د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

إِعَادة طَرْح
ابن سلام والشك فى الشعر الجاهلى
د. إبراهيم عوض
4/20/2009

فى حدود علمى أن المقدمة التى كتبها ابن سلام لكتابه: "طبقات الشعراء" وتناول فيها النَّحْل فى الشعر الجاهلى هى أول وثيقة مفصَّلة ومؤصِّلة فى هذا الموضوع. ويكاد كل من جاؤوا بعد ابن سلام وتناولوا هذه القضية أن يكونوا عِيَالاً عليه. ولقد كنت أحسب أن الفتنة التى عَلِقَتْ بالشعر الجاهلى مبعثها ما سطرته يد المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث واحتذاه طه حسين حين وضع كتابه: "فى الشعر الجاهلى". لكنى لما روَّيْتُ فى الأمر وأعدت النظر وعُدْتُ فقرأت ابن سلام من جديد تبين لى أنه هو صاحب هذا كله بما أثار من زوابع شك فى ذلك الشعر دون أن يكون مستندا إلى جدارٍ صُلْب. فقلت فى نفسى: ينبغى أن أعيد طرح القضية من جديد وأنشر على الملإ ما وصلت إليه مما أرى أنه حَرِىٌّ بوضع الأمور فى نصابها. وهأنذا أفعل. ولسوف يكون منهجى تتبع ما قاله ابن سلام عن شعر الجاهلية فى المقدمة المذكورة فقرة فقرة وتقليبه على كل وجوهه وإبداء الرأى فيه.
يقول ابن سلام فى مقدمة كتابه واصفا ما صنعه فيه: "ذكرنا العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يجهله عالم ولا يستغنى عن علمه ناظر فى أمر العرب، فبدأنا بالشعر"، وهو لم يذكر العرب فى هذا الكتاب ولا أتى على ذكر فرسانهم وأشرافهم وأيامهم، ولم يتعرض منهم إلا للشعراء فحسب. اللهم إلا إذا كان يشير إلى كتاب له آخر انتهى منه قبل هذا الكتاب، أو كان جزء من كتابه الذى بين أيدينا قد سقط ولم يصلنا. أما استخدامه لصيغة الماضى فى السطور السالفة فمن الممكن تأويله على أنه كتب تلك الجملة بعد فراغه من تأليف الكتاب كما يفعل الواحد منا الآن، إذ يؤلف الكتاب أولا، ثم يشفعه بالمقدمة فيقول فيها إنه فعل كذا وكذا، وإن كان المفروض حسب ترتيب صفحات الكتاب وأبوابه أنه لم يكن قد فعل شيئا بعد مما قال إنه فعله، بل سيفعله لاحقا.
ثم ينتقل ابن سلام انتقالا فجائيا فيقول: "فبدأنا بالشعر. وفى الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة فى عربية، ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف". وقد كان المظنون أن يقول شيئا يهيّئ به الأذهان لهذه المسألة بدلا من أن يأخذنا بها على حين بغتة، كأن يقول مثلا إن وضع الشعر العربى فى الجاهلية هو كذا وكذا، وإن عدد الشعراء يبلغ كذا، وإن موضوعاتهم هى كذا وكذا، وإن ما يروى لهم من شعر كثير جدا لا يتناسب مع تعداد العرب فى الجاهلية ولا مع مستواهم الحضارى والثقافى... إلا أننا ننظر فنُلْفِيه قد ألقانا بغتة فى قلب أَتُون الشك فى ذلك الشعر. وبمناسبة الكلام عن الشعر الجاهلى أود أن ألفت الانتباه إلى أنه لم يحدد الشعر الذى يشكو من أن فيه مصنوعا كثيرا لا خير فيه، بل أطلق القول إطلاقا، على حين أنه يقصد الشعر الجاهلى بالذات لا غير، وهذا ما نفهمه جميعا لا يشذّ أحد منا فى ذلك.
كذلك نراه يطلق الرأى فى تلك الأشعار الكثيرة التى وصفها بأنها مصنوعة مفتعلة فقال إنها تخلو من القيمة اللغوية والفنية والمضمونية جميعا، وكأن النحل عنده رديف الركاكة والضعف والتهافت رغم أن من يَغْلُون فى القول بالنحل يقولون إن واضعى الشعر الجاهلى كانوا قوما مشهودا لهم ببراعة النظم حتى إنهم ليقدرون على مساماة الشعراء الأصليين على اختلاف مشاربهم وقبائلهم وبيئاتهم وأعمارهم وظروفهم وموضوعاتهم. فهل ثم قانون يوجب أن يكون الشعر الموضوع هو بالضرورة ضعيفا متهافتا لا قيمة له فنية أومضمونية؟ ثم إنه لم يحاول أن يضع أيدينا على ما يدعيه من ضعف المنحول من الشعر فيبين لنا تطبيقيا صدق تلك الدعوى. ولو كان فعل لكان لكلامه مصداقية يفتقدها الآن! ذلك أن هناك مثلا من يرى أن لامية الشنفرى منحولة، فهل من يستطيع صادقا أن يتهمها بالضعف والركاكة؟ وهناك من يقول إنه لم يصح من قصيدة مالك بن الريب (وليسمح لى القارئ بضرب هذا المثل من الشعر الأموى) إلا ثلاثة عشر بيتا، فيما القصيدة التى وصلتنا، وهى تزيد عن ذلك زيادة كبيرة، كلها ماء واحد فى الروعة وغزو القلوب والاستيلاء منها على مكامن الشعور.
ثم أضاف، رحمه الله، قائلا: "وقد تداوله (أى الشعر الجاهلى) قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد، إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه، أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفى. وقد اختلف العلماء بعد في بعض الشعر كما اختلفت في سائر الأشياء. فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه". لكنْ من ذا الذى قال إن الكلمة الأخيرة فى أى مجال من مجالات البحث العلمى قد قيلت وانتهى الأمر؟ لاشك أن للعلماء وزنهم واحترامهم لما عندهم من علم وتجارب وخبرات، لكن هل لا بد أن يكون ما أجمعوا عليه بالضرورة صحيحا؟ ألا يمكن أن يكون إجماعهم قائما على معلومات ناقصة أو مضللة لأن ظروف عصرهم لم تكن تسمح لهم إلا بهذا المتاح لهم، ثم تزداد تلك المعلومات بعد هذا أو يتوصل الباحثون إلى ما هو أصح مما كان معلوما منها فيغير ما كان مجمعا عليه؟ وكثيرا ما يحدث هذا فى العلوم الطبيعية، وهى أكثر انضباطا ودقة من علوم الأدب والنقد واللغة وما إلى ذلك، فما بالنا بتلك العلوم التى تقل بطبيعتها عن العلوم الطبيعية انضباطا وصرامة؟
إننى دائما ما أقول لطلابى غير متواضع إن ما أسجله فى مؤلفاتى وما أقوله فى محاضراتى رغم اطمئنانى له وتعبى فى التوصل إليه لا أستطيع أن أزعم له الصحة المطلقة، وإن كنت بوصفى بشرا من البشر أحب أن يوافقنى الناس على ما أقول، إلا أن الحق أحق أن يقال ويُتَّبَع، ومن ثم فإننى أتوقع أن يجىء بعدى من ينظر فى آرائى كما نظرت فى آراء السابقين ويرى فيها غير الذى أراه كما نظرت بدورى فيما تركه السابقون واختلفت معهم بشأنه. تلك هى سنة الحياة، وليس لأحد الزعم بأنه يملك الحقيقة النهائية مهما كان اعتزازه بنفسه وعقله ومعاناته فى الوصول إلى ما وصل إليه من علم. وعلى هذا نقول لابن سلام، رحمه الله وأكرم مثواه، إن هذا الإجماع الذى تذكره، سواء كان صحيحا أو متخيَّلا، لا ينبغى أن يمنع أى باحث من النظر فيما أجمعوا عليه أو من رأى شىء آخر غير الذى كانوا يرونه.
ثم هناك مسألة الأخذ من الكتب، فماذا فى ذلك؟ أليس المصير النهائى لأى علم هو تسجيله فى كتاب؟ قد يُرَدّ علىّ بأن القراءة فى كتاب من كتب تلك الفترة قد تكون مظنة الوقوع فى الخطإ، إذ لم تكن كلها مضبوطة ولا منقوطة. ولسوف أسلم بهذا، لكنى ألفت النظر إلى أن خشية ابن سلام ليست فى هذا الاتجاه، بل فى الانخداع بالشعر المنحول وتصور صحته، وهذا أمر آخر. ثم كيف ينتظر ابن سلام من كل قارئ أن يذهب بنفسه إلى البادية إن أراد جمع الشعر الجاهلى أو أحب الاستماع إليه؟ لقد ذهب قوم من قبل إلى البادية وجمعوا من شعرها ما جمعوه، أفلا بد من البدء من نقطة الصفر إلى الأبد؟ فأين التراكم المعرفى إذن ما دام علينا فى كل مرة أن نبدأ من جديد؟ لو أنه قال إن الرجوع إلى عالم من العلماء إلى جانب الكتاب حَرِىٌّ أن يكون أجدى لكان أفضل، أما الجزم بأنه لا يحق لأحدأن يأخذ من كتاب على الإطلاق فإنه يستدعى سؤالا فى غاية الأهمية، إذ لماذا الكتاب إذن إذا كان على المتعلم والعالم أن يبقى كل منهما كالطفل الرضيع لا يجوز له الانفطام عن ثدى أمه ولبنها؟ ومعروف أن كثيرا من البشر يقرأون آلاف الكتب طوال حياتهم، فهل يجب على كل منهم كلما طالع كتابا أن يبحث عن شيخ يقرؤه عليه، وإلا ما تعلَّم؟ وها نحن الآن قد اختططنا خطة أخرى، وهى الأخذ عن الكتاب مباشرة، فهل نحن يا ترى مخطئون لا نفهم شيئا فى العلم ولا فى طريقة اكتسابه؟ ثم ما القول فى الكتب التى وضعها علماء لا سبيل إلى الاتصال بهم زمانا أو مكانا، سواء كانت كتبا مؤلفة أومترجمة؟ هذا ما أردت قوله حين أشرت إلى أن ما أجمع عليه العلماء فى عصر أو ظرف معين لا يلزم سواهم بالضرورة.
بعد ذلك يقرر ابن سلام أن "للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تَثْقَفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان. من ذلك اللؤلؤ والياقوت، لا تعرفه بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره. ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم، لا تعرف جودتهما بلونٍ ولا مَسٍّ ولا طرازٍ ولا وَسْمٍ ولا صفةٍ، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بَهْرَجها وزائفها وسَتُّوقها ومفرغها. ومنه البصر بغريب النخل، والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده مع تشابه لونه ومَسّه وذَرْعه حتى يضاف كل صنف إلى بلده الذي خرج منه. وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون جيدة الشَّطْب نقية الثغر حسنة العين والأنف جيدة النهود ظريفة اللسان واردة الشعر، فتكون في هذه الصفة بمئة دينار، وبمئتى دينار. وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ولا يجد واصفها مزيدا على هذه الصفة. وتوصَف الدابة فيقال: خفيف العنان لين الظهر شديد الحافر فتىّ السن نقىٌّ من العيوب، فيكون بخمسين دينارا أو نحوها. وتكون أخرى بمئتى دينار وأكثر، وتكون هذه صفتها. ويقال للرجل والمرأة فى القراءة والغناء: إنه لَنَدِىّ الحلق طَلّ الصوت طويل النَّفَس مصيبٌ للَِّحن، ويوصف الآخر بهذه الصفة، وبينهما بون بعيد. يعرف ذلك العلماء عند المعاينة والاستماع له بلا صفة يُنْتَهَى إليها ولا علم يوقَف عليه. وإن كثرة المدارسة لتُعْدِي علي العلم به. فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به. قال محمد، قال خلاد بن يزيد الباهلى لخلف بن حيان أبى محرز، وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله: بأى شئ تردّ هذه الاشعار التي تُرْوَى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكرْ أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت. وقال قائل لخلف: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه فما أبالى ما قلتَ أنت فيه وأصحابك. قال: إذا أخذتَ درهما فاستحسنتَه، فقال لك الصراف: إنه ردئ، فهل ينفعك استحسانك إياه؟".
فأما أن لكل ضرب من الصناعة والعلم متخصصيه الذين ينبغى الرجوع إليهم والتعلم منهم لما سبق من إنفاقهم العمر فى تحصيله فهذا مما لا يقبل المماراة، وعلى العين والرأس. ولكن أولئك المتخصصين لا يتنزل عليهم الوحى فلا ينبغى إذن أن يُسْأَلوا عن شىء مما يقولون أو يُرَاجَعوا فيه. كلا وألف كلا، بل كل ما يقولون يقبل المناقشة والأخذ والرد مع احترامنا لهم وتقديرنا لتخصصاتهم وما أنفقوا فيها من جهد ووقت ومال وأعصاب. ذلك أن العلم لا يعرف القول بأن بابه قد أُغْلِق بعد فلان أو عِلاّن، بل هو مفتوح دائما أبدا دون أن يقال إننا قد وصلنا فيه إلى الغاية التى ليس بعدها زيادة لمستزيد. وما دام الأمر كذلك فليس لأحد الحق فى الزعم بأن ما يقوله هو الصواب الذى لا صواب سواه، ومن ثم لا تصح مساءلته ولا مطالبته بالدليل اعتمادا على أنه ذو خبرة وأن كلامه لا يخرّ منه الماء. لا يا سيدى، نحن العلماء بشر يصيبون، نعم، ولكنهم كما يصيبون فكذلك يخطئون. وحتى حين يصيبون فإن صوابهم هذا ليس سوى خطوة على الطريق تحتاج إلى من يتابعها نحو الغاية، تلك الغاية التى لا تأتى أبدا رغم أن واجبنا هو السعى الحثيث نحوها وكأننا واصلون إليها يوما.
صحيح أن من العلماء والمتخصصين من يعتمد على الحكم الانطباعى ويكون هذا الحكم صحيحا فى كثير من الأحيان. لكن كيف نعرف أنه صحيح؟ نعرف ذلك بالمراجعة إلى أن ينجلى الأمر عن التحقق من أنه صواب. وأذكر أنى قلت لأحد الأطباء ذات مرة إن فلانا يشعر بأعراض السكر فى جسمه واضحة من نشف الريق وشدة العطش وكثرة التبول وما إلى ذلك، فكان جوابه أنه لا يكفى هذا كله، بل لا بد من تحليل الدم والبول لأن هذا هو المعيار الذى يصح الاعتماد عليه، أما ما يشعر به الشخص فهو شىء يُسْتَأْنس به، وقد يصح بعد ذلك، وربما لا يصح.
وخذ عندك أيضا ما يقوله العلماء من أن أسلوب القرآن وأسلوب الحديث متمايزان لا يلتبسان. لكن هذا حكم انطباعى لا يمكن أن يستمر هكذا إلى يوم الدين. وهذا ما حدث، فقد وفق الله كاتب تلك السطور إلى وضع كتاب يوضح فيم يتمايز الأسلوبان، اعتمادا على التحليلات والإحصاءات وتقديم الشواهد على صدق ما أقول من مفردات وصيغ وعبارات وتراكيب وأبنية. ولست أزعم أننى قلت كلمة الفصل فى الموضوع، فأنا موقن أن ما صنعته لا يزيد عن أن يكون الخطوة الأولى التى فتحت الباب لمن يأتى بعدى فيضيف إلى ما قلته أشياء وأشياء. إلا أن هذا لا يعنى أن الأوضاع بعد تلك الدراسة التى بلغت ستمائة صفحة ليس فى أية صفحة منها كلمة واحدة إنشائية، بل كل ما فيها مدعوم بالشواهد والتحليلات الواضحة المباشرة التى لا تحتاج إلى تأويل ولا لف أو دوران، هى نفسها الأوضاع قبل القيام بها. وعنوان الكتاب لمن يريد الاطلاع عليه هو: "القرآن والحديث- مقارنة أسلوبية"، وهو متاح على المشباك (الشبكة العنكبوتية).
إذن فقول العلماء شيئا ما بناءً على انطباعاتهم لا يمكن أن يكون حجة قاطعة على ما يقولون رغم أهميته مع هذا، إذ من الممكن أن يكون انطباعا خاطئا، وما أكثر ما تخطئ الانطباعات لدى العلماء! فنحن نقول مثلا إن أسلوب المازنى مميز بحيث يمكن التعرف إليه بسهولة من بين أساليب الكتاب الآخرين. بيد أن هذا لا يصح الجزم به إلا بعد تحليل أسلوب النص الذى بين أيدينا والذى نحس أنه بقلم المازنى ووجدانه متصفا بنفس السمات المميزة لأسلوب ذلك الكاتب المبدع. وهذا يتطلب بدوره أن نكون قد عكفنا قبلا على فحص ذلك الأسلوب بدقة وتعمق وتفصيل وسجلنا نتائج الفحص بحيث تكون بين يدى كل من أراد الاستعانة بها. ومع ذلك كله فمن الممكن أن نخطئ فى نتيجة الحكم على صاحب النص المعين الذى بين أيدينا، إذ الأمر فى مثل تلك الحالة هو من التعقد والتشابك والحساسية بحيث لا يستطيع محللٌ الجزم المطلق بشىء.
وها هو ذا مثال حى على صحة ما أقول، إذ أنكر ابن هشام فى "السيرة النبوية" قصيدة كان ابن إسحاق قد نسبها إلى أحد اليثربيين، ومن ثم حَذَفَها من السيرة مؤكدا أنها شعر مصنوع. قال، رحمه الله، عن هجوم تُبَّع على يثرب فى الجاهلية ثم انصرافه عنها: "فبينا تُبَّع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة...، عالمان راسخان في العلم، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك، لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حِيلَ بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ فقالا: هي مُهَاجَر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره. فتناهى عن ذلك ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما. فقال خالد بن عبد العزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار يفخر بعمرو بن طلة:
أصحا أم قد نهى ذِكَرَهْ أم قضى من لذةٍ وَطَرَهْ
أم تذكرت الشباب؟ وما ذكرك الشباب أو عُصُرَهْ؟
إنها حربٌ رباعيةٌ مثلها آتي الفتى عِبَرَهْ
فاسألا عمران أو أسدا إذ أتت عَدْوًا مع الزُّهَرهْ
فيلق فيها أبو كرب سبغ أبدانها ذَفِرَه
ثم قالوا: من نؤم بها؟ أبني عوفٍ أم النجره؟
بل بني النجار. إن لنا فيهمُ قتلى، وإنّ تِرَهْ
فتلقتهم مسايفة مدها كالغيبة النثرهْ
فيهمُ عمرو بن طلة ملـَّــــــــــــــى الإلهُ قومَه عُمُرَهْ
سيّدٌ سام الملوكَ، ومن رام عمرا لا يكن قَدْرَهْ
وهذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حَنِقَ تُبَّع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أَظْهُرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه حتى انصرف عنهم، ولذلك قال في شعره:
حنقًا على سِبْطَيْن حَلاَّ يثربا أَوْلَى لهم بعقاب يومٍ مفسدِ
قال ابن هشام: الشعر الذي فيه هذا البيت مصنوع، فذلك الذي مَنَعَنا من إثباته". ومع هذا فإن ابن هشام قد أورد القصيدة كاملة فى كتابه: "التيجان" دون أن يقول فى حقها كلمة إنكار واحدة! وهذه بعض أبياتها كما أوردها فى الكتاب المذكور:
"ما بال عينك لا تنام كأنما كُحِلَتْ مآقيها بسمّ الأَسْوَدِ؟
حنقًا على سبطين حَلاَّ يثربا أَوْلَى لهم بعقاب يومٍ مفسدِ
.............
ولقد أذل الصعب صعب زمانه وأناط عروةُ عِزَّه بالفرقدِ
............
فأتى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد"
ويبقى التمييز بين الدراهم والدنانير، ولا شك أن الصيرفى يعتمد على مقياس معين فى هذا الصدد، إذ لا يصح الزعم بأنه يتلقى فى كل مرة إلهاما من السماء ينزل عليه بغتة. ولقد قال ابن سلام إنه لا بد للصيرفى حينئذ من المعاينة، فهذا هو المعيار، مثلما أن هناك أشياء أخرى معيارها ذوق اللسان، وثالثة معيارها اللمس، ورابعة معيارها السمع... وهكذا. أما التسليم الأعمى الذى يطلبه ابن سلام من القارئ فهو كلام بعض المتصوفين، إذ يَرَوْنَ أنه لا بد للمريد أن يكون كالخِرْقَة فى يد الشيخ يفعل بها ما يشاء دون أن يكون لها اعتراض أو استفسار، إذ متى كانت الخِرَق تعترض أو تستفسر؟ لكن كلا وحاشا أن يكون هذا هو وضع القارئ تجاه الناقد الذى يسترشد برأيه وذوقه!
نعم لا مشاغبة فى أن ثم منطقا قويا فى كلام ابن سلام التالى الذى يحكى لنا فيه أنه "قال قائل لخلف (يقصد خلفا الأحمر): إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه فما أبالى ما قلتَ أنت فيه وأصحابك. قال: إذا أخذتَ درهما فاستحسنتَه، فقال لك الصراف: إنه ردئ، فهل ينفعك استحسانك إياه؟". لكن هنا شيئا غائبا لا تكتمل الصورة إلا به، وهو أن على العالم فى هذه الحالة أن يشرح لسائله لم يرفض نسبة هذه القصيدة إلى فلان ولم يقبل تلك، إذ ليس من المعقول أن يكتفى بإصدار فتواه دون أن يكون لنا الحق فى التساؤل والرغبة فى أن تطمئن قلوبنا. إن الله ذاته جل جلاله لم يطلب من عبده إبراهيم ذلك، بل حين أراد إبراهيم عليه السلام البرهان على ما كان ربه قد طلب منه الإيمان به أراه سبحانه وتعالى البرهان حتى يرتاح قلبا كما قال فى ابتهاله إليه.
أما التمثيل بالجوارى والمغنين والمغنيات، ومثلها الأطعمة والملابس وما إلى ذلك، فهو شىء مختلف، إذ مدار الأمر هنا على الذوق، والذوق مسألة شخصية، وإن كان هذا الذوق الشخصى قابلا للتعليل بكل تأكيد، وإن كان كثيرا ما يصل من الخفاء إلى الدرجة التى لا يستطيع صاحبه عندها أن يفتى بشىء. وقد يكون تفضيل جارية على جاريةٍ مشابهةٍ لها أن المفضَّلة أدلّ وأخفّ دما، أو أن شفتها ممتلئة قليلا أو فى صوتها بحة مثلا أو تميل إلى الامتلاء فى مجتمع يتعلق ذوق الناس فيه بالمرأة الممتلئة. وقد يكون كل ذلك غير واضح لمن فضّل تلك الجارية، لكن المهم أنه يحس بدخولها هى بالذات مزاجه دون مثيلاتها المشبهات لها. وعلى كل حال فالأمر هنا أمر إحساس شخصى لا مشاحّة فيه.
وجريًا على هذه السُّنَّة يكتب ابن سلام بعد ذلك فى ترجمة امرئ القيس مثلا ما يلى: "وجدنا رواة العلم يغلطون فى الشعر، ولا يضبط الشعر إلا أهله. وقد تروى العامة أن الشعبى كان ذا علم بالشعر وأيام العرب. وقد رُوِىَ عنه هذا البيت، وهو فاسد. ورُوِىَ عنه شىء يُحْمَل على لبيد:
باتت تَشَكَّى إلى النفس مُجْهِشةً * وقد حملتُكِ سبعًا بعد سبعينِ
فإن تعيشى ثلاثا تبلغى أملا * وفى الثلاث وفاءٌ للثمانينِ
ولا اختلاف فى أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث ويستعان به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصى". نعم، الملوك بوجه عام لا تستقصى، إلا أن يكونوا ملوكا علماء، لكن على العلماء أيضا، ملوكا وغير ملوك، إبداء الدليل والمعيار، وإلا فلا فرق بينهم وبين من لا يستقصى من الملوك!
ثم شرع ابن سلام يهاجم محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية قائلا: "وكان ممن أفسد الشعر وهجّنه وحمل كل غُثَاء منه محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسِّيَر. قال الزهرى: لا يزال فى الناس عِلْمٌ ما بَقِىَ مولى آل مخرمة. وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك، فقبل الناس عنه الأشعار. وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لى بالشعر. أُتِينا به فأحمله. ولم يكن ذلك له عذرا. فكتب في السِّيَر أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط وأشعار النساء، فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود فكتب لهم أشعارا كثيرة، وليس بشعر. إنما هو كلامٌ مؤلَّفٌ معقودٌ بقوافٍ؟ أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف من السنين، والله تبارك وتعالى يقول: "فقُطِع دابر القوم الذين ظلموا"، أى لا بقية لهم؟ وقال أيضا: "وأنه أهلك عادًا الأولى* وثمودَ فما أبقى"، وقال فى عاد: "فهل ترى لهم مِنْ باقية؟"، وقال: "وقُرُونًا بين ذلك كثيرا"، وقال: "ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله؟"...".
ونعكس المسألة فنبدأ بآخر ما قاله ابن سلام فى هذه الفقرة، وهو أن عادا وثمود قد بادتا على بَكْرَة أبيهما فلم يبق من أى منها باقية، وعلى هذا فمن غير المعقول أن يكون قد بلغنا من أشعارهما شىء، وإلا فمن أدى إلينا ذلك الشعر، وقد استؤصلوا أجمعين فلم يكن هناك راوٍ يروى شعرا؟ ولست أذكر الآن أن أحدا ممن تناولوا قضية الشك فى الشعر الجاهلى وتعرض لما قاله ابن سلام قد رد على هذه النقطة، وهو ما يدل على أن الجميع، فى حدود ما أذكر، قد وجد فى كلام ابن سلام برهانا حاسما لا سبيل إلى نقضه. ومنذ شهور قلائل كان هناك طالب قد تخرج منذ عام، لكنه أراد أن يحضر محاضرتى للفرقة الأولى فى مادة "ثقافة العرب قبل الإسلام"، وكان الكلام وقتها عن الانتحال فى الشعر الجاهلى، فساق ما قاله ابن سلام على أساس أنه كلام لا يقبل نقضا ولا إبراما. فلما سمعته يقول ما قال وجدتنى أرد قائلا: وهل كل ثمود قد أبيدت؟ فقال: نعم، هكذا تقول الآيات. فعدت أسأله: أوتظن أن صالحا نبيّهم قد أبيد مع من أبيدوا؟ قال: لا. فسألته مرة أخرى: وهل تظن أن صالحا وحده هو الذى كتب الله له النجاة؟ ألم يكن معه مؤمنون؟ أويعقل أن يكون الله قد أخذهم فيمن أخذ عاطلا مع باطل كما تقول العامة؟ فقال: لا أظن ذلك. قلت له دون أن أتوقف لأراجع نفسى مع أننى لا أذكر أنى فكرت فى الأمر من قبل، إذ كنت كغيرى أقرأ الايات التى يوردها ابن سلام وأصدّق بها دون أن أنظر ما وراءها: فافتح إذن سورة "هود" على الآيات التى تحكى لنا قصة ذلك النبى وقصة أخيه صالح مع قوميهما لنرى ماذا تقول. ففعل.
فقرأت على الطلبة قوله تعالى: "وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)".
ونظرة إلى الآيات التالية من ذلك النص الطويل نسبيا تُرِى القارئ ما أريد أن أقول: "وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)"، "فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)". فمن الواضح الذى لا تخطئه العين نَصُّ القرآن على أن العذاب والتدمير إنما كان محصورا فى الكافرين من قَوْمَىِ النبيين الكريمين ولم يَعُمَّ القومين كلهم أجمعين. وعلى هذا فمن الممكن، إن كان هناك شعر قاله أحد من ثمود، أن يرويه بعض هؤلاء الناجين. ولست أقصد أنه قد وصلنا شعر عن ثمود بالضرورة، بل كل ما يهمنى هنا هو أن كلام ابن سلام ليس بالصلابة التى يتخيلها المتخيلون كما هو بَيِّنٌ جَلِىٌّ. وكنت أقول لطلابى قبل ذلك: فليكن أن ثمود قد هلكت جميعا، أفلم يسمع بشعرها أحد من القبائل المجاورة لها فيرويه للأجيال التالية بعدما أَوْدَى أصحابُه؟ أليس من المحتمل جدا أن يكون بعض أبناء كل من عاد وثمود مسافرين حين فاجأ كلَّ قبيلةٍ العذابُ المهلكُ فلم يهلك مع سائر أفرادها؟ فهؤلاء وأمثالهم هم الذين يمكن أن يكونوا قد رَوَوْ ا لنا أشعار عاد وثمود. وهناك احتمال آخر، وهو أن بعض تلك الأشعار كانت مكتوبة، فلهذا بقيت بعد أن باد قائلوها، ثم ضاعت الكتابة بعد أن أدت دورها.
ثم إن ثمود (وقِسْ عليها عادًا) لا ترجع فى التاريخ إلى آلاف السنين قبل عصر ابن سلام كما ظن ذلك العالم الكبير، إذ أشار كل من الجغرافى والفلكى الإغريقى المتمصّر بطليموس (من أهل القرن الأول للميلاد) والمؤرخ الرومانى بلينى (من أهل القرنين الميلاديين الأولين) إلى قبيلة عربية اسمها "ثمود" كانت تعيش فى القرن الثامن قبل الميلاد، وهزمها سارجون الأشورى. وهذا الكلام متاح فى مادة "Thamud" بالمجلدالخامس من "Encyclopaedia of the Qur/an: الموسوعة القرآنية" الصادرة عن دار بريل (Brill) فى هولندا. ونص الكلام كالآتى: "A people called Thamūd are mentioned in non-Arabian sources such as Ptolemy (Geography) and Pliny (Natural history). The earliest mention is in a list of tribes defeatedby the Assyrian Sargon II (721-705 b.c.e.)". بل تذكر المادة المناظِرة بالمجلد العاشر من "دائرة المعارف الإسلامية: The Encyclopaedia of Islam" فى طبعتها الجديدة الصادرة عن ذات الدار أنه كان هناك فى القرن الخامس وحدتان عسكريتان ثموديتان تخدمان فى الجيش البيزنطى: إحداهما فى فلسطين، والأخرى فى مصر. وهو ما يعنى أن ثمود لم تُبَدْ كلها فردا فردا كما وضحنا من قبل. وفى نفس المادة من "Encyclopaedia Britannica: الموسوعة البريطانية" (ط2008م) أن ثمود قبيلة أو عدة قبائل كانت معروفة فى الفترة الممتدة ما بين القرن الرابع قبل الميلاد إلى السابع منه. وفى مادة "صالح عليه السلام" من "الموسوعة العربية العالمية" أنه ليس ثم رأى مؤكد بتحديد الفترة التى وُجِدَتْ فيها ثمود، إلا أن بعض المؤرخين يقولون بأن الثموديين كانوا موجودين منذ أوائل القرن الأول قبل الميلاد إلى أواخر الخامس منه. وتقول موسوعة "Islam.about.com"، تحت عنوان "Prophet Salih"، إن صالحا قد أتى بعد هود بنحو مائتى عام، وإن بعض المؤرخين يحدد الفترة التى ظهر فيها ذلك النبى بخمسمائة عام قبل الميلاد. وفى مادة "ثمود" من النسخة الفرنسية من "الويكبيديا: Wikipedia" أن ثمود قد بادت قبل ميلاد النبى محمد عليه الصلاة والسلام بقليل. فثمود إذن لا تنتمى إلى ذلك الماضى السحيق الذى ذكره ابن سلام، وعليه فليس ثم موضع للحجة التى شهرها عالمنا الجليل فى وجه من يروون شعرا قاله بعض أفراد تلك القبيلة. وهكذا يتبين للقارئ أن ما قاله ابن سلام ليس بالقول الصُّلْب أبدا.
لكن ابن سلام قد أضاف قائلا فى تسفيه من ظنوا أن من الممكن وصول شعر عربى عن ثمود: "وقال يونس بن حبيب: أوّلُ من تكلم بالعربية ونَسِىَ لسانَ أبيه إسماعيلُ بن إبراهيم صلوات الله عليهما. أخبرنى مسمع بن عبد الملك أنه سمع محمد بن علي يقول: قال أبو عبد الله بن سلام، لا أدري أرفعه أم لا، وأظنه قد رفعه: أولُ من تكلم بالعربية ونسى لسان أبيه إسماعيلُ ابن إبراهيم صلوات الله عليهما. وأخبرنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء، قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حِمْيَر وبقايا جُرْهُم. وكذلك يروى أن إسماعيل بن إبراهيم جاورهم وأصهر إليهم. ولكن العربية التي عَنَى محمدُ بنُ عليّ اللسانُ الذى نزل به القرآن وما تكلمت به العرب على عهد النبى، وتلك عربية أخرى غير كلامنا هذا. لم يجاوز أبناء نزار فى أنسابهم وأشعارهم عدنان. اقتصروا على معد، ولم يذكر عدنانَ جاهلىٌّ قَطُّ غير لَبِيد بن ربيعة الكلابىّ في بيت واحد قاله. قال:
فإن لم تجد من دون عدنانَ والدًا ودون مَعَدٍّ فلْتَزَعْكَ العواذلُ
وقد رُوِىَ لعباس بن مرداس السُّلَمِىّ بيت في عدنان. قال:
وعَكّ بن عدنانَ الذين تلعَّبوا بمَذْحِجَ حتى طُرِّدُوا كلَّ مَطْرَدِ
والبيت مريب عند أبى عبد الله، فما فوق عدنان أسماء لم تؤخذ إلا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربى قط. وإنما كان مَعَدٌّ بإزاء موسى بن عمران صلى الله عليه أو قبله قليلا، وبين موسى وعاد وثمود الدهر الطويل والأمد البعيد. فنحن لا نقيم في النسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعرا، فكيف بعاد وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث. ولم يرو قَطُّ عربى منها بيتا واحدا ولا راوية للشعر، مع ضعف أَسْره وقلة طلاوته".
والغالب على الظن أن ابن سلام يريد أن يقول إن الشعر الذى يرجع إلى ما قبل إسماعيل، وهو الشعر المنسوب إلى ثمود، التى يؤكد أنها بادت منذ آلاف السنين، هو شعر مزيف لأن إسماعيل هو أول من تكلم العربية. والطريف أن عالمنا الكبير يردف هذا بقوله إن إسماعيل قد نسى لغة أبيه، وهو ما يعنى أن إسماعيل قد اخترع العربية اختراعا، ولم يكن لها وجود من قبل. فهل هذا ممكن؟ إن اللغة لا يخترعها إنسان، بل هى نتاج تطورات طويلة معقدة غاية التعقيد. وفضلا عن هذا فإن العرب كانوا موجودين قبل إسماعيل، ومن المؤكد أنهم كانت لهم لغتهم. فبأى لغة يا ترى كانوا يتحدثون؟ أليس بالعربية؟ أليس إسماعيل الوافد عليهم قد اصطنع لغتهم ونسى لغة أبيه؟ هذا هو الوضع الصحيح للمسألة لا الذى قاله ابن سلام، لأنه هو الذى يدخل العقل ويجرى على أصول المنطق، وإلا فبأية لغة كان العرب يتكلمون قبل مجىء إسماعيل؟ كذلك قال ابن سلام شيئا لا معنى له حين ذكر أن العرب جميعا يرجعون فى نسبهم إلى ابن الخليل، بما يعنى أنهم لم يكن لهم وجود قبله. فعلى من وَفَدَ يا ترى حين أتى هو وأمه إلى مكان البيت الحرام؟ ومن أولئك الذين أصهر إليهم؟ أم ترى الجزيرة العربية لم تكن مأهولة بأحد قبل مجىء إسماعيل وأمه إليها؟ أم تراها كانت مأهولة بالناس، إلا أنهم كانوا خرسا لا ينطقون، فلم تكن لهم لغة؟ ألا يرى القارئ أن ما قاله ابن سلام فى هذا الموضوع لا يثبت على محك التمحيص؟ وحتى لو سلمنا بأن إسماعيل هو أول من تكلم العربية فإن ذلك لا يصح اتخاذه سلما لإنكار وجود شعر ثمودى بالعربية. ذلك أن إبراهيم وإسماعيل يسبقان فى الوجود قبيلة ثمود، إذ كان إبراهيم يعيش قبل الميلاد بنحو ألفى عام أو أقل بناء على بعض الآراء حسبما تقول كل من "Encyclopaedia Britannica: دائرة المعارف البريطانية" و"Jewish Encyclopaedia: الموسوعة اليهودية" والنسخة الفرنسية من موسوعة "Encarta: إنكارتا" و"الموسوعة العربية العالمية" والنسخة العربية من "الويكيبيديا" فى المادة المخصصة لخليل الرحمن. وبالمناسبة فكاتب المادة فى النسخة الفرنسية من هذه الموسوعة يؤكد أن إبراهيم النبى المذكور فى العهد القديم والقرآن الكريم ليس له فى الحقيقة أى وجود تاريخى.
وعلى كل حال فهذه هى قصة إسماعيل كما وردت فى "نهاية الأرب" للنويرى، وفيها أنه كان هناك عرب فى تلك البلاد وأنه تزوج منهم مرتين. ومن الطبيعى أن يكون لهؤلاء العرب لغتهم، وإلا فكيف كانوا يتفاهمون؟ أم تراهم قد أسقطوا أمر التفاهم حتى أتاهم إسماعيل واخترع لهم لغة وعلمهم كيف يتفاهمون بها؟ لنقرأْ ولنغضّ الطَّرْف عن بعض التفصيلات التى تبدو غريبة لا تُسَاغ كمجىء إبراهيم من الشام مرتين لرؤية ابنه وانصرافه فى كلتا المرتين دون أن يراه لا لشىء إلا لأنه وجده يصطاد، وكأنه كان من نفاد الصبر بحيث لا يطيق انتظار ابنه ساعة من نهار كى يكحّل عينه بمرآه بعد كل هذا السفر الناصب وبعد مغيبه عنه سنين كِثَارًا منذ كان طفلا رضيعا حتى بلغ مبلغ الرجال وتزوج، وكعودة إبراهيم بعد ثلاثة وعشرين يوما من الشام إلى بلاد العرب كرة أخرى تلبية لداعى الشوق إلى ولده، وهو الذى لم يطق أن يصبر ساعة من نهار حتى يعود فلذة كبده من البرية حيث كان يصطاد وكأنه عليه السلام مُوَكَّل بذَرْع الفَيَافِى من الجنوب إلى الشَّمال، ومن الشَّمال إلى الجنوب لا يعرف الاستقرار، وكقول راوى القصة إن إسماعيل قد أنجب من زوجته الثانية ستة أبطن، أى ما يعادل عدد سكان قرية، أو ربما مدينة من المدن. كذلك فإن حكاية فرس الجنة التى أحضرها جبريل وحمله عليها هو وزوجه وصغيره الرضيع لم ترد لا فى قرآن ولا فى حديث صحيح.
يقول النويرى: "وأقام إبراهيم بالأرض المقدسة ما شاء الله أن يقيم حتى كبرت سارة وأيست من الولد، فخافت من انقطاع نسل إبراهيم عليه السلام فوهبته هاجر، فقبلها وواقعها، فحملت بإسماعيل ووضعته كالقمر، وفي وجهه نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فأحبته سارة حتى بلغ من عمره سبع سنين، فداخلت الغيرة سارة، ولم تطق أن ترى إبراهيم مع هاجر، فقالت: يا نبي الله، إني لا أحب أن تكون هاجر معي في الدار، فحوِّلْها حيث شئت.
فأوحى الله إليه أن انقلها إلى الحرم. وجاء جبريل بفرس من الجنة فقال له: يا إبراهيم، احمل هاجر وإسماعيل على هذا الفرس. فأركب إبراهيم هاجر وإسماعيل من ورائها، وسار بهما حتى بلغ بهما الحرم. فأوحى الله إليه أَنِ انزل بهما هنا. فأنزلها بالقرب من البيت، وهو يومئذ أكمة حمراء كالربوة من تخريب الطوفان. ثم قال إبراهيم لهاجر: كوني هنا مع ولدك، فإني راجع. فبذلك أمرني ربي. فلما أراد إبراهيم أن ينصرف قال: "ربنا إني أسكنتُ من ذريتي بِوَادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرَّم" إلى قوله: "لعلهم يشكرون". ثم رجع وتركهما هناك، ولا ثالث لهما إلا الله تعالى.
فلما علا النهار واشتد الحر ونفد ما معهما من الماء قامت هاجر تعدو يمينا وشمالا في طلب الماء فلم تجده. فعادت إلى إسماعيل فرأته يبحث بأصابعه في موضع بئر زمزم، وقد نبع الماء. فسجدت لله، وأخذت تجمع الحصا حول العين لئلا ينتشر الماء، وهي تقول: زم زم يا مبارك. فناداها جبريل: لا تخافي وأبشري، فإن الله سيعمر هذا المكان. قال وهب: لولا أن هاجر جمعت الحصا حول الماء لتمت العين نهرا جاريا على وجه الأرض إلى يوم القيامة. قال: وأقبل ركب من اليمن يريدون الشام، وطريقهم على الحرم، فرأوا الطير تهوي إلى الأرض، فقالوا: إن الطير لا تنقضّ إلا على الماء والعمارة. وأقبلوا فرأوا هاجر مع إسماعيل والعين، فسألوها، فقالت: أنا جارية خليل الله إبراهيم، وهذا ابنه. خلَّفَنا وانصرف إلى الشام. فاستأذنوها في الماء، فأذنت لهم. ثم قالوا: هل أحد ينازعك على هذا الماء؟ قالت: لا، فإن الله أخرجه لي ولولدي. قالوا: إنْ أحضرنا أهالينا وسكنَّا في جواركم هل تمنعيننا من هذا الماء؟ قالت: لا، لأنه لله يشربه خلق الله. فرجعوا إلى بلدهم، واحتملوا أهاليهم وأتوا الحرم بهم وبمواشيهم، فصاروا لهما أنسا.
ونشأ إسماعيل حتى بلغ مبلغ الرجال، فكان يخرج إلى الصيد معهم ويرجع. وماتت أمه هاجر، وتزوج إسماعيل منهم، وبلغ إبراهيمَ خبرُ موت هاجر فاشتاق إلى إسماعيل، فاستأذن سارة في ذلك، فأذنت له، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار حتى وقف على بيت ولده إسماعيل بالحرم، فقال: السلام عليكم يا أهل المنزل. فقالت له المرأة: إن صاحب البيت غائب. فقال إبراهيم: إذا رجع فقولي له: أبدل عتبة دارك، فإني لا أرضاها لك. وانصرف إلى الشام.
فلما عاد إسماعيل أخبرته بالخبر، فقال: صفيه لي. فوصفته، فقال: الحقي بأهلك. فجاء أهلها وقالوا: ما الذي كرهتَ منها؟ قال: لأنها لم تعرف لخليل الله قدرا. ثم تزوج امرأة من جرهم، فأولدها إسماعيل ستة أبطن. فاشتاق إبراهيم إلى ولده، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار إلى الحرم، وقد عمر ذلك المكان بجرهم. فوقف على باب إسماعيل وقال: السلام عليكم يا أهل المنزل. فبادرت المرأة وسلمت عليه، وقالت: فدتك نفسي. إن صاحب البيت غائب، وإنه يعود عن قريب. قال: هل عندك طعام؟ قالت: نعم، عندنا خير كثير. وجاءته بطبق عليه لحم مشوي من الصيد، وقدح من الماء. قال: فهل غير هذا من حب أو زبيب؟ قالت: يا عماه، ما هذا طعام بلدنا، ولكنه يُجْلَب إلينا، فانزل بنا وتناول طعامنا. قال: إني صائم، ولكن عليّ ذرق الطير فاغسليه. وحول قدمه عن الفرس، ووضعه على المقام. فغسلته، فقال: إذا جاء زوجك فسلمي عليه وقولي له: الزم عتبة بابك، فقد رَضِيتُها لك. وانصرف.
فلما رجع إسماعيل من الصيد أخبرته الخبر، فقال: لقد كنتِ كريمة عليّ، وقد صرتِ الآن أكرم بإكرامك أبي خليل الله إبراهيم. ثم اشتاق إبراهيم إلى ولده ثالثا، وذلك بعد ثلاثة وعشرين يوما، فجاء إليه ولقيه، وأمره الله أن يبني البيت، فبناه، وأتاه جبريل فعلّمه مناسك الحج...".
أما بالنسبة إلى تأكيد ابن سلام أن اسم "عدنان" لم يرد فى الجاهلية إلا فى بيت واحد فهو غير صحيح، إذ تكرر هذا الاسم فى الشعر الجاهلى لَدُنْ عدد من شعراء ذلك العصر، منهم المهلهل بن ربيعة وليلى العفيفة وأميّة بن أبى الصلت، الذين يقولون على التوالى:
يَـومٌ لَنـا كانَت رِئاسَةُ أَهـلِهِ دونَ القَبـائِلِ مِن بَني عَدنــانِ
***
يا بَني الأَعمــاصِ إِمّا تَقْطَعوا لِبَني عَدنــانَ أَسبــابَ الرَّجا
........
قُل لِعَدنـان: فُدِيتُـم! شَمِّروا لِبَني الأَعجــامِ تَشميـرَ الوَحَى
***
نَفَـوْا عن أرْضِهمْ عدْنانَ طُرًّا وكانـوا للقبــائل قاهِرِينــا
وفى "مجمع الأمثال" للميدانى بيتٌ شعرىٌّ آخرُ ورد فيه اسم "عدنان"، نسبه المؤلف لعبد الله بن همام أحد بني عبد الله بن غطفان، مضيفا أنه يُنْسَب للنابغة أيضا، وهو ما عَزَاه البغدادى فى "خزانة الأدب" لهذا الأخير فقط، وإن كان قد عاد فذكر أنه يُنْسَب فى "الفاخر" (للمفضل بن سلمة) إلى الاثنين جميعا، مع تحديد الغطفانى بأنه عبد الله بن هُمَارِق، ونصه:
بما انتهكوا من رب عدنانَ جهرةً وعوفٌ يناجيهم، وذلكمُ جَــلَلْ
وفى "الإيناس بعلم الأنساب" يورد الوزير المغربى هذين البيتين لسلمة بن قيس العُكْلِىّ:
سَيبلغُ قَـذْفي نَهْشَلاَ أَنّ مَجْدها قصيـر وقولي شَتْمُه وقَصائـدهْ
ويأَتي على الفَوْرَين دون محَجَّرٍ ويَصْعَد في عكّ بن عَدنان ناشدُهْ
كذلك كنا نود لو شرح لنا ابن سلام السبب فى شعوره بالريبة تجاه البيت الثانى الذى ورد فيه اسم عدنان. إلا أنه لم يشرح شيئا، وهو ما تكرر فى قوله، على سبيل الزراية، عن ابن إسحاق إنه "كتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال"، إذ كنا نريد منه هنا أيضا أن يوضح لنا مَنْ هؤلاء الرجال والنساء الذين لم يقولوا شعرا قط، ومع هذا روى لهم ابن إسحاق نصوصا شعرية، لكنه للأسف الشديد لم يفعل، ومن ثم لا نستطيع أن نناقشه، اللهم إلا أن نقول له إنك بهذا قد أصدرت حكما دون حيثيات، وزدت فجعلته حكما باتا لا استئناف فيه، وهو ما لا يصلح فى ميدان العلم.
ثم نتابع القراءة فنجد عالمنا يقول: "وقال أبو عمرو بن العلاء في ذلك: ما لسان حِمْيَر وأقاصى اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا. فكيف بما علي عهد عاد وثمود مع تداعيه ووهيه؟ فلو كان الشعر مثل ما وُضِع لابن إسحاق ومثل ما روى الصحفيون ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم". ولا أدرى ما علاقة اختلاف عربية حمير وأقاصى اليمن عن عربية الشمال برفضه شعر عاد وثمود. إن عادا وثمود شىء، وحِمْيَر وأقاصى اليمن شىء آخر كما هو واضح. ومن الممكن أن تكون عربية حمير وأقاصى اليمن مختلفة عن عربية الشمال فى عصر أبى عمر بن العلاء دون أن تكون عربية عاد وثمود مختلفة عنها. إن لأهل النوبة مثلا لغة خاصة بهم، وليست مجرد لهجة مختلفة من لهجات اللغة العربية، لكن هذا لا يعنى أبدا أن العربية التى يستخدمها الكتاب النوبيون فى مؤلفاتهم الآن هى عربية أخرى غير العربية التى نعرفها.
ثم فليقل أبو عمرو بن العلاء ما يريد، فهل يصح أن نأخذ بكلامه ونتجاهل حقائق التاريخ التى تقول إن عرب الشمال لم يكونوا يجدون أى عنت فى التفاهم مع أى شخص أو جماعة من عرب الجنوب فى أى وقت من الأوقات حتى فى الجاهلية. ولقد كان الرسول يرسل أصحابه إلى اليمن وحضرموت سفراء ومبعوثين، كما كان عليه السلام يستقبل فى المدينة كثيرا من أهل تلك البلاد، فضلا عن اتخاذ بعضهم منها مُقَامًا لهم، ولم نسمع قط مع هذا أنه كانت هناك أية صعوبة فى تفاهم الفريقين، اللهم إلا إذ كانت هناك جيوب لغوية تتحدث فى حياتها اليومية بلهجة متميزة على نحو ماعن لهجات عرب الشمال، قليلا كان هذ التميز أو كثيرا، مع اصطناعهم فى إبداعهم الشعرى اللغة الفصحى كما هو الحال فى شعر عمرو بن معديكرب الزبيدى، وهو حميرى، وكذلك الـجُعْفِيّة امرأته. ذلك أن كل ما تعيه الذاكرة من الفرق بين نطق اليمنيين ونطق الشماليين هو الحديث الذى رُوِىَ عن النبى يخاطب أهل اليمن بلهجتهم حين قال: "ليس من امْبِرِّ امْصِيَامُ فى امْسَفَر"، أى "ليس من البر الصيام فى السفر" وقول أبى هريرة لعثمان حين دخل عليه وهو محصور فى داره: "طابَ امْضَرْب"، أى "طابَ الضَّرْب" بإبدال "اللام" فى "أل" التعريفية "ميما"، ويُطْلَق على هذه الطريقة: "الطمطمانية"، وإن كان د. جواد على (فى الفصل السابع والثلاثين بعد المائة من كتابه: "المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام" تحت عنوان "لغات العرب") يشكك فى صحة ذلك الحديث، مؤكدا أن الحميرية إنما تعرّف بإلحاق "ألف ونون" فى آخر الكلمة، وأنها تختلف اختلافا شديدا عن لغة الشمال حسبما ترينا النقوش. ولكننا، حين نطّلع بعد قليل على ما كتبه العلماء القحطانيون فى هذا الصدد، وكانوا قريبى عهد بتلك اللغة، وبعضهم كتب ما كتب اعتمادا على نقوش حميرية أيضا، خليقون بأن نتروى فى الأمر ونقول إن هناك شيئا غاب عن المستشرقين الذين جمعوا تلك النقوش ومن يجرى مجراهم.
إن د. جواد على ينكر ما يقال من أن عرب الشمال لم يجدوا أية صعوبة فى التفاهم مع عرب الجنوب على أيام النبى عليه السلام: لا فى المدينة ولا فى بلاد اليمن ذاتها. ورأيه هو أن هذا ما نفهمه نحن من النصوص، أما النصوص ذاتها فلم تقل شيئا من ذلك صراحة. لكن ماذا نفعل فيما روته كتب السيرة والتاريخ من أن وفود أهل اليمن كانت تخطب وتشعر بهذه العربية التى نعرفها؟ قد يقال إن كتّاب السيرة والتاريخ العرب قد ترجموا ما قاله أهل اليمن ولم يأتوا به على وجهه الأصلى. لكن هذا، إن قُبِل فى الـخُطَب، وهو أمر أشك فيه، إذ من الغريب تماما أن يُجْمِع دون أدنى داعٍ أولئك العلماء على الصمت التام فى هذه القضية فلا يقول أحدهم ولو على سبيل الخطإ إنه كان هناك من يترجم بين الفريقين أو إن التفاهم بينهم كان يتسم بالبطء والصعوبة ويعتريه الخطأ كثيرا، فإنه لا يمكن أن يُقْبَل فى الأشعار كما هو الحال فيما ألقاه منها بين يدى النبى فروةُ بن مسيك المرادى (الذى استعمله النبى على صدقات مراد وزيد ومذحج) وعمرو بن معديكرب (من وفد زبيد) ومالك بن نمط (من وفد همدان). وهذه الأشعار لم يشكك فيها ابن هشام (اليمنى الأصل)، وهو الذى لا يترك شاردة ولا واردة إلا وغلَّب فيها الشك على الطمأنينة. وبالمناسبة فمن بين كتبه التى لا تخفى دلالتها فى سياقنا الحاضر "التيجان فى ملوك حمير" و"القصائد الحميرية" و"شرح ما وقع فى أشعار السِّيَر من الغريب".
هذا، ولم أتكلم عن الأشعار المنسوبة إلى شعراء حميريين جاهليين والتى أوردها ابن إسحاق فى سيرة النبى ولم يعترض عليها ابن هشام أدنى اعتراض، وهى موجودة لمن يبتغيها فى أول كتابه عن "السيرة النبوية". بل إن ابن هشام ليعلق موافقا على شرح ابن إسحاق لبعض العبارات الحميرية التى تختلف فى طريقة نطقها عن طريقة أهل الشمال كقول أحد أولئك الشعراء فى أبيات له أوردها ابن إسحاق: "لباب لباب"، الذى شرحه ذلك العالم الجليل بأن معناه: "لا بأس لا بأس".
كذلك يُحْكَى أن أحد ملوك اليمن كان جالسا فوق شَرَفٍ من الأرض عالٍ، وأمامه رجل من عرب الشمال قائما، فقال له: "ثِبْ"، فما كان منه إلا أن رمى بنفسه من فوق المرتفع فتحطم. وقد صنع ذلك ظنا منه أن الملك يأمره بالقفز إلى الأرض، على حين قَصَد الملك أن يقعد. جاء فى "إصلاح المنطق" لابن السكيت ما يلى: "قال الأصمعي: ودخل رجل من العرب على ملك من ملوك حمير، فقال له: ثِبْ (و"ثِبْ" بالحميرية: اقعد)، فوثب الرجل فتكسر. فقال الحميري: ليس عندنا عربيتكم. من دخل ظفار حَمَّر. قال الأصمعي: حَمَّر: تكلم بكلام حمير". وجاء فى كتاب "الروض المعطار فى خبر الأقطار" لابن عبد المنعم الحِمْيَرى: "ومن كلام بعض ملوكهم: مَن دخل ظفار حَمَّر. وسبب ذلك أن ذا جَدَن الحِمْيَري خرج يطوف في أحياء العرب فنزل في بني تميم، فضُرِب له فسطاط، فجاءه زرارة بن عدس مصعدا إليه، وكان على قارَة مرتفعة، فقال له الملك: ثب، أي "اقعد" بلغته. فقال زرارة: ليعلمن الملك أني سامع مطيع. فوثب إلى الأرض فتقطع أعضاءً، فقال الملك: ما شأنه؟ فقيل له: أَبَيْتَ اللعن، إن "الوثب" بلغته "القفز". فقال: ليست عربيتنا كعربيتكم، من دخل ظفار فلْيُحَمِّّْر. أي فليتكلم بلغة حِمْيَر".
ومن هذه الرواية يتبين أن الملك الحميرى كان يتكلم العربية مَثَلُه مَثَلُ الرجل الذى ألقى بنفسه من فوق المرتفَع، وإن كانت هناك بعض الفروق اللهجية التى لم تمنعهما من التفاهم طوال الوقت، اللهم إلا حين قضى المقدور أن يَلْقَى ذلك الرجل حتفه فاستخدم الملك لفظا له معنى فى الحميرية يختلف عن معناه عند عرب الشمال. لكن هذا الأمر موجود داخل عربية العدنانيين نفسها فيما يُعْرَف بــ"ألفاظ الأضداد"، مثل "جَوْن" (أبيض/ أسود)، و"مأتم" (اجتماع الأفراح/ اجتماع التعازى)، و"قُرْء" (فترة الحيض الشهرية/ فترة الطُّهْر الفاصلة بين الحيضتين)، و"أَوْرَقَ" (قَلَّ ماله/ كَثُرَ ماله)، و"شام السيفَ" (أغمده/ سَلَّه)، و"أَكْرَى الشىءُ" (زاد/ نقص)، و"أَسَرَّ الخبرَ" (كتمه/ أعلنه)...
ولدينا كتاب نشوان الحميرى (من أهل القرن الثامن الهجرى): "خلاصة السِّيَر الجامعة"، الذى ينطق فيه كلّ أهل اليمن قبل الإسلام شعرا ونثرا بالعربية التى نعرفها. أفلو كان الأمر من الناحية اللغوية على ما يقول ابن سلام أكان نشوان يجهل هذه الحقيقة على هذا النحو المخزى؟ لقد كان نشوان قاضيا وعلامة فى اللغة والأدب وصاحب معجم مشهور ومتميز، وكان يتعصب لقومه ويفاخر بهم العدنانيين، فليس هو إذن مظنة التساهل فى تلك المسألة. بل لقد كتب كتابه هذا شرحا لقصيدة كان قد نظمها تخليدا لذكرى ملوك اليمن القدامى وبعثا لمفاخرهم. وأنا، حين أقول هذا، لا أقصد أن النصوص اليمنية الجاهلية التى أوردها نشوان فى كتابه صحيحة بالضرورة، بل أريد إلى التساؤل بأنه لو لم يكن يمنيو الجاهلية يستخدمون، على نحوٍ أو على آخَرَ، اللغة العربية التى نعرفها فكيف أنطقهم بالعربية؟
وفى كتاب "الإكليل" للهمدانى نصوص حميرية، والملاحظ أنها تتفق والعربية، اللهم إلا فى بعض المفردات التى قد ينظر إليها الناظر، فى بعض الحالات على الأقل، على أنها مظهر من مظاهر الترادف كالترادف بين "الأصابع" (عربية شمالية نزل بها القرآن) و"الشناتر" (عربية حميرية)، وبين "الصديق" (عربية شمالية نزل بها القرآن) و"الخِلْم" (عربية حميرية) على ما جاء فى كتاب "الصاحبى" لابن فارس. جاء فى كتاب "الإكليل": "قال اللبخي: قال الحميري في كلام الحميرية، وذكر خبر الأنواء: "أقسمن أنجوم أربع، ذو تغيب لو يرى سد بتع، ما بين حاز وبيت دفع". "ذو" بمعنى "لا"، و"لو" بمعنى حتى. ذكره الحسن في التاسع من "الإكليل". أي أقسمت الكواكب الأربعة، وهي الصواب، لا تغيب صلاة الغداة حتى يشرب سد بتع من الغيث بآذار، هذا على حد العادة. وفي مسند بصنعاء على بعض الحجارة التي نقلت من قصور حمير وهمدان: "علهان ونهفان، ابنا بتع بن همدان، لهم الملك قديما كان". وخبرني أحمد بن أبي الأغر الشهابي من كندة قال: قرأت في مسند بناعط: "علهان ونهفان، ابنا بتع بن همدان، لهم الملك قديما كان". وحدثني محمد بن أحمد الأوساني أنه قرأ في مسند بعمران من البون دار همدان: "علهن ونهفن، ابنا بتع بن همدان صحح حصن وقصر حدقان بن زيد يبن بنينا". كذلك يكتبون بحذف الألف إذا وقعت في وسط الحروف، وقَفَاهم المسلمون في كتابة المصاحف فطرحوا ألف "الرحمن" وألف "الإنسن" وألف "السموات". وكذلك "علهن" منقوص من "علهان"، و"نهفن" منقوص من "نهفان"، و"همدن" من "همدان"، و"بنين" من "بنيان". هذا ما تؤديه أحرف الكتاب، وإياها حكى الأوساني، فأما اللفظ فعلى التمام. وكذلك يحذفون الواو الساكنة من وسط الحروف مثل مبعوث، والياء الساكنة مثل شمليل، والألف الساكنة في مثل هلال وبلال وأميال". ومن كلام أبى هريرة (الصحابى الجليل اليمنى الأصل) حين سمع كلمة "السكين" أول مرة: "والله إنْ سمعت بالسكين قبل ذلك اليوم، وما كنت أقول إلا المدية". وعلق العلماء على ذلك بأنها لم تكن من لغة قومه.
ثم يستأنف ابن سلام الحديث فى هذا الموضوع بعد شىء غير قليل من الاستطراد فيقول: "جاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولَهَتْ عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يَؤُولُوا إلى ديوانٍ مدوَّنٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ، وأَلْفَوْا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير. وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مُدِح هو وأهل بيته به. صار ذلك إلى بنى مروان أو صار منه. قال يونس بن حبيب: قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله. ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير".
وسوف أقف قليلا لدى قول ابن سلام إن الإسلام حين جاء تشاغلت به العرب عن رواية الشعر. وهذا غير صحيح بتاتا، إذ لم يستمر العرب آنذاك فى رواية الشعر الجاهلى فحسب، بل ظلوا ينظمون الشعر بغزارة لم ينقطعوا عنه يوما. ومن يراجع أشعار المخضرمين والإسلاميين وشعراء الفتوح يجد شعرا كثيرا، وكثيرا جدا جدا جدا، حتى إن الشعراء فى هذين العصرين ليُعَدُّون بالمئات، وهو ما يُبْطِل دعوى ابن سلام من قواعدها، غفر الله له. ثم إنه يتحدث عن إهمال العرب لرواية الشعر ثم عن رجوعهم إليها بعد أن فرغوا من فورة الفتوح الأولى وكأن الشعر كان موجودا آنذاك فى أوعية أهملها العرب بعض الوقت، ثم لما تذكروه وجدوه فى الأوعية التى تركوه فيها. وفضلا عن هذا كيف يا ترى عرف العرب أنهم قد نَسُوا منها القدار الأكبر؟ إن هذا يتطلب أن يكون لديهم فى ذلك الوقت الأصل الكامل الذى يمكنهم القياس عليه فيعرفون ماذا كان موجودا وماذا بقى بعد ذلك. وهذا أمر لا يمكن أن يكون بطييعة الحال.
وإذا كان الرسول ذاته يستنشد أصحابه الشعر ويستمتع بالإنصات إليه، ويثيب مَنْ حوله من الشعراء ويشجعهم على المنافحة عن الإسلام بإبداعاتهم الشعرية، فما بالنا بغير الرسول؟ نقرأ مثلا فى "أخبار أبى القاسم الزجّاجى" للزجّاجى نفسه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مُدِحَ وأجاز على الشعر لأنه أجاز كعب بن زهير بالبُرْدة التي عند الخلفاء اليوم فباعها بعشرين ألف درهم. ومدحه العباس بن عبد المطلب والعباس بن مرداس وحسان بن ثابت. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسّان: "أَجِبْ قريشًا عن شعرهم، وروح القدس معك". وأكثر الصحابة قد قالوا الشعر. أخبرنا الأخفش عن المبرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنابغة الجعدي: أَنْشِدْني، فأنشده:
ولا خير في حِلْمٍ إذا لم يكن له * بوادرُ تحمي صفوه أن يكدَّرا
ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له * حليمٌ إذا ما أُوتِيَ الأمر أصدرا
فقال له: أجدت. لا يَفْضُضِ الله فاك". و"عن عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدته. فكلما أنشدته بيتا قال: هيه، حتى أنشدته مائة قافية. قال: كاد ابن أبي الصلت يُسْلِم". وفى "العِقْد الفريد": "قَدِمَ العلاء بن الحَضْرميّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هل تَرْوِي من الشعر شيئا؟ قال: نعم. قال: فأَنْشِدْني. فأنشِده:
تَحَبَّبْ ذَوي الأضغان تَسْبِ نفوسَهم * تَحَبُّبَك القُرْبَى فقد تُرْقَع النَّعَلْ
وإن دَحسوا بالكُرْه فاَعفُ تكرُّمًا* وإن غَيَّبوا عنك الحديثَ فلا تَسَلْ
فإن الذي يُؤْذيك منه سماعُه * وإن الذي قالوا وراءك لم يُقَلْ
فقال النبي عليه السلام: إن من الشِّعر لَحِكْمة. وفى "العمدة" لابن رشيق: "رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تَدَعُ العرب الشعر حتى تَدَع الإبلُ الحنين". وفيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة: "هؤلاء النفر أشد على قريش من نَضْح النَّبْل. وقال لحسان بن ثابت: اهْجُهم، يعني قريشًا، فوالله لَهِجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غَلَس الظلام. اُهْجُهم، ومعك جبريل روح القدس. والْقَ أبا بكر يُعَلِّمْك تلك الهَنَات"...
أما الصحابة فلنأخذ منهم عمر بن الخطاب وابن عباس مثالين: فأما الفاروق فنُلْفِى ابن سلام ذاته يروى عنه ما يلى من أخبار، وكلها تدل على اهتمامه بالشعر والاستماع إليه. وعمر بَعْدُ هو الخليفة، فما بالنا بمن ليسوا خلفاء؟ يقول ابن سلام: "ويُرْوَى أن عمر بن الخطاب قال: أى شعرائكم يقول:
فلستَ بمستبْقٍ أخا لا تلمُّه * إلى شعثٍ. أىّ الرجالِ المهذَّبُ؟
قالوا: النابغة. قال: هو أشعرهم". "عن ابن عباس، قال: قال لى عمر: أَنْشِدْنى لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قلت: وكان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه". "وكان لَبِيد بن ربيعة أبو عقيل فارسا شاعرا شجاعا، وكان عذب المنطق رقيق حواشى الكلام، وكان مسلما رجل صدق. قال: وكتب عمر إلى عاملة أنْ سَلْ لبيدا والأغلب ما أحدثا من الشعر فى الإسلام. فقال الأغلب:
أرَجَزًا سألتَ أم قصيدا * فقد سألتَ هيِّنًا موجودا
...". "والرابع عبد بنى الحسحاس، وهو حلو الشعر رقيق حواشى الكلام. ذكروا عن عثمان بن عفان أنه أُتِىَ بعبد من عبيد العرب نافذ فأراد شراءه، فقيل له: إنه شاعر. قال: لا حاجة لى به. إن الشاعر لا حريم له. ويقال: إنه عبد بنى الحسحاس، وذلك قبل خلافة عثمان. وأنشد عمرَ بن الخطاب قوله:
عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إن تجهزتَ غاديا * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال: لو قلت شعرك مثل هذا أعطيتك عليه". "قدم ضرار بن الخطاب الفهرى وعبد الله بن الزبعرى المدينة أيام عمر بن الخطاب فأتيا أبا أحمد بن جحش الأسدى، وكان مكفوفا، وكان مألفا يُجْتَمَع إليه ويُتَحَدَّث عنده ويقول الشعر، فقالا له: أتيناك لترسل إلى حسان بن ثابت فنناشده ونذاكره، فإنه كان يقول فى الإسلام، ونقول فى الكفر. فأرسل إليه فجاء، فقال: يا أبا الوليد، أخواك تطرَّبا إليك: ابن الزبعرى وضرار يذاكراك ويناشداك. قال: نعم. إن شئتما بدأت، وإن شئتما فابدءا. قالا: نبدأ. فأنشداه حتى إذا صار كالمرجل يفور قعدا على رواحلهما. فخرج حسان حتى تلقى عمر بن الخطاب وتمثل ببيت ذكره ابن جعدبة لا أذكره، فقال عمر: وما ذاك؟ فأخبره خبرهما. قال: لا جرم لا يفوتانك. فأرسل فى إثرهما فرُدَّا. وقال لحسان: أنشدهما. فأنشد حاجته. قال: أَكْتَفَيْتَ؟ قال: نعم. قال: شأنكما الآن: إن شئتما فارحلا، وإن شئتما فأقيما".
وأما ابن عباس فيكفى أن نعرف أنه، رضى الله عنه، كان ينشد الشعر فى المسجد الحرام ويفسره كما جاء مثلا فى "الجليس الصالح الكافى والأنيس الناصح الشافى" لمعافى بن زكريا: "بينما ابن عباس في المسجد الحرام، وعنده ابن الأزرق وناسٌ من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورَّدين أو ممصَّرين... يسير حتى سلَّم وجلس. فأقبل عليه ابن عباس فقال: أنشدْنا. فأنشده:
أَمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ فمُبْكِرُ * غداة غدٍ أو رائحٌ فمُهَجِّرُ؟
حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: الله يا ابن عباس! إنا لنضرب إليك أكباد المطيِّ من أقاصي الأرض لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنّا، ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيَخْزَى، وأما بالعشيِّ فيَخْسَرُ
فقال ابن عباس: ليس هكذا قال. قال:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيَضْحَى، وأما بالعَشِيِّ فيَخْصَرُ
قال: ما أراك إلا وقد حفظتَ البيت. قال: نعم. وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتكها. قال: فإني أشاء. قال: فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على ابن ربيعة فقال: أَنْشِدْ. فقال:
تشطّ غدًا دار جيراننا
فقال ابن عباس: ولَلدّارُ بعد غدٍ أبعدُ.
فقال: كذاك قلت، أصلحك الله. أَسَمِعْتَه؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي". وفى "العمدة" لابن رشيق: "سئل ابن عباس: هل الشِّعْر من رَفَث القول؟ فأنشد:
وهنّ يمشين بنا هميسَا * إن تصدق الطير نَنِكْ لَمِيسَا
وقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة. وكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أَنْشَدَ فيه شعرا".
ولقد قرأت للمستشرق الفرنسى م. نويل ديفرجيه فى كتابه: "Arabie" كلمة دقيقة تبدو وكأنه كتبها خِصِّيصًا للرد على ابن سلام مؤدَّاها أن هُيَام العرب بالشعر كان من العنفوان بحيث لم يستطع ضجيج المعارك والحماس الحربى والتعصب الدينى فى المراحل المبكرة من تاريخ الإسلام أن يقضى على المنافسات والخصومات الشعرية بينهم (M. Noel Desvergers, Arabie, Firmin Didot Frères, Paris, P. 133). وهذا نص كلامه بالفرنسية: “Telle était la passion des Arabes pour la poésie, que dans les premiers temps de l/islamisme, alors que les nouvelles destinées de la nation s/accomplissaient au milieu du tumulte des combats, ni l/ardeur guerrière, ni le fanatisme religieux ne pouvaient faire oublier les querelles littéraires”.
لقد كان صوت الشعر يدوى فى كل مناسبة: فى الغزو وفى الرثاء وفى الفخر وفى الغزل وفى المديح وفى الوصف وفى الوفود على النبى وفى الاعتذار له صلى الله عليه وسلم... إلخ. فكيف طاوعت ابنَ سلام نفسُه على قول هذا الكلام؟ هل كان الناس جميعا يشاركون فى الحروب والغزوات؟ وهل كانت الحروب والغزوات تستغرق تماما المشاركين فيها بحيث لا يجدون وقتا البتة ينفقونه فى تناشد الشعر، بله فى نظمه؟ إن العرب طوال تاريخهم لم يكفوا عن التحارب بل التناحر فيما بينهم، ومع هذا لم يتوقفوا يوما عن قول الشعر وإنشاده والاستمتاع بالإنصات إليه، بل كانت الحروب والغزوات نفسها مبعث إلهام وإبداع للشعراء، فلماذا يشذ الأمر فى غزوات الإسلام وفتوحه بالذات؟ كذلك فإنه، غفر الله له، قد وقع فى تناقض أبلق فى هذه الفقرة الصغيرة التى بين أيدينا التقطه د. ناصر الدين الأسد وسجله عليه فى كتابه: "مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية" (دار الجيل/ بيروت/ 195- 196)، وهو قوله عن الشعر الجاهلى إن العرب "راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مُدَوَّن ولا كتاب مكتوب" ليستدير فيقول بعده بأسطر قليلة إنه "كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مُدِح هو وأهل بيته به. صار ذلك إلى بنى مروان أو صار منه". وهو ما يبين لنا أننا ينبغى أن نأخذ ما يقوله ابن سلام ونحن مفتوحو الأعين والأذهان.
ثم يمضى عالمنا الجليل قائلا: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلة ما بقى بأيدى الرواة المصحِّحين لطَرَفة وعَبِيد، اللذين صح لهما قصائد بقدرِ عَشْر. وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وُضِعا من الشهرة والتقدمة. وإن كان ما يُرْوَى من الغثاء لهما فليس يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذى نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذاك. فلما قَلَّ كلامهما حُمِل عليهما حملٌ كثير. ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل فى حاجته. وإنما قُصِّدَت القصائد وطُوِّل الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، وذلك يدل على إسقاط شعر عادٍ وثمودَ وحمير وتُبَّع".
لكن أين الدليل على أن القصائد لم تطوَّل إلا على عهد عبد المطلب؟ لا دليل، ومن ثم فإن ما بُنِىَ على ذلك لا دليل عليه هو أيضا وغير مقبول. إن ابن سلام يبنى على غير مقدمات، ثم يستخلص النتيجة من لاشىء. ثم ما معنى "أوائل العرب"؟ لقد كان العرب موجودين منذ آلاف السنين، فهل يقصد ابن سلام ذلك؟ إن كان فمن الطبيعى أن يصلنا عن عاد وثمود، فضلا عن حِمْيَر وتُبَّع، أشعار، فما وجه استبعاد ابن سلام للشعر المنسوب إلى أولئك أو هؤلاء؟ ثم انظر إلى طريقته فى البرهنة على أن معظم ما يُنْسَب إلى طَرَفة وعَبِيد هو شعرٌ منحولٌ تَرَ العجب. إنه يؤكد أولا أنه لم يصح لهما إلا عشر قصائد. إلا أنه يسارع قائلا إن هذه القصائد العشر لا يمكن أن تكون هى كل ما تركه كلاهما من الشعر، وإلا فكيف تمت لهما تلك الشهرة عند العرب؟ وكأنه لا بد أن يكون شعر الشاعر، أو حتى شعر الشاعر الكبير، كله شعرا عظيما. ترى من أين له ذلك؟ ثم أَعِد النظر فيما قاله عن حمل الشعر الكثير عليهما تَرَ ما هو أعجب، إذ يؤكد أن معظم شعرهما قد ضاع. يقول ابن سلام ذلك رغم ما يُنْسَب لهما من شعر كثير. ثم يستدير من الناحية المقابلة فيقول إن ضياع معظم شعرهما قد دفع الناس إلى تزييف الشعر وإضافته إليهما. وهو ما يعنى أنه يرفض كل ما هو موجود ثم يحاول الاستعاضة عنه بشىء من عنده. كذلك ما وجه الغُثَائِيّة فى شعر طَرَفَة وعَبِيد؟ لم يحاول عالمنا الكبير تعريفنا بشىء من ذلك، بل يكتفى بإطلاق الأحكام، وعلينا أن نُصِيخ السمع ونأخذ بما يقول دون أدنى جدال. وما هكذا يُؤْخَذ العلم!
ولقد قلنا إننا لا نوافق ابن سلام على أن العرب قد أهملوا الشعر وروايته عند مجىء الإسلام وبيَّنّا مكمن الخطإ فى كلامه، ومن ثم لا نوافقه أيضا فى قوله: "فلما راجعت العرب رواية الشعر وذِكْرَ أيامها ومآثرها استقلّ بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم. وكان قومٌ قلَّتْ وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد، فزادوا فى الأشعار التى قيلت. وليس يُشْكِل على أهل العلم زيادةُ الرواة ولا ما وضَعوا ولا ما وضَع المولّدون، وإنما عَضَّل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم فيُشْكِل ذلك بعض الإشكال. قال ابن سلام: أخبرنى أبو عبيدة أن ابن داوود بن متمم بن نويرة قَدِم البصرة فى بعض ما يَقْدَم له البدوى من الجَلَب والمِيرة فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردى فسألناه عن شعر أبيه متمّم وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته. فلما نَفِد شعر أبيه جعل يزيد فى الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذى على كلامه فيذكر المواضع التى ذكرها متمم والوقائع التى شهدها".
والسؤال هو: كيف عرف أبو عبيدة وابن نوح العطاردى أن شعر متمّم قد نَفِد قبل أن يشرع ابنه فى التزييف ونسبة الشعر المزيف إلى أبيه كما يُفْهَم من كلام أبى عبيدة؟ بل كيف عرفا أن هذ الشعر غير ذاك؟ هلا أوضحا لنا المقياس الذى اعتمداه فى هذه التفرقة؟ ثم لماذا يُقْدِم ابن متمم على هذا النحل؟ وكيف أعربا له عن شكهما فيما يرويه لهما من أشعار؟ وبم رَدَّ عليهما وسَوَّغ ما شَكَّا هما فيه؟ ثم عندنا هنا أيضا مقياس الجودة والرداءة، وهو المقياس الذى يتصور أصحابه أنه متى كان الشعر جيدا فهو لمن نُسِب له، ومتى كان رديئا فهو منحول له. وقد أوضحنا فيما سلف أن هذا مقياس غير صالح، لأنه ما من شاعر إلا وفى شعره الجيد والردىء. ولا ننس أن ابن متمم كان قد جاء إلى البصرة من البادية حيث يعيش دون أن يكون فى ذهنه مسبقا أن هناك من سوف يسأله عن شعر أبيه حتى يقال إنه كان مستعدا لتلك المناسبة فجهّز مقدما أشعارا ينوى أن ينحلها أباه. ثم ما الفائدة التى تعود عليه من مثل هذا النحل؟ وقبل ذلك كيف لنا أن نصدّق أن الأشعار التى رواها لهما ابن الشاعر هى أشعار منحطة فنيا ما داما لم يضعا بين أيدينا الأشعار الزائفة حتى يمكننا المقارنة بينها وبين نظيرتها الصحيحة؟ ومن هنا فإنى أستبعد أن يكون الأمر كما روته لنا القصة، وإلا لساق لنا الراوى تلك الأشعار المفتراة أو شيئا منها ووضح كيف تختلف عن الأشعار الحقيقية. أما الحكاية على النحو الذى وردتنا به فلا تعنى فى الواقع شيئا. إن الراوى هنا يقوم بمهمة الـخَصْم والـحَكَم معا، ويريد منا أن نتقبل ما يقول دون أدنى نقاش. وأَنَّى ذلك؟ نحن هنا فى ميدان من ميادين البحث العلمى، وفى تلك الميادين ينبغى أن يوضع كل شىء على بساط البحث ومحكّ العقل، ولسنا فى مجلس من مجالس المجاملات الاجتماعية حيث يتبادل الجالسون عبارات المودة والموافقة من طرف اللسان تسهيلا لتمضية الوقت وإشاعةً لجو الألفة!
ونمضى مع ابن سلام فنسمعه يقول: "كان أوّلَ من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حمادٌ الراوية، وكان غير موثوق به. وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار. قال ابن سلام: أخبرنى أبو عبيدة عن يونس، قال: قَدِمَ حمادٌ البصرةَ على بلال بن أبى بردة، وهو عليها، فقال: أما أطرفتنى شيئا؟ فعاد إليه فأنشده القصيدة التى في شعر الحطيئة مديح أبى موسى. قال: ويحك! يمدح الحطئية أبا موسى لا أعلم به، وأنا أروى شعر الحطيئة؟ ولكن دعها تذهب في الناس. قال ابن سلام: أخبرنى أبو عبيدة عن عمر بن سعيد بن وهب الثقفى، قال: كان حماد لى صديقا ملطفا. فعرض علىَّ ما قِبَله يوما، فقلت له: أَمْلِ علىَّ قصيدة لأخوالى بنى سعد بن مالك، لطرفة. فأملى علىَّ:
إن الخليط أَجَدَّ مُنْتَقَلُهْ * ولِذَاك زُمَّتْ غُدْوَةً إبلُُِهْ
عهدى بهم فى النقب قد سندوا * تَهْدِى صِعَابَ مطيِّهم ذُلُلُهْ
وهي لأعشى همدان. وسمعت يونس يقول: العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر".
فأما بالنسبة لما اشتهر به حماد من كذب ونحل فإنى أتساءل: إذا كان حماد على هذه الشاكلة من الاشتهار بالنحل والتلفيق، وكذلك باللحن والكسر فوق البيعة بما يعنى أنه من الشعر لا فى العير ولا فى النفير، فما الذى كان يضطرهم إلى اللجوء إليه دائما وسؤاله عما فى جَعْبته من جديد؟ ثم هل من الحتم اللازب أن يعرف بلال بن أبى بردة كل شعر الحطيئة، أَوَكانت ذاكرته قرصا مدمجا سُجِّل عليه كل شعر الشاعر فلا يندّ عنها شاردة ولا واردة من ذلك الشعر؟ كذلك أليس من حقنا أن نسمع رد المتهم على التهمة الموجَّهة إليه؟ لكن للأسف تسكت الرواية عند هذا الحد فلا تعطى المسكين الفرصة لإبداء وجهة نظره! ثم من يا ترى أنبأ الناس بما دار بين بلال وحماد من حوار واتفاقهما فى نهاية الأمر على ترك القصيدة المزيفة تذيع فى الناس؟ إن أيا منهما لا يمكن أن يكون هو راوى القصة، وإلا لكان كمن يحفر قبره بيده. كما أنه لم يكن هناك إلا هما وحدهما كيلا يقول قائل إن شخصا ثالثا هو الذى فضح الأمر. أما لو افترضنا بعد ذلك كله أنْ قد كان هناك شخص ثالث، فإنهما لم يكونا ليجرؤا على قول هذا الكلام بمسمع منه حتى لا يشوها صورتهما فى عينه. وفى "الأغانى" أن المدائنى كان ينسب القصيدة المذكورة للحطيئة فعلا! فما الذى يمكن أن نقوله هنا؟ وهذا هو نص "الأغانى": "وذكر المدائني أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة. قالها فيه وقد جمع جيشا للغزو فأنشده: "جمعْتَ من عامرٍ فيه ومن أسدٍ"، وذكر البيتين، وبينهما هذا البيت، وهو:
فـما رَضِيتَهم حتى رَفَدْتَهمـو * بوائلٍ رَهْطِ ذي الجدَّيْن بسطامِ"
ثم هل يقدح خطأ حماد فى نسبة قصيدة أعشى همدان لطَرَفة فى أمانته بالضرورة؟ ألا يمكن أن تكون المشكلة مشكلة ذاكرة لا مشكلة ضمير؟ وهل هذا هو النص الشعرى الوحيد الذى أحاط به الخلاف حول نسبته لصاحبه حتى نذهب فنعلق المشنقة لحماد؟ ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام وجهة النظر الخاصة بأحد الطرفين دون الآخر، وكأن حمادا خَرِس فلم يُحِرْ جوابا وسلّم بما قيل فى حقه. وعجيب أن يقال فى حماد إنه كان ينحل شعر الرجل غيره: هكذا دون إبداء الأسباب. ترى لماذا كان يفعل ذلك؟ أكان مصابا بلُوثَةٍ فى عقله تجعله يتبرع من تلقاء نفسه بخداع الناس وإنفاق وقته وجهده فى ذلك "لله فى لله"؟ وأعجب من هذا أن يقال إنه كان يزيد فى الأشعار رغم ما اتُّهِم به فى ذات الوقت من أنه كان يلحن ويكسر الشعر. يا له من أحمق! لكن ما القول فى الذين كانوا يصرون بعد هذا كله على البحث عنده دائما عن الجديد فى الشعر؟ أليسوا مثله حمقى بل أَعْرَق منه فى الحماقة وأَوْغَل؟ وأعجب من هذا وذاك أن يلقَّب هذا الكذاب الوضاع الخالى من الموهبة الشعرية بــ"الراوية"؟ إن مثل هذا اللقب ليس له فى الواقع من معنى إلا أنهم كانوا يحترمون روايته ويقدرونها حتى إنهم لم يَرَوْا فيه إلا أنه "راوية"!
وفى "الأغانى" أن المفضَّل الضَّبِّىّ قد وصفه بأنه "رجل عارف بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يُشْبِه به مذهب رجل ويُدْخِله فى شعره ويُحْمَل ذلك عنه فى الآفاق فتختلط أشعار القدماء". أى أنه كان عالما بالشعر ذا بصيرة نقدية عجيبة فيه وصاحب موهبة وبراعة فى التقليد ومقدرة على خلط الأمور حتى لتتداخل الأشعار الصحيحة والزائفة على يديه فلا يميز بينها إلا عالمٌ خِرِّيت. فمن نصدق يا ترى؟ أنصدق من يرميه بالجهل الفاحش بالشعر وباللحن والكسر فيه، أم نصدق من يصوره بصورة العبقرى الجهبذ الذى لا يعجزه فى هذا الميدان شىء؟
وهناك خبران آخران غريبان فى "الأغانى" مُفَادهما أنه بقى يكذب على الناس ويضع لهم الشعر الجاهلى المنحول على مدى عشرات السنين، على الأقل من أيام الخليفة الأموى الوليد بن يزيد (الذى نجح راويتنا فى امتحانٍ عقده له كى يتثبت أنه يحفظ فعلا لمن لا يعرفهم ذلك الخليفة من الشعراء مائة قصيدة على كل حرف من حروف الألفباء) حتى عصر المهدى الخليفة العباسى حين اكتشف تلاعبه فنادى فى الناس ألا يقبلوا روايته، وكأن الدولة الإسلامية كان من مهامّها نقد الأدب والكشف عن الشعر المنحول! فهل يقبل العقل أن يظل الرجل يضحك على ذقون العرب كل هاتيك العشرات من السنين دون أن يكشفه أحد قبل المهدى العباسى، وكأنه يتعامل مع أمة من الأفدام الأغتام البائسين؟ وأخيرا وليس آخرا نجد ابن سلام يبدأ كلامه قائلا إن الشعر العربى لم يعرف غير الرواية الشفوية، ليعود فيضيف بعد قليل أنه كان هناك قسط كبير منه مقيد فى ديوان عند النعمان بن المنذر وانتهى مطافه إلى أيدى بنى مروان. وذلك القسط، حسب كلامه، هو أفضل الشعر الجاهلى من الناحية الفنية لأنه شعر الفحول ومن مدحوا النعمان وأسرته. وهذا تناقض واضح كما بيَّنّا!
كذلك نقرأ فى "تاريخ بغداد" لأبى بكر بن الخطيب أن أبا عمرو الشيبانى، وهو أيضا راويةٌ كوفىٌّ كحماد، كان يجمع شعر القبائل حتى إذا انتهى من شعر إحداها كتب مصحفا بخطه ووضعه فى مسجد الكوفة. ومع هذا فقد كان خصومه يتهمونه بالسَّرَف فى شرب الخمر رغم إقرارهم بأنه ثقة فى روايته. ويعلق طه حسين قائلا: "وأكبر الظن أنه كان يؤجّر نفسه للقبائل، يجمع لكل واحدة منها شعرا يضيفه إلى شعرائها" (طه حسين/ فى الأدب الجاهلى/ دار المعارف/ 1964م/ 171)، وهو ما يعنى أن من البشر من يظل يقول: "عنزة" ولو طارت، ومنهم طه حسين. فها هو ذا الشيبانى قد اجتمع خصومه وأنصاره على توثيقه، بيد أن طه حسين لا يعجبه العجب، فيتهم الرجل بأنه كان يؤلف الشعر وينسبه إلى شعراء القبائل التى تدفع له. أما من أين أتى طه حسين بهذا الكلام، فينبغى أيها القارئ أن تخرّ على ما يقوله ساجدا ولا تسأل مثل هذا السؤال. وعجيب أن يسرف طه حسين فى الشك فى الشعر الجاهلى حتى ليزعم أنه كله تقريبا مصنوع صنعا، حاطبا بهذه الطريقة فى حبل مرجليوث المستشرق البريطانى الخبيث مع بعض التلاوين التى لا تقدم ولا تؤخر، ثم يصدّق دون أدنى تفكير أو محاولة للتثبت أية رواية تشكك فى علماء المسلمين، بل يخترع لبعضهم الاتهامات اختراعا كما رأينا فى حالة الشيبانى المسكين!
ليس ذلك فقط، بل لقد رفض ابن سلام كل ما رواه ابن إسحاق فى "السيرة النبوية" من أشعار، إذ قال لدن كلامه عن أبى سفيان بن الحارث: "ولأبى سفيان بن الحارث شعر كان يقوله فى الجاهلية فسقط، ولم يصل إلينا منه إلا القليل. ولسنا نعد ما يروى ابن اسحاق له ولا لغيره شعرا. ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم"، لنفاجأ به يروى عدة من الأشعار التى رواها ابن إسحاق، وفى نفس كتابه هذا الذى سبق له فيه رفض أى شعر رواه ابن إسحاق: فقد روى قصيدة أبى سفيان بن الحارث الدالية التى يقول فى مطلعها:
لَعَمْرُكَ إنى يومَ أحمل رايةً * لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمدِ
وهى من الشعر الذى رواه ابن إسحاق له. وكان هذا قبل أن يجف الحبر الذى كتب به رفضه لما رواه له ابن إسحاق. ومن ذلك أيضا اعتذارية كعب بن زهير اللامية: "بانت سعاد"، التى أكسبته بردة النبى عليه الصلاة والسلام، وحائية أمية بن أبى الصلت التى ناح بها على قتلى المشركين فى بدر، ومنها هذان البيتان اللذان أوردهما ابن سلام:
ماذا ببدر فالعقنـــــــــــــــــــــــــــــــــقل من مرازبة جحاجح؟
هلا بكيت على الكرا م بنى الكرام أولى الممادح
وكذلك قصيدة ابن الزبعرى عقب يوم أُحُد، وكان لا يزال على الكفر، ومطلعها:
يا غراب البين، أَسْمَعْتَ فَقُلْ * إنما تنطق شيئا قد فُعِلْ
فقد روى ابن سلام عددا من أبياتها، وكان ذلك على سبيل الاستشهاد لا الحصر. وهناك قصيدتاه الأخريان اللتان يعتذر فيهما عما أسلفت يداه فى حق النبى قبل إسلامه واللتان يقول فى مطلعيهما:
منع الرقادَ بلابلٌ وهمومُ * والليل معتلج الرواقِ بهيمُ
***
يا رسولَ المليك، إن لسانى * راتقٌ مافَتَقْتُ إذ أنا بُورُ
ومن هذا أيضا روايته لحسان بن ثابت بعض أبيات من قصيدته التى قالها فى غزوة أُحُد، وهى:
فجئنا إلى موجٍ من البحر وَسْطَه * أحابيش منهم حاسرٌ ومقنَّعُ
ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئينٍ إن كَثُرْنا وأَرْبَعُ
فراحوا سراعا مُوجِفين كأنهم * جهامٌ هراقت ماءه الريحُ مقلعُ
ورحنا وأخرانا تطانا كأننا * أُسُودٌ على لحمٍ ببيشةَ ظُلَّعُ
... إلخ. وهذه كلها أدلة متضافرة على أنه لم يكن يراعى الدقة والتحقيق فى كلامه وأحكامه، ومن ثم كان علينا أن نتوقى الانسياق معه دون مراجعة وتمحيص.
ومما تقدم يتبين لنا كيف كان ابن سلام يبالغ فى أحكامه أو يصدرها دون أى مسوغ أو استنادا إلى شواهد لا ترقى إلى مرتبة التصديق، كما كان يتناقض فى آرائه وفتاواه، أو يتعجل فيورد نتائج لا يُسْلِم إليها ما ساقه من مقدمات، أو يعمم الكلام بدلا من أن يقصره على الحالة التى أمامه، أو يستخلص أفكارا لا تستند إلى شىء. ومع ذلك فقد كان لكتابه هذا، وهو "أول كتاب أثار فى إسهابٍ مشكلة الانتحال فى الشعر الجاهلى" كما يقول د. شوقى ضيف (العصر الجاهلى/ ط24/ دار المعارف/ 164)، أثره الشديد على دارسى الشعر الجاهلى فى العصر الحديث، إذ رأينا ديفيد صمويل مرجليوث (D. S. Margoliouth) وطه حسين ينفيان صحة الشعر الجاهلى: فأما المستشرق البريطانى فقد رده كله زاعما أن نَظْم الشعر لم يعرفه العرب إلا فى العصر الأموى، وأما قبل ذلك فقد عرفوا السجع أولا ثم الرجز من بعده. وقد سبق أن رددتُ على كل ما قاله مرجليوث وبينت تهافته فى كتابى: "أصول الشعر العربى"، الذى ترجمتُ فيه بحثه فى هذاالموضوع وعلقت عليه وتناولته بالدراسة بما يغنينى عن إعادة القول فيه هنا، وإن كان من الممكن بل ينبغى أن نضيف هذه المعلومة الشديدة الأهمية التى ذكرها رينيه باسيه (René Basset) فى كتابه: "anté-islamique La poésie arabe " (طبعةErnest Leroux, Paris, 1880)، إذ يتحدث المستشرق الفرنسى (27 P.) عما كتبه سوزومين المؤرخ الإغريقى الكنسى (القرن 5م) من أن إحدى ملكات العرب فى القرن الرابع قد انتصرت على القوات الرومانية الموجودة فى فلسطين وفينيفية فأخذت الرعية تحتفل بهذا الانتصار مرددة الأغانى الشعبية، وإن لم يصلنا من ذلك شىء ولو عن طريق الترجمة، وهو ما أَسِفَ له باسيه. ومعنى هذا لديه أن هناك شعرا عربيا ينتمى إلى القرن الرابع قبل الإسلام. أى أن الشعر الجاهلى لا يعود إلى ما قبل دين محمد بقرن أو قرن ونصف فقط كما كنا نردد. لا بل لا بد أنه يمتد إلى ما وراء القرن الرابع نفسه لأنه لا يُعْقَل أن يكون العرب قد وصلوا إلى نظم مثل تلك الأغانى إلا بعد أن كان فن الشعر قد نضج عندهم تماما. وعند د. عمر فروخ أن "الشعر الذى وصل إلينا من الجاهلية يمثل دورا راقيا لا يمكن أن يكون الشعر قد بلغ إليه فى أقل من ألفى سنة على الأقل، غير أنه لم يصل إلينا من ذلك الشعر الأول شىء" (د. عمر فروخ/ تاريخ الأدب العربى/ ج1- الأدب القديم من مطلع الجاهلية إلى سقوط الدولة الأموية/ ط4/ دار العلم للملايين/ بيروت/ 1981م/ 73).
ولقد لفتت هذه المسألة أنظار الباحثين فأَبْدَوُا استغرابهم أن يكون الشعر الجاهلى بما فيه من فنٍّ متقدمٍ وليدَ تلك المدة القصيرة التى يحددها الجاحظ بمائة وخمسين عاما أو مائتين فقط قبل الإسلام. يقول مثلا أحمد حسن الزيات: "وليس يسوغ فى العقل أن الشعر بدأ ظهوره على هذه الصورة الناصعة الرائعة فى شعر المهلهل بن ربيعة وامرئ القيس، وإنما اختلفت عليه العُصُر وتقلبت به الحوادث وعملت فيه الألسنة حتى تهذَّب أسلوبه وتشعبت مناحيه" (أحمد حسن الزيات/ تاريخ الأدب العربى/ ط24/ دار نهضة مصر/ 28). ويقول أيضا حنا الفاخورى: "وأقدم شعرٍ وصل إلينا كان ما قيل فى حرب البسوس أو قبل ذلك قليلا، وكان قصائد كاملة تدل على محاولات كثيرة سبقتها وهيأت طريقها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من استقامة الوزن واللغة والبيان" (حنا الفاخورى / تاريخ الأدب العربى/ دون دار نشر أو تاريخ/ 52). ومثلهما فى ذلك د. عبد العزيز نبوى، الذى يقرر أن "الشعر الجاهلى، منذ أقدم نصوصه التى وصلت إلينا، قد اكتملت له أو كادت مقوماته الفنية بدءا من طرائق التعبير، وانتهاء بالموسيقى من وزن وتقفية. وهذا يعنى أنه مرت حِقَبٌ طويلة قبل أن يستقر للشعر الجاهلى سماته وخصائصه" (د. عبد العزيز نبوى/ دراسات فى الأدب الجاهلى/ 12) ...إلخ. ويؤكد تشارلز ليال أن "تعدد البحور التى كان يستعملها الشعراء الجاهليون وتعقدها، وكذلك القواعد الراسخة التى تتعلق بالوزن والقافية، فضلا عن الأسلوب الواحد الذى كانوا ينتهجونه فى بناء قصائدهم رغم المسافات التى تفصل كلا منهم عن الآخر، كل ذلك يشير إلى دراسةٍ وممارسةٍ طويلةٍ سابقةٍ لفن الشعر وإمكانات اللسان العربى، وإن لم يكن بين يدينا سجل لشىء من هذا" (C. J. Lyall, Translations of Ancient Arabian Poetry, London, 1885, P.xvi)، وهو ما يوافقه عليه رينولد نيكلسون (A Literary History of the Arabs, P.75- 76). وبالمثل يقرر إجناطيوس جويدى فى كتابه: "L/Arabie Antéislamique" أن القصائد الجاهلية الرائعة التى وصلتنا عن القرن السادس الميلادى تشير إلى أن وراءها صنعة طويلة (I. Guidi, L/Arabie Antéislamique, Paris, 1921, P.21). ويعلل كليمان هوار اختفاء الشعر السابق على ذلك التاريخ بأن الذكريات البشرية، ما لم يتم حفظها كتابة على الجدران أو الحجارة أو الأوراق، فإنها حَرِيّةٌ أن تضيع مع الأيام. ومن ثم يضيف قائلا إن الشعر العربى الذى وصلنا لا يرجع إلى أبعد من القرن السادس الميلادى عندما استُعْمِلت الألفباء النبطية فى تسجيل ذلك الشعر (Clément Huart, A History of Arabic Literature, William Heinmann, London, 1903, P.7).
وعودة إلى باسيه وما قاله هأنذا أضع بين يدى القارئ عبارته كما هى فى نصها الفرنسى:
“nous savons que les chants guerriers étaient depuis longtemps en usage chez les Arabes. Un auteur grec, qui écrivit au ve siècle une histoire ecclésiastique, Sozomène, rapporte qu/en 372 de l/ère chrétienne, une reine des Sarrasins, Mania, ou, selon d/autres, Mavia, ayant battu les troupes romaines de Palestine et de Phénicie, le souvenir de cette victoire se conserva dans les chants populaires des Arabes. Il est à regretter que l/historien chrétien ne nous ait pas rapporté, même dans une traduction, quelques fragments de ces vers : nous aurions là le spécimen le plus ancien de la poésie arabe”
هذا عن مرجليوث، أما طه حسين فقد نفى شعر الجاهلية جُلَّه إن لم يكن كُلَّه طبقا لما قال. ولقد اتخذ د. عبد الرحمن بدوى من كتاب ابن سلام بالذات تكأة للدفاع عن نظرية طه حسين الفطيرة التى أخذها من مرجليوث على عين ذلك المستشرق وهواه، قائلا إنه كلما تذكر الحملة الشعواء الهوجاء التى أثيرت حول كتاب "فى الشعر الجاهلى" للدكتور طه حسين فإن عجبه لا ينقضى لأن ما قاله الدكتور طه عن انتحال الشعر الجاهلى وفساد رواياته وما أضيف إليه أو حُذِف منه هو، بنص عبارته، كلام سبق أن قاله وأشبع القول فيه علماء الأدب واللغة القدماء منذ القرن الثانى للهجرة. ثم لم يجد ما يستشهد به فى هذا المجال إلا ما كتبه ابن سلام فى ذلك الموضوع، ليختم اقتباساته الكثيرة من ذلك العالم قائلا: "تلك هى النتائج التى انتهى إليها ابن سلام الـجُمَحِىّ والأسباب التى ساقها لبيان منشإ الانتحال والتزييف والزيادة فى الشعر الجاهلى. وهى هى عينها النتائج والأسباب التى أوردها الدكتور طه حسين فى كتابه: "فى الشعر الجاهلى"..."، ذلك الكتاب الذى يقول بدوى إنه قد قوبل عند ظهوره "بالدهشة الحمقاء" لعدم اطلاع المعارضين على ما كتبه أمثال ابن سلام من العلماء القدماء فى هذا المجال اطلاعَ فهمٍ دقيقٍ متبصّر حسب تعبيره، وكذلك ما كتبه المستشرقون فى ذات الموضوع (انظر كتابه: "دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى/ ط2/ دار العلم للملايين/ بيروت/ 1986م/ 5- 13).
بل إن أحد العلماء المعتدلين كالدكتور شوقى ضيف لم ينج من إلحاح هاجس الشك فى الشعر الجاهلى الذى زرعه ابن سلام فى النفوس رغم تصديه، رحمه الله، لمن يريدون نسف ذلك الشعر أو إثارة الشك المبير فيه (انظر كتابه: "العصر الجاهلى"/ 164- 175)، فقد رأيناه يقف عند هذه القصيدة أو تلك من قصائد هذا الشاعر الجاهلى أو ذاك مبديا شكه فى صحتها بناء على أسباب ليست مقنعة بالمرة. ولسوف آخذ مثالين اثنين فقط مما كتبه، رحمه الله، فى هذا الموضوع: فمثلا نراه يشك شكا شديدا فى قصيدة النابغة الذبيانى: "بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما" لأنها، كما يقول، "نسيب خالص ولأن بها روحا إسلامية تتصح فى قوله مخاطبا صاحبته:
حيّاكِ ربى، فإنا لا يحلّ لنــا * لهو النساء، وإن الدين قد عَزَما
مشمِّريـن على خُوصٍ مزنَّمةٍ * نرجو الإله، ونرجو البر والطَّعَما
رغم أنها من رواية الأصمعى كما ذكر هو نفسه (العصر الجاهلى/ 278). ولست أشاطر الأستاذ الدكتور شكه فى القصيدة، فإن مجيئها نسيبا خالصا لا يُعَدّ مسوِّغا لرفض نسبتها إلى الشاعر ضربة لازب، وإلا فهل عنده دليل على أن النابغة لا يمكن أن يقول شعرا خالصا فى النسيب؟ كما أن البيتين اللذين يصفهما بأنهما ذوا روح إسلامية لا يتّسمان فى حقيقة الأمر بشىء إسلامى حَصْرًا، إذ الكلام فيهما عن الإله والدين بعامة، وهو كلام يصدق على كثير من الأديان. وحتى لو كانا إسلاميين حقا وصدقا، فإن ذلك ليس بالسبب الكافى لرفض القصيدة كلها، بل لرفض البيتين فحسب. ومع ذلك فإنه هو نفسه لم يردّ بيتين لزهير بن أبى سلمى يؤمن فيهما باليوم الآخر والحساب ويؤكد معرفة الله تعالى بغيب النفوس واطلاعه المطلق على كل شىء (المرجع السابق/ 303)، فهذا من هذا. ولا ننس أن النابغة كان يتردد على بلاط الحيرة والغساسنة، وكان ملوكهما نصارى. بل إن فى شعره، كما نعرف، كلاما عن بعض الأعياد والاحتفالات النصرانية.
وبالمثل نجد الأستاذ الدكتور ينكر صحة قصيدة الأعشى الدالية التى تقول كتب الأدب إنه كان قد أعدها لمدح الرسول عليه السلام قبل أن تلقاه قريش وتصده عن الذهاب إليه وإعلان الإيمان به، والتى تتضمن بعض التعاليم الإسلامية والعبارات القرآنية، بحجة أنها "لا تتفق فى شىء ونفسية الأعشى"، وأنه لا يمكن أن "يؤمن بتعاليم القرآن على هذا النحو ثم ينصرف عن الرسول وهديه" حسب تعبيره (السابق/ 342). يشير الأستاذ الدكتور إلى ما تحكيه كتب الأدب من أن الأعشى أعد العُدّة للوفادة على النبى عليه السلام وهو لا يزال فى مكة وجهّز فى مدحه قصيدة يقولها عند لقائه، إلا أن قريشا ما إن علمت بهذا الذى كان ينتويه حتى سارعت بمقابلته وعملت على تنفيره من الدين الجديد وصاحبه، فرجع من طريقه دون أن يفد عليه صلى الله عليه وسلم، ثم تتابعت الحوادث حتى مات ولم يدخل فى الإسلام.
لكنْ من قال إن الأعشى كان فى خاطره الانصراف عن الرسول انصرافا نهائيا؟ ربما انصاع لكلام القرشيين ريثما تتاح له فرصة أخرى، أو ربما ضَعُفَ أمام ما أعطَوْه من مال فأخذه وانصرف مؤقتا انتظارا لظروف أفضل يستطيع أن يعلن فيها إسلامه دون خوف من ضغط أو إحراج. والناس ليسوا سواء فى قوة التمسك بما يؤمنون به، ولا كُلّهم على استعداد للبذل والتضحية العنيفة، ولا من طبيعتهم جميعا المسارعة إلى تنفيذ ما ينوون عمله. وعندى أن تفسير موقف الأعشى بذلك أقوى فى الإقناع من إنكار نسبة القصيدة له والقول بأنها منحولة.
وثمة أمثلة أخرى كثيرة يسارع فيها الدكتور شوقى إلى إعلان شكه فى هذه القصيدة أو تلك دون أن تكون التسويغات التى يسوقها مُرْضِيةً للعقل، ولكنى أكتفى بهذين المثلين دليلا على أنه، ككثير من الباحثين العرب، قد امتلأ قلبه بهاجس النحل والانتحال أكثر مما يصح رغم أنه قد رد هجوم مرجليوث وطه حسين وبلاشير على الشعر الجاهلى وبيّن ما فى ذلك الهجوم من مغالاة لا تستقيم ومنطق الأشياء (السابق/ 166- 175).
خلاصة القول إن فى الشعر الجاهلى شعرًا صحيحًا، وهو الأغلبية الكبيرة، وفيه إلى جانب هذا شعر منحول أيضا، إلا أن المنحول ليس بالكثرة ولا الاتساع الذى توحى به عادةً كتاباتُ من كتبوا فى ذلك الموضوع. كذلك ينبغى ألا ندلف إلى قراءة الشعر الجاهلى ونحن ممتلئون امتلاءً بهواجس الشك فيه، بل نقرؤه ونحن هادئو الأعصاب، ومتيقظون أيضا، وعلى أساس ألا تزر وازرة وزر أخرى، بمعنى أنه إذا بدا لنا بوضوح أن ثم شيئا مريبا فى النص وقفنا إزاءه وقلبنا فيه النظر ووضعناه على محك التمحيص، وإلا فهو شعر صحيح.
ولقد مررت بتلك التجربة عدة مرات، وأبرزها المرة التى درست فيها شعر عنترة، إذ ألفيت أن بعض طبعات ديوانه تحتوى على لونين من الشعر: شعر تبدو عليه بكل وضوح سيما الشعر الجاهلى، وشعر لا يمكن أن يكون منتميا إلى ما قبل الإسلام. وهو ما حفزنى إلى دراسة الأمر بعمق، فتبين لى أن اللون الأخير ليس لعنترة، بل هو مما أضافه كتاب سيرته الشعبية توسيعا لقصته وتضخيما لشخصيته وأمجاده، وأن ثمة سمات فارقة بين الشعرين لا يمكن أن تخطئها عين الخبير رغم وقوع بعض كبار الدارسين، ومنهم أسماء طنانة، فى شبكة الانخداع والتسليم ودراستهم تلك الأشعار المزيفة دراسة المطئن إلى صحة نسبتها إلى عنترة. وقد استخرجت تلك السمات وخصصت لها فصلا كاملا فى دراستى المذكورة. أريد أن أقول إننى قد دخلت ساحة البحث فى شعر عنترة وأنا برىء الصدر، فلما شعرت بأن هناك ما يريب استربت. ثم لم أكتف بالاسترابة، بل شفعتها بالتدقيق والتحقيق حتى وصلت إلى ما شفى نفسى وأراح قلبى.
نخلص من هذا كله إلى أن فى الشعر الجاهلى أشعارا منحولة، وهذا أمر طبيعى، فالتزييف جانب أساسى من جوانب الحياة البشرية لا فَكَاك منه: يستوى فى هذا الشعر الجاهلى والشعر غير الجاهلى والنثر وغير النثر والفلوس والعقود والصكوك والشهادات والكلام اليومى العادى والكلام الرسمى ونشرات الأخبار والبيانات العسكرية والتقارير السياسية والإحصاءات الاقتصادية، وهلم جرا. ثم لا ننس أن الطبيعة الشفوية التى كان يلجأ إليها الرواة لحفظ ذلك الشعر فى الأغلب الأعم قد ساعدت على النسيان والخلط رغم ما نعرفه عن قوة الذاكرة العربية فى المجتمع الجاهلى حيث كانت الكتابة والقراءة غير منتشرة آنذاك. ولكن علينا فى ذات الوقت، إن وجدنا أكثر من رواية للنص الشعرى الواحد، ألا نظن ذلك ناتجا بالضرورة عن النسيان أو السهو من قِبَل الرواة، إذ من المحتمل جدا أن تكون هذه نسخة أخرى من القصيدة سببها مراجعة الشاعر للنسخة الأولى بعد إعادته النظر فيها فقدَّم وأخَّر وغيَّر وحوَّر وحذف وأضاف. أما الأسباب المتعددة التى اتكأ عليها وأبرزها ابن سلام فقد رأينا أنها تفتقر بقوة إلى الدليل.
وفى الفقرات التالية ما يرينا كيف أن النحل أو الخلط أو التزييف أو الشك ليس مقصورا على شعر العصر الجاهلى ولا على الشعر وحده: جاء فى "الأغانى" مثلا عن مجنون بنى عامر: "أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الحزامي، قال: حدثني أيوب بن عباية، قال: سألت بني عامرٍ بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه. وأخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأبٍ قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئا؟ قال: أوَقد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين! إنهم لكثيرٌ! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق. فقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكبادا من ذاك. إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضعاف قلوبها، السخيفة عقولها، الصعلة رؤوسها. فأما نزار فلا.
أخبرني هاشم بن محمد، قال: حدثنا الرياشي، قال: سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عُرِفا في الدنيا قط إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القِرّيَّّة. وإنما وضعهما الرواة. وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد عن الحزامي، قال: ولم أسمعه من الحزامي فكتبته عن ابن أبي سعد، قال أحمد: وحدثنا به ابن أبي سعد عن الحزامي، قال: حدثنا عبد الجبار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحقٍ عن أبيه عن جده، قال: سعيت على بني عامر فرأيت المجنون وأتيت به وأنشدني. أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو سعيد السكري، قال: حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني، قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل. قال: ومنهم رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة". فنحن هنا أمام رأيين: رأى يقول إن المجنون شخص حقيقى، والآخر أنه لا حقيقة له. والمجنون، كما نعرف، ينتمى إلى عصر بنى أمية.
وفى "الأغانى" أيضا: "أخبرني أبو خليفة عن ابن سلام أن أبا يحيى الضبي قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا وإن لها لمرادا ومعنى بعيدا. قال له الفرزدق: ما هي؟ قال: قلت :
أحين أعاذت بي تميمٌ نساءها * وجُرِّدْتُ تجريد اليماني من الغِمْدِ
ومدت بضبعيّ الرباب ومالكٌ * وعمرٌو، وشالت من ورائي بنو سَعْدِ
ومن آل يربوعٍ زهاءٌ كأنه * زها الليل محمود الكناية والرِّفْدِ؟
فقال له الفرزدق: لا تعودن فيها، فأنا أحق بها منك. قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك. فهي قصيدة الفرزدق التي يقول فيها:
وكنا إذا القيسي نب عتوده * ضربناه فوق الأنثيين على الكرد
... وروى هذا الخبر حماد عن أبيه عن أبي عبيدة عن الضحاك الفقيمي، قال: بينا أنا بكاظمة، وذو الرمة ينشد قصيدته التي يقول فيها: "أحين أعاذت بي تميمٌ نساءها" إذا راكبان قد تدليا من نقب كاظمة مقنَّعان فوقفا، فلما فرغ ذو الرمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال لراويته: يا عبيد، اضمم إليك هذه الأبيات. قال له ذو الرمة: نشدتك الله يا أبا فراس! فقال له: أنا أحق بها منك. وانتحل منها هذه الأربعة الأبيات". ولست أقول إن هذا صحيح بالضرورة، بل أريد إلى أن ألفت الانتباه إلى أن ثم خلافا وشكوكا حول بعض النصوص الأموية، وإن الانتحال، إن صحت الرواية، كان يتم فى بعض الأحيان "عَيْنِى عَيْنَك" دون حرج أو تردد.
وفى "رسائل الجاحظ" نقرأ ما يلى: "وإني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدِّين والفقه، والرسائل والسيرة، والخطب والخراج والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعةٌ من أهل العلم، بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملكٍ معه المقدرة على التقديم والتأخير، والحطِّ والرَّفع، والترغيب والترهيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتْهم حيلةٌ في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي أُلِّف له فهو الذي قصدوه وأرادوه. وإنْ كان السيد المؤلَّف فيه الكتاب نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتْهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأَهْدَوْه إلى ملك آخر، ومَتُّوا إليه به، وهم قد ذمّوه وثلبوه لمـّا رأوه منسوبا إليّ، وموسوما بي. وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدمني عصره، مثل ابن المقفع والخليل وسَلْم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن خالد والعتّابيّ ومن أشبه هؤلاء من مؤلِّفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيِّرونه إماما يقتدون به ويتدارسونه بينهم، ويتأدّبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عنيِّ لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة، ويأتمُّ بهم قومٌ فيه، لأنه لم يترجَم باسمي، ولم يُنْسَب إلى تأليفي. ولربما خرج الكتاب من تحت يدي مُحْصَفًا كأنه متن حجرٍ أملس، بمعانٍ لطيفةٍ محكمةٍ، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إنْ أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أَهِمُّ بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأُظهره مُبْهَمًا غُفْلاً في أعراض أصول الكتب التي لا يُعْرَف وُضّاعها، فينهالون عليه انهيال الرَّمْل، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلْبة إلى غايتها".
وقد يصح أن نقول إن الجاحظ يبالغ فى كلامه وإنه إنما كان يريد فقط ضرب المثل، ومع هذا تظل العبرة قائمة فى أن مثل ذلك الأمر هو من الممكنات. والجاحظ لا ينتسب إلى العصر الجاهلى، ولا إبداعه ينتسب إلى عالم الشعر. وقد يقول لى قائل: وماذا تريد من أدلة بعد الإقرار الجاحظى؟ أوليس الإقرار هو سيد الأدلة كما يقولون فى القضاء؟ نعم لكن بعد تمحيص هذا الإقرلر، فقد يكون الشخص المقرّ قد أقرّ لسبب آخر غير إبانة الحقيقة، بل قد يكون أقرَّ لتضليلنا عن الحقيقة. وكثيرا ما يحدث هذا، وهو من الأمور المعلومة من الدنيا بالضرورة.
وفى هذا المثال بالذات فإننا نتساءل: أين تلك الكتب التى نسبها الجاحظ إلى ابن المقفع مثلا؟ وما أسماؤها؟ ولماذا لم يذكر لنا صاحبها هذه الأسماء؟ إن لابن المقفع كتبا قليلة معروفة هى: "كليلة ودمنة" و"رسالة الصحابة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" ليس إلا، وليس من بينها ما يشبه أسلوبه أسلوب كتب الجاحظ، ولا روحه روح الجاحظ، ولا فكره فكر الجاحظ. كما أنه لم يقل أحد من القدماء قَطُّ من معاصرى الجاحظ أوممن جاؤوا بعده إن هذا الكتاب لابن المقفع أو لغيره ممن أومأ إليهم الجاحظ إنما هو للجاحظ لا لهم. أولو كان ما قاله الجاحظ صحيحا على حرفه أكانوا يقرأون كلامه ويسكتون دون أن يعيّنوا هذه الكتب أو يناقشوا هذا الكلام على الأقل؟ أريد أن أقول إننا أحرياء ألا نصدق كل ما نقرأ حرفيا، بل علينا أن نمحص الأمر كلما بدا لنا منه شىء مستغرب لنرى مدى معقوليته تاريخيا ومنطقيا ونصوصيا... وهكذا. ومن شأن هذا الأمر كذلك أن يحجزنا عن العكوف على ما قال ابن سلام أو غيره فى مسألة الشك والنحل فى شعر الجاهلية عكوف المصدِّق، بله المقدِّس. وهو ما أعالج أن أصنعه فى هذه الصفحات. وهذا الكلام بدوره ينطبق على ما قيل عن ابن المقفع من أنه كان يترجم كتب الزندقة والإلحاد كى يغرى المسلمين بترك دينهم، إذ أين مثلا تلك الكتب المزعومة طوال كل هاتيك القرون؟
وهناك كتاب "إعراب القرآن"، الذى نُشِر لأول مرة على أنه منسوب للزَّجّاج، وقال محقق الكتاب فى مقدمته إنه لأبى طالب المكى، لينتهى الأمر بعد ذلك إلى أنه للباقولى. ومثله كثير من الكتب التى ظلت تنسب إلى غير أصحابها ككتاب "نقد النثر"، الذى كان يُظَنّ أنه لقدامة بن جعفر قياسا على كتابه: "نقد الشعر"، ثم اتضح أنه لأبى الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب.
وفى"الإمتاع والمؤانسة" لأبى حيان التوحيدى عن الصاحب بن عباد: "أما الكتّاب والمتصرفون فيخافون سطوته، وأما المنتجِعون فيخافون جفوته، وقد قتل خلقا، وأهلك ناسا، ونفى أمة نخوة وبغيا، وتجبرا وزهوا. ومع هذا يخدعه الصبى، ويخلبه الغبى، لأن المدخل عليه واسع، والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: "مولانا يتقدم بأن أُعَار شيئا من كلامه ورسائله، منظومه ومنثوره، فما جُبْتُ الارض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلا لأستفيد كلامه، وأَفْصُح به، وأتعلم البلاغة منه. لكأنما رسائل مولانا سُوَر قرآن، وفِقَره آيات فرقان، واحتجاجه فى أثنائها برهان. فسبحان من جمع العالم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص". فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهى عن كل مهم له، وينسى كل فريضة عليه، ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الوَرَق والوَرِق، ويسهل الإذن عليه، والوصول إليه، والتمكن من مجلسه، فهذا هذا. ثم يعمل في أوقات كالعيد والفضل شعرا، ويدفعه إلى أبى عيسى بن المنجم، ويقول له: قد نحلتك هذه القصيدة. امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من المنشدين. فيفعل ذلك أبو عيسى، وهو بغدادى محكَّك قد شاخ على الخدائع وتحنَّك، وينشد، فيقول له عند سماعه شعره فى نفسه، ووَصْفه بلسانه، ومَدْحه من تحبيره: أعد يا أبا عيسى، فإنك والله مجيد. زَهٍ يا أبا عيسى! قد صفا ذهنك، وجادت قريحتك، وتنقحت قوافيك. ليس هذا من الطراز الاول حين أنشدتنا في العيد الماضي. المجالس تخرج الناس، وتهب لهم الذكاء، وتزيدهم الفطنة، وتحول الكودن عتيقا، والمحمر جوادا. ثم لايصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية، وعطية هنية، ويغايظ الجماعة من الشعراء وغيرهم لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا، ولا يزن بيتا، ولا يذوق عَرُوضا".
ولدينا كذلك أبو العلاء المعرى، الذى اتُّهِم من قِبَل بعض كتاب عصره وما بعده بالزندقة والإلحاد بناء على أشعار منسوبة إليه. إلا أن من الباحثين الكبار من يشككون فى هذه الأشعار مؤكدين أن بعضها قد فُهِم على غير وجهه، وبعضها الآخر، وهو الأخطر، قد نُحِل للرجل نحلا. ويمكن الرجوع فى ذلك إلى ما كتبه د. شوقى ضيف مثلا فى الدفاع عن المعرى فى كتبه: "عصر الدول والإمارات- الشام" و"فصول فى الشعر ونقده" و"الفن ومذاهبه فى الشعر العربى". ولعل فى المثال الواحد التالى الغناء عن التطويل فى ذلك الموضوع، فقد ذكر د. شوقى ضيف (عصر الدول والإمارات- الشام/ دار المعارف/ 1990م/ 174) أن ثم بيتا فى "لزوميات" المعرى يجرى على النحو التالى:
قد ترامت إلى الفساد البرايا واستوت فى الضلالة الأديانُ
"والبيت، على هذا النحو، يلصق تهمة الإلحاد بأبى العلاء" كما يقول الأستاذ الدكتور لولا أن ثم رواية أخرى فى شرح ابن السِّيد البطليوسى للمختار من "اللزوميات" أقدم من غيرها من روايات هذا الديوان، ومن ثم فهى أقمن بالتصديق منها. وهذه الرواية تقول:
قد ترامت إلى الفساد البرايا ونهتْنا، لو ننتهى، الأديانُ
وفضلا عن ذلك فأشعار الرجل وأنثاره مفعمة بما يدل على إيمانه بالله وحبه للإسلام وتمجيده للقرآن الكريم، وذلك رغم حملته على من اتخذوا الدين حرفة لاختلاس الدنيا، وسخطه على تشتت المسلمين فرقا متناحرة.
وفى العقود الأخيرة بالذات شاعت سرقة الكتب العربية والأجنبية. وعلى سبيل المثال تعرض كتابى: "فضيحة العصر- قرآن أمريكى ملفق: الفرقان الحق" لسرقته كله تقريبا بما فيه تنويهى فى المقدمة بالجهد الذى بذلته والوقت الذى أنفقته فى البحث عن كتاب "الفرقان الحق" على المشباك. سرقه شاب لا يزال فى أول الطريق، وحتى الآن لم يصح منى العزم على عمل أى شىء تجاه اللص. ومن الأسماء الرنانة من يشترى أصحابها الكتب ودواوين الشعر من مبدعيها ويضعون أسماءهم عليها بوصفهم هم المؤلفين. أى أن الشعر الجاهلى ليس بدعا فى مسألة الشك والنحل واضطراب النسبة.

ibrahim_awad9@yahoo.com


التاريخ المجهول للإسلام المقاوم: الفلبين
تعلموا من بوغوتا
انتفاضة المعتقلين في السجون المصرية
القرضاوي.. ضمير أمّة وصوت عالم
كل فكر.. واجهه السيف !
العراق اليتيم !
خرافة الدولة العميقة
لغز العسكر وكيف حلَّه رسول الله
هل الانقلاب محنة أم منحة؟
وإذا الموْءودة سُئِلَتْ..!
انهيار فضائيات الفاسدين
رجال فى حياتى
الطائرات الاسرائيلية قصفت معملا لا أسلحه منقولة
مؤتمر لنصرة الأحواز في مصر
جيش العراق نصر ذهبي وأسطورة دفاعية
نعم للدستور .. لا للعولمه
الربيع الديمقراطي العربي بداية عصر النهضة
شركاء السفاح في جرائمه في سورية
ربيعنا والعين الأمريكية التي لاتنام؟
مقارنة بين عمرو بن العاص ونابليون بونابرت
المزيد

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان