين (ت 385 هـ / 995م) ، وجماعة . وقال عنه الشيخ أبو زكريَّا محيي الدين يحيى بن شرف ، الإمام النووي (ت 676 هـ / 1277م) : كان من أصحاب الوجوه ، وروى عنه في كتابيه : "المجموع شرح المهذَّب" ، و "الروضة" . وكان عالِمًا بالاختلاف والمعاني والقياس ، عارفا بعلوم القرآن والحديث ، وفي كتاب "أخبار قضاة مصر" للمؤرخ المصري الحسن بن إبراهيم بن الحسين ، المعروف بابن زولاق (ت 387 هـ / 997م) أطال فى ذكر أخبار القاضى أبى عبيد ، والثناء على محاسنه وقول أهل مصر إنهم لم يروا قبله ولا بعده قاضيا مثله ، ووصفه بأنَّه من فحول العلماء ، وذكر أن تواقيعه جمعت وكتبت لفصاحتها وبلاغتها وأنه كان إذا تكلم بكلمة طارت في البلد إعجابا بها . كان ابن حربويه مهيبا وافر الحرمة ، وكان عليه من الوقار والحشمة ما يتذاكره أهل بلده ؛ فلم يره أحد يأكل ، أو يشرب ، أو يلبس ، أو يغسل يديه ، وإنَّما كان يفعل كلَّ ذلك في خلوة ، وفي الوقت نفسه لم يره أحد يتمخَّط ، أو يبصق ، أو يَحُكُّ جسمه ، أو يمسح وجهه ، وكان إذا ركب لا يلتفت ، ولا يتحدَّث مع أحد ، ولا يصلح رداءه ، وكان ينهى أن يتلفظ لافظ في مجلسه بذكر الطعام أو النساء . قال عنه أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المؤرخ (ت 347 هـ / 958م) في كتابه "ذكر الغرباء الواردين على مصر" : هو قاضي مصر ، أقام بها طويلاً ، وكان شيئًا عجبًا ، ما رأينا مثله ، لا قبله ، ولا بعده . وظائفه : 1 ـ ولي قضاء واسط قبل مصر . 2 ـ ثمَّ ولي قضاء مصر في سنة 293 هـ / 906 م وبقي في منصبه مدة ثماني عشرة سنة وستة أشهر ، وعزل عن القضاء بناء على طلبه ، في سنة 311 هـ / 923 م ، فقد كتب يستعفي من القضاء ، ووجَّه رسولاً إلى بغداد يسأل في عزله ، وأغلق بابه ، وامتنع من الحكم ؛ فأُعْفي من منصبه ، ورجع إلى بغداد ، وكان يقول : ما لي وللقضاء ، لو اقتصرت على الوِرَاقَة ، ما كان خطِّي بالرديء . آثاره : له مؤلفات ، فقد أملى مجالس بعد عزله ، وجمع أحكامه بمصر باختياره . مواقفه المشرفة : ! كان لا يُؤَّمِّر أحدًا من ولاة مصر ، بل كان يدعوهم بأسمائهم ، ويستدعيهم إلى مجلسه إذا احتاج إلى مساءلتهم أو شهادتهم ، ولا يذهب إليهم في مجالسهم . ! كان مؤنس الخادم ( 4 ) أكبر أمراء الخليفة المقتدر ( 5 ) ، وكان في خدمته سبعون أميرا سوى أصحابه ، وعلت منْزلته إلى درجة أنْ كان يخطب له على جميع المنابر مع الخليفة ، ورد إلى مصر فى عسكر كبير ، فعرض له مرض شديد ، أوشك منه على التَّلف ، فأرسل إلى القاضى يطلب منه شهودًا يشهدهم عليه أنه أوصى بوقف قرى كثيرة على سبيل البر ، وبعتق ست مائة مملوك ، وبأنواع من الخير . فقال القاضى حتى يثبت عندى أنَّ مؤنسا حر ـ هذا ومؤنس أكبر أمراء الإسلام ـ فصمم القاضى ، وقال إنْ لم يرد علىَّ كتاب المقتدر أنه أعتقه وإلا فلا أفعل . ولَمَّا ورد كتاب أمير المؤمنين المقتدر إلى مؤنس استدعى بعض الأمراء ليوصله إلى القاضي ؛ فهاب القاضى ، فدعى تكين ( 6 ) أمير مصر وحمَّله أنْ يذهب إلى القاضي ويوصل الكتاب إليه ، فأتى إلى القاضي ، وأومأ بيده إلى أنْ ناوله الكتاب . فقال القاضي : ما هذا ؟ فقال : كتاب أمير المؤمنين . فقال : أمن يدك ؟ فقال : بلى . فقال : لا أخذه إلاَّ من يد شاهدين عدلين يشهدان أنَّه كتاب أمير المؤمنين . ولَمَّا شهد شاهدان عدلان على أنَّه كتاب أمير المؤمنين ، عندئذ أرسل له الشهود. ! كان تكين ـ أمير مصر ـ يحبه ، ويحترمه ، وكان يأتي مجلسه زائرًا ، ولا يدعه يقوم له ، وإذا جاء هو إلى مجلس تكين مشى تكين له ، وتلقَّاه بترحاب ، وأخذ بمشورته ، وكان أبو عبيد إذا ذكر تكين ـ أمير مصر ـ يقول أبو منصور تكين ، ولا يقول الأمير .
ركب أبو عبيد مرة إلى أمير مصر تكين وهو بالجيزة في كائنة اتفقت له ، وكانت الكائنة التي خرج فيها تكين إلى الجيزة قد قتل فيها في الواقعة على ما قيل نحو من خمسين ألفًا ، وأراد تكين أنْ يحفر لهم خندقا ، ويدفنهم ، فخرج إليه القاضي : وقال : إنك إنْ فعلت ذلك تلفت المواريث ، ولكن ناد في الناس من له قتيل يأخذه ، ففعل تكين ما قاله . ! قال ابن زولاق وجرى للقاضي في هذا الخروج إلى الجيزة خبر عجيب ، حركه البول وهو راجع ، فعدل إلى بستان فنَزَل ، وبال ، واستنجى ، وتوضَّأ من مائه ، ثم انصرف ، ثم سأل بعد أيام عن البستان ، فقيل : لفلانة ، فأرسل إليها ، يستأذنها على الحضور إليها ؛ فارتاعت لذلك ، وقالت : أنا أركب إليه ـ وكانت من أهل الأقدار ـ فأبى ، فركب إليها أبو عبيد ، وقد فرشت له الدار ، وحسَّنتها . فقال لها : البستان لك وحدك بلا شريك ؟ فقالت : نعم ، وأنا التي أسقيه من مائي . قال : فأنا نزلت في أرضه ، وتوضَّأت من مائه ، فخذي ثمن ذلك ، فبكت . وقالت : أيها القاضي ، أنت في حل ، ولو علمت أنَّ القاضي يقبله هدية لأهديته إليه . فقال لها : عن طيب نفس تركت ، ولم تتركي ذلك لأجل القاضي وحرمته . فقالت : نعم ، فانصرف . ـــــــــــــ الهوامش والتوثيق ـــــــــــــ 1 ـ هو أبو علي ، منصور "الحاكم بأمر الله" بن نزار "العزيز بالله" بن معد "المعز لدين الله" (375 ـ 411 هـ / 985 ـ 1021م) الخليفة الفاطمي ، خطب له على منابر مصر والشام وأفريقية والحجاز ، وأخبار جبروته كثيرة ، ويبدو أنَّ أكثر ما قيل عنه أكاذيب ؛ فقد تقوَّل عليه المؤرخون السنيون ، وشنَّعوا عليه ، ولمَّا ظهرت كتب الشيعة ووثائق الدولة الفاطمية كتب أستاذنا الدكتور عبد المنعم ماجد ـ رحمه الله ـ كتابه "الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه" عرض فيه لأقوال المؤرخين المغرضين الَّذين كانوا يلقِّبوبه "الحاكم بأمر الشيطان" كما ذكر أقوال المؤرخين المنصفين ، وإنْ كان هناك اتفاق بين الجميع على غرابة أطواره ، وتناقض أقواله وأفعاله . انظر : العبر 2/219 ، دول الإسلام 1/245 ، سير أعلام النبلاء 15/173 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [401 ـ 420] 283 وفي هامشه جريدة ضخمة من المصادر ، الإعلام بوفيات الأعلام 1/277 ، البداية والنهاية 12/10 ، إتعاظ الحنفا 2/3 ، حسن المحاضرة 2/13 ، شذرات الذهب 3/192 ، الأعلام 7/305 . 2 ـ راجع ترجمة ابن حربويه في : الولاة والقضاة ، للكندي 523 ، طبقات الفقهاء الشافعية ، للعبادي 68 ، المنتظم ، لابن الجوزي 6/238 ، تاريخ بغداد 11/395 ، طبقات الفقهاء ، للشيرازي 90 ، تهذيب الأسماء واللغات 2/258 ، سير أعلام النبلاء 14/536 ، تذكرة الحفاظ 3/803 ، العبر 2/176 ، دول الإسلام 1/193 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [301 ـ 320] 586 ، الوافي بالوفيات 21/19 ، طبقات الشافعية الكبرى 3/446 ، البداية والنهاية 11/167 ، طبقات الشافعية للأسنوي 1/397 ، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/96 ، تهذيب التهذيب 7/203 ، تقريب التهذيب 2/35 ، رفع الإصر عن قضاة مصر 2/389 ، النجوم الزاهرة 3/231 ، حسن المحاضرة 1/312 و2/145 ، طبقات ابن هداية الله 53 ، شذرات الذهب 2/281 ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 338 ، الأعلام 4/277 ، معجم المؤلفين 7/72 . 3 ـ أبو ثور ، إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان ، الكلبي ، البغدادي (ت 240 هـ / 854م) فقيه ، مجتهد ، صاحب الإمام الشافعي ، وهو أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا ، له مؤلفات كثيرة ، منها : الطهارة ، الصلاة ، الصيام ، المناسك ، وكتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي . انظر : التاريخ الصغير ، للبخاري 233 ، الجرح والتعديل 2/97 ، الثقاة لابن حبَّان 8/74 ، مسالك الأبصار 5/670 ، المعين في طبقات المحدثين 83 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي [231 ـ 240] 63 ، الإعلام بوفيات 1/167 ، سير أعلام النبلاء 12/72 ، دول الإسلام 1/146 ، الوافي بالوفيات 5/344 ، الأعلام 1/37 ، معجم المؤلفين 1/28 . 4 ـ مؤنس الخادم ، الملقَّب بالمظفر المعتضدي (231 ـ 321 هـ / 846 ـ 933م) أحد الخدَّام الَّذين بلغوا رتبة الملوك ، وكان أبض فارسا شجاعل من الدهاة ، ولي دمشق للمقتدر ، ثم غدر بمولاه ، وقتله . انظر : شذرات الذهب 2/291 ، الأعلام 7/335 . 5 ـ أبو الفضل ، جعفر بن أحمد بن طلحة ، المقتدر بالله ، الخليفة العباسي (282 ـ 320 هـ / 895 ـ 932م) تولى الخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي ، وكان صغير السن ، وطالت أيَّامه ، وكثرت فيها الفتن والحروب ، وقتل القرمطي خلقا كثيرا ، واستولى على الحجر الأسود ، واقتلعه من مكانه ، وانتشر الفساد في البلاد ، وهو يلهو مع وزرائه ، ويقضون أوقاتهم في الصيد والقصف وتبذير الأموال ، قتله مؤنس الخادم . انظر : تاريخ الإسلام ، للذهبي [301 ـ 320] 603 ، سير أعلام النبلاء 5/43 ، العبر 2/8 ، اإعلام بوفيات الأعلام 1/220 ، الوافي بالوفيات 11/94 ، مرآة الجنان 2/280 ، شذرات الذهب 2/284 ، الأعلام 2/121 . 6 ـ أبو منصور ، تكين بن عبد الله ، الخزرجي ، ويلقَّب بتكين الخاصَّة (ت 321هـ / 933م) مولى أمير المؤمنين المعتضد ، ولاَّه المقتدر مصر ثلاث مرَّات ، وبها توفي . انظر : تاريخ دمشق ، لابن عساكر 3/340 ، الوافي بالوفيات 10/386 . ــــــــــــــ
m_lashin20 @ maktoob.com
|