د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

القمنى بلبوصًا! (فضح مخازى القمنى فى كتاب الحزب الهاشمى) 2 من 3
د.إبراهيم عوض
8/15/2009

كذلك وقفت السقاف عند عبد المطلب وزيد بن عمرو بن نفيل وأمية بوصفهم حنفاء، وعلى هذا الترتيب الذى تناولهم به القمنى أيضا، وإن كان القمنى قد تناول حنفاء آخرين، إلا أنه أبقى الكلام عن هؤلاء الثلاثة إلى النهاية وساقهم بهذا الترتيب، وأرود لهم كثيرا من النصوص التى أوردها كتاب السقاف، وأبرز أهيمتهم بنفس الطريقة التى نجدها عندها، أو بالأحرى: فى الكتاب الذى يحمل اسمها. والملاحظ أيضا أن احتفاء الاثنين بأمية بن أبى الصلت وتمجيده كبير حتى إنهما ليركزان كثيرا على "طهره" و"تطهره"، فضلا عن إيرادهما أشعاره المشبهة لما فى القرآن بوصفها أشعارا صحيحة مع ما هو مشهور بين العلماء من أنها منحولة عليه. وقد زاد القمنى فعزا، عن طريق التدليس، القول بصحتها إلى د. جواد على، الذى قال عكس هذا تماما. إلا أن القمنى حذف من كلام الباحث العراقى سطورا كثيرة ثم لحم النص بطريقة توحى بأن جواد على يقول ما قاله هو من أن شعر أمية المشابه للقرآن هو شعر صحيح، وأن الرسول والقرآن من ثم مدينان له.وقد فصلنا القول فى ذلك تفصيلا فى المقال المسمى: "اعتزال سيد القمنى".

ولكن هل كتاب أبكار السقاف هو مصدر العبارة المنسوبة إلى عبد المطلب، تلك التى يباهى فيها ذلك الشيخُ الجليلُ بأبنائه وأحفاده ويؤكد أن أمثالهم أحرياء أن ينشئوا الدول؟ كلا ثم كلا ثم كلا. إنما هو فى أحسن أوضاعه مرجع وسيط. ولكن صاحبته للأسف لم تذكر المصدر الذى أُخِذَتْ منه هذه المعلومة، بل أوردت اسم مرجع وسيط آخر، ثم زادت الطين بلة فلم تحدد مكان الطبع ولا تاريخ الطبعة أو رقم الصفحة، مكتفيةً بالقول بأنه كتاب "قصة الأدب فى الحجاز فى العصر الجاهلى" من تأليف خفاجى والجيار. وهو أمر يبعث على القهقهة، إذ الصواب أنه من تأليف د. محمد عبد المنعم خفاجى وعبد الله عبد الجبار، فانظر الفرق بين الأمرين كى تدرك مدى الاضطراب الذى أحاط بالكاتبة حتى إنها لا تعرف الفرق بن عبد الجبار والجيار ولا تفكر فى تحديد الطبعة ورقم الصفحة فى كتاب يبلغ عدد صفحاته زهاء السبعمائة.

وقد أرهقنى الأمر قبل أن أنجح فى الوصول إلى موضع الاقتباس، وهو الصفحة رقم 306 من طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة عام 1400هـ- 1980م لأفاجأ بأن السقاف قد أفسدت النقل، إذ ذكرت أن عبد المطلب هو الذى قال هذه العبارة وهو ينظر إلى أولاده وأحفاده مباهيا بهم، على حين أن قائلها، كما ورد فى كتاب خفاجى وعبد الجبار وكما ورد فى كتاب "أعلام النبوة" للماوردى، إنما هو أعرابى كان قد مر بعبد المطلب جالسا وحوله أولاده وأحفاده. على أن المؤلفَيْن المذكورَيْن بدورهما لم يذكرا المصدر الذى استقيا منه هذه العبارة وتركانا فى عماية معماة من الأمر. فانظر، أيها القارئ العزيز، إلى كل هذا الاضطراب، وتعجب ما حلا لك التعجب! ثم يقال بعد هذا كله لذلك المزور القرارى إنه باحث لم تلده ولادة! ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إلهى يحرسك من العين يا قمنى!

بالله أهذا الهلس يصلح فى ميدان البحث العلمى؟ أمن المعقول أن يأتى أحدهم إلى عبارة طائرة لا يدرى من أين أُخِذَتْ ولا من قالها ولا ماذا تعنى، بل لا يدرى أصلا أهى صحيحة أم لا، ثم يرتب عليها أطروحته كلها، وهى أطروحة فى منتهى الخطورة، إذ تتهم محمدا عليه السلام بأنه ليس نبيا بل رجلا سياسيا أراد تحقيق مطامح جده فى توحيد العرب وإقامة دولة تحمل اسم الهاشميين، ثم لا دين بعد ذلك ولا يحزنون؟ وقد نفضتُ كثيرا جدا جدا من كتب التراث التى يغلب على الظن أن مثل تلك العبارة يمكن أن يعثر الباحث عليها فيها فلم أوفق. وبعد رحلة بحثية أخرى لم أعثر عليها إلا فى كتاب واحد هو كتاب "أعلام النبوة" للماوردى المولود فى أول الثلث الأخير من القرن الرابع الهجرى تقريبا.

والملاحظ أن هذه العبارة لا وجود لها فى تاريخ الطبرى ولا فى سيرة ابن هشام ولا فى "المغازى" للواقدى ولا فى غيرها من كتب التاريخ الموجودة فى موقع "الوراق"، وهى بالعشرات. فكيف انفرد الماوردى بها؟ وأين كانت قبل أن يوردها فى كتابه؟ وحتى لو صدقنا بها، فمن ذلك الأعرابى الذى قالها؟ وفى أية ظروف نطق بها؟ بل من هو الراوى الذى رواها للماوردى؟ والواقع أن العبارة لا يمكن أن تكون صحيحة. لماذا؟ أولا لأن كلمة "دولة" بالمعنى الذى يقصده القمنى ومن يتابعهم عميانيا دون فهم أو عقل أو منطق أو تدقيق ليست من معجم الجاهليين. ودونك، يا قارئى العزيز، الشعر الجاهلى كله ففَلِّه براحتك. فإن وجدت هذه الكلمة فى أى شاهد منه غير الشاهد التالى، وهو بمعنى مختلف تماما عما نحن فيه، فتعال قل لى، ولك منى الشكر الجزيل. يقول سليمة بن مالك الأزدى: "وَالقَومُ لا يغنيهمُ رَيْبُ الدُّوَلْ"، أى تداول النصر والهزيمة.

كذلك دونك القرآن الكريم، ويقينا لن تعثر على هذه الكلمة بين مفرداته، بل هناك فقط كلمة "دُولَة" فى قوله تعالى عن الحكمة وراء توزيع الأنفال على فئات بعينها من المهاجرين غِبَّ انتصار المسلمين فى خيبر: "كيلا يكون دُولَةً بين الأغنياء منكم"، أى كيلا ينحصر تداول المال فى يد الأغنياء منكم. فـ"الدُّولَة" هنا من التداول، ولا علاقة لها بمفهوم الدولة (state) إطلاقا. كذلك تخلو أحاديث الرسول الكريم من تلك الكلمة أيضا، اللهم إلا حديثين أو نحو ذلك من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة استعملا الكلمة بمعنى "السيادة" أو "الدَّوْر" أو "الحصّة"، إذ نُسِب إلى الرسول قوله: "إن للمساكين دولة. قيل: يا رسول الله، وما دولتهم؟ قال: إذا كان يوم القيامة قيل لهم: انظروا من أطعمكم في الله لقمة وكساكم ثوبا أو سقاكم شربة ماء، فأدخلوه الجنة"، "حدثني جبريل عليه السلام، قال: يدخل الرجل على الحوراء فتستقبله بالمعانقة والمصافحة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبأي بنان تعاطيه؟ لو أن بعض بنانها بدا لغلب ضوؤه ضوء الشمس والقمر. ولو أن طاقة من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها. فبينا هو متكئ معها على أريكته إذ أشرف عليه نور من فوقه فيظن أن الله عز وجل قد أشرف على خلقه، فإذا حوراء تناديه: يا ولي الله، أما لنا فيك من دولة؟ فيقول: من أنت يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله تبارك وتعالى: "ولَدَيْنا مَزِيد"، فيتحول عندها، فإذا عندها من الجمال والكمال ما ليس مع الأولى. فبينا هو متكئ معها على أريكته، وإذا حوراء أخرى تناديه: يا ولي الله، أما لنا فيك من دولة؟ فيقول: من أنت يا هذه؟ فتقول: أنا من اللواتي قال الله عز وجل: "فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون". فلا يزال يتحول من زوجة إلى زوجة".

ويؤكد هذا كلَّه ما أثبته الخليل بن أحمد فى معجم "العين"، وهو أقرب المعاجم العربية إلى الجاهلية، وهو: "الدُّولةُ والدَّوْلةُ لغتان، ومنه الإدالة. قال الحَجّاج: إِنّ الأرضَ ستُدَالُ مِنّا كما أَدَلْنا منها. أي نكون في بَطْنها كما كُنّا على ظَهْرها. وبنو الدِّول: حَيٌّ من بني حنيفة". وكما يرى القارئ لا وجود لكلمة "دولة" بالمعنى العصرى فى هذا المعجم. وقد جرت العادة حينذاك أن يقال: "الفرس والروم والأحباش" مثلا بدلا من "دولة الفرس ودولة الروم ودولة الأحباش" كما فى قوله عز شأنه: "ألم غُلِبَتِ الرُّوم فى أدنى الأرض، وهم من بعد غَلَبهم سيَغْلِبون* فى بِضْع سنين".

ولقد بدا لى قبل هذا أن أراجع الشعر الجاهلى كله فى الإصدار الثالث من "الموسوعة الشعرية" لأرى الأبيات التى تتضمن تركيب "إذا أحب الله..."، فلم أجد فيه ولو شاهدا واحدا، بل لم أجد أى شاهدا أتى فيه اسم الجلالة فاعلا لفعل "إذا" الشرطية قط رغم أننى استعرضت فى ذلك مئات الأبيات التى استعمل فيها أصحابها هذه الأداة ما بين شعراء مشهورين وآخرين مغمورين، وشعراءَ رجالٍ وشاعراتٍ نساءٍ، وما بين "إذا" التى فعل شرطها ماض و"إذا" التى فعل شرطها مضارع، وما بين "إذا" المجردة من "ما" وإذا" التى يعقبها هذا الحرف، وكذلك ما بين "إذا" التى تليها جملة فعلية و"إذا" التى تليها جملة اسمية، وما بين "إذا" الابتدائية و"إذا" التى تتصدر جملة الخبر، وما بين "إذا" التى ترد فى صدر البيت و"إذا" التى تأتى فى دَرْجِه... إلخ. ثم إننى لم أكتف بهذا، بل زدت فاستعرضت فى الموسوعة المذكورة كل الأبيات التى ورد فيها الفعل: "أَحَبَّ" فلم أجده قط فى شعر الجاهليين مسندا إلى الله ولا واقعا عليه أيضا.

وثالثا كيف يمكن أن تخطر لأعرابى فكرة إنشاء الدول، ولم يعرف الأعراب أوانذاك إقامة الدول، إذ كانوا قبائل متناحرة لم يعرفوا الدول ولا الأوطان كما نعرفها نحن الآن؟ وبحقٍّ يؤكد مكسيم رودنسون المستشرق الفرنسى المعروف، فى مادة "محمد" فى طبعة هذا العام من "Encyclopaedia Universalis: الموسوعة اليونيفرسالية"، أن العرب "كانوا يجهلون فكرة الدولة: la notion d/État était inconnue". بل إنهم لم يكونوا ينسبون مثل هذه الأمور إلى الله سبحانه ولا كان يدور فى أذهانهم فى ذلك الوقت من الجاهلية مفهوم المشيئة والإرادة الإلهية على النحو الذى عرفوه بعد الإسلام. لقد كانوا يقولون مثلا: "نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر". ولدينا الشعر الجاهلى، وليس فيه شىء يدل على أنهم كانوا يربطون بين مثل ذلك الأمر وبين إرادة الله. ولنفترض بعد هذا كله أن ما قلناه غير صحيح، وهو لا يمكن إلا أن يكون صحيحا، فكيف لم يحاول واحد من منشئى الدول هؤلاء حسب قولة الأعرابى المزعومة كالعباس وحمزة وأبى لهب وأبى طالب مثلا أن يفكر فى إقامة دولة، اللهم إلا صغيرهم وابن أخيهم محمدا؟ لقد وقفوا منه أول ما بدأ دعوته إلى الإسلام موقف العداء والعناد، بل لقد انضم بعضهم إلى معسكر المؤذين له المتآمرين عليه كأبى لهب. كما أن الذين آمنوا من كبارهم إنما آمنوا بأُخَرَةٍ ولم يسارعوا إلى الانضمام إلى صفوف أتباع منشئ الدول هذا. أما أبو طالب، الذى بسط حمايته على ابن أخيه وكان له فى كثير من المواقف ردء صدق، فلم يؤمن به قط رغم كل الحنان الذى كان يكنه له فى قلبه.

بل لقد كان أبو طالب يطلب منه صلى الله عليه وسلم فى بعض الأحيان أن يكف عن الدعوة إلى ما جاء به إبقاء على العلاقات التى تربط الهاشميين بسائر المكيين على ما تصوره لنا الرواية التالية من السيرة النبوية لابن هشام والتى أوردها الكاتب نفسه فى كتابه موجزة: "ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه. ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مَشَوْا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استَنْهَيْناك من ابن أخيك فلم تَنْهَه عنا. وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.

قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا (الذي كانوا قالوا له)، فأَبْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاءٌ أنه خاذله ومُسْلِمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام. فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي. قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسْلِمك لشيء أبدا". أفلو كان هناك تلك التخطيطات التى يزعمها أصحاب التخليطات الحشاشية، أكان هذا يكون موقف أبى طالب من ابن أخيه الساعى لإنشاء دولة العشيرة؟ أُفٍّ لكل مُهْتَلَسٍ مَأُوف!

ثم إن الكاتب نفسه يقول بعد ذلك ما نصه: "وكانت النتيجة التي سجلتها كتب التاريخ الإسلامي أنْ حَقِبَ الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادأ بعضهم بعضا، وقام حزب عبد الدار يستجمع حلفاءه لمواجهة ما بدأت نذره في الأفق برغم نداء بعض العقلاء مثل عتبة بن ربيعة، الذي التقى النبي، وأدرك الأهداف الكبرى للدعوة، فقام يقول لقريش: يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وما هو فيه فاعتزلوه. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعتُ منه نبأ عظيم. فإن تُصِبْه العرب فقد كُفِيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. وعلى الطرف الآخر أعلن الهاشميون أنهم قد منعوا فتاهم برغم عدم متابعة دعوته دينيا، اللهم إلا أفرادا فرادي. فكانت عصبيتهم القبلية درعا قويا لدعوة حفيد عبد المطلب، التي استنفرت الحزب المناوئ الذي أصر على زعمه أنها دعوة لو كتب لها النجاح لصار الأمر كله إلى البيت الهاشمي". وإن العاقل ليتساءل: لماذا يا ترى يَنْكِل الهاشميون عن متابعة محمد فى دعوته ما دامت تؤدى إلى إنشاء الدولة التى لا تكلّ عشيرتهم عن التخطيط لها والعمل على تحقيقها بكل وسيلة منذ أجيال؟ وماذا يضيرهم فى أن يتابعوه على دعوته؟ أو فلنقل: وماذا كان يضيره لو ترك دعوته الدينية وركز على تنفيذ خطته السياسية ما دام الدين الذى جاء به قد فرق قومه، وفرق معهم عشيرته أيضا، بدلا من توحيدهم؟ ثم كيف يفسر كاتبنا البلبوصىّ هذه الحكمة التى بدت على عُتْبة بن ربيعة فأراد من أهل مكة أن يكفّوا عن مناوأة الرسول، وابنُ ربيعة لم يكن هاشميا؟

وبالمناسبة فالكاتب لا يرتاح هنا إلا بعد أن يكذّب ما يقوله الرسول والصحابة عن عمرو بن هشام، الذى سَمَّوْه: "أبا جهل"، إذ يقول لوذعيُّنا الكارهُ لكل شىء فى الإسلام: "ومن الجدير بالذكر أن عمرو بن هشام لم يكن رجلا أحمق أو أبله بدلالة تحاكم العرب إليه في النفورة والمشاورة والمخايرة منذ حداثته حتى إنهم أدخلوه دار الندوة صبيا". وهذا يعنى أن ما قاله المسلمون والرسول عن جهله وحمقه هو كذب فى كذب وغيظ وحقد لا حقيقة له، وكأن كل صاحب منصب لا بد أن يكون أهلا لذلك المنصب. أفلا يكفى أن يعادى دعوة الإسلام وأن يظل طوال عمره مفعم القلب بالحقد على الرسول الكريم عاميا عن القيم النبيلة المضيئة التى يحتوى عليهادينه، مؤثرا عليها قيم الجاهلية الجهلاء؟ أفلا يكفى أن يكون هو مُورِد قومه مَوْرِد التهلكة فى بدر حين أصر فى عنادٍ غبىٍّ وكِبْرٍ مقيتٍ على متابعة جيش قريش تقدمه إلى بدر رغم توارد الأنباء بنجاة القافلة القرشية التى خرج الجيش لحمايتها، فكانت ثمرة ذلك العناد الجهول الأحمق أن جُنْدِل العشرات من صناديد قريش وقوادها ورؤسائها، ومنهم أبو الجهل هذا؟

وتخبرنا السيرة أن كفار قريش قد عرضوا على النبى، ضمن ما عرضوه، الـمُلْك والسلطان، إلا أنه رفض. فلم يا ترى، وقد كان حريًّا به أن يَعَضّ على تلك السانحة بالنواجذ فلا يفلتها أبدا؟ جاء فى كتب السيرة والأحاديث النبوية "أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلا من عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا فقالوا: يا محمد، والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء، وعِبْتَ الدين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تطلب الشرف فينا سَوَّدْناك علينا. وإن كنت تريد مُلْكا مَلَّكْناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتي رَئِيًّا تراه قد غلب بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ونُعْذِر فيك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا. قالوا: فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، فَسَلْ لنا ربك الذي بعثك به فَلْيُسَيِّرْ عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجحر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا. فإن لم تفعل فَسَلْ ربك مَلَكًا يصدّقك بما تقول، وأن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش. فإن لم تفعل فأسقط السماء علينا كِسَفًا كما زعمتَ أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك أن تعجّل ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة، فيشهدوا لك أنك كما تقول. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا، فأنزل عليه ما قاله عبد الله بن أبي أمية: "وقالوا لن نؤمن لك" إلى قوله: "بشرا رسولا"...".

وهَبِ الرسول عليه السلام قد أخطأ خطأ الدهر الذى لا يُجْبَر، فكيف تركه بنو هاشم فلم يدفعوه إلى قبول مثل ذلك العرض الذى كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر وخلع الضرس، بل بفقء العين، وكانوا على استعداد لأن يبذلوا فى سبيله الغالى والنفيس؟ ألم يكن هذا هو حلم آبائهم وأجدادهم منذ أجيال على ما يقول القمنى وعبد الكريم تبعا لما لُقِّنَاه؟ فيكف يفلتون كلهم جميعا مثل تلك الفرصة؟ ثم كيف نفسر أنه صلى الله عليه وسلم لم يعهد برئاسة الدولة من بعده لأحد من بنى هاشم وترك الأمر شورى بين المسلمين؟ إن ما يقوله عبد الكريم والقمنى إنما هو ترديد لما ظنه الكفار هدفا لمحمد فعرضوا عليه الملك كما رأينا. إلا أن محمدا قد رفض هذا العرض رفضا باتا، مكذبا بذلك كل الكفار فى كل الأدهار. أليس ذلك أمرا مخزيا؟ ألا إن فى ذلك لذِكْرَى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد! لكنْ على من تتلو مزاميرك يا داود؟

وأخيرا فها هو ذا القمنى بعظمة لسانه بعد كل هذه التهويشات الحلمنتيشية عن "الدولة" التى وضع محمد إنشاءها نصب عينيه منذ كان طفلا صغيرا جالسا مع جده وسائر أعمامه وأطفالهم واستمع إلى عبارة جده الخطيرة عن الرجال الذين إذا أحب الله إنشاء دولة خلق أمثالهم لها، ها هو ذا القمنى يلحس كل ما قاله فى هذا الشأن ويؤكد أن النبى حتى بيعة العقبة الأولى لم يكن يضع فى ذهنه بتاتا إقامة أية دولة. يقول سيد المزورين الأولين والآخرين إلى يوم الدين فى الجزء الثانى من مقال له منشور فى موقع "الحوار المتمدن" بعنوان "البيعة ليست هى التصويت": "كانت بيعة العقبة الأولى تحديد هدف الدين بالسعي في الدنيا للحصول على رضا الله لدخول جنته، وليس لإنشاء دولة ذات سلطة وسلطان، ومُلْك يتناصر حوله الناس أو يتصارعون". ونفس الشىء فيما يتعلق ببيعة العقبة الثانية حسبما نقرأ بعد ذلك بسطور قليلة: "بيعة اتفاق على الدم والهدم والحرب وألا يتخلى الأنصار عن نبيهم ويمنعوه كما يمنعون نساءهم وأطفالهم حتى يشتد أمره وتقوى شوكته. وعليه أيضا عندما يقوى شأنه ألا يرتد عنهم ويتخلى عنهم ويعود إلى بلده. هذه هي العقبة الثانية بتفاصيلها ليس فيها شئ عن دولة أو انتخابات... إلخ".

ثم لا يتركنا القمنى فى ضلال من الأمر، بل يعود فيؤكد ما قاله مرة أخرى: "أين هنا الدولة؟ العقبة الأولى كانت تمهيدا للهجرة، وكانت اتفاقا سريا غير علني، والدول غير سرية. العقبة الثانية سرية لتنفيذ الإتفاق". ثم لا يكتفى بهذا، بل يعاود بعد قليلٍ التأكيد قائلا: "مرة أخرى: أين هي الدولة؟ العقبة الأولى كانت تمهيدا للهجرة، وكانت اتفاقا سريا غير معلن، والدول غير سرية. العقبة الثانية سرية بدورها لتنفيذ الاتفاق السري". ثم سوف يعود مرة ثالثة فى الجزء الثالث من المقال مؤكدا ما سبق أن أكده من أنه لم يكن ثم وجود لفكرة الدولة فى ذهن النبى أو الأنصار فى بيعتى العقبة: الأولى والثانية. ليس ذلك فقط، بل هو يصرح بكل ما عنده من صوت عال مجلجل أن "الإسلام لم يقصد إقامة نظام دولة، بل قصد الدين وحده، ولذلك كان لكل خليفة من الراشدين رأيا يختلف عن الآخرين في طريقة استلام الحكم وفي علاقته بالمحكومين. كل شيخ وطريقته في الشغل".

ثم ها هو ذا للمرة الخامسة فى مقال له آخر اسمه: "دولة الحداثة الدينية" ومنشور أيضا فى موقع "الحوار المتمدن أن "اسم الدولة أو الحكومة، بما نفهمه منه اليوم، غاب بالمرة وبالمطلق عن كل التاريخ الإسلامي منذ جاء جبريل بـ"إقرأ" وحتى اليوم، لأن رب الإسلام لو كان يريد دولة لدينه لخلق لها الجماعة التي تضع ذلك وتدرسه وتطبقه وتضع له مواصفاته وشروطه ومؤسساته التي تشرف على تنفيذه وتحميه، وهو كله الكلام الذي لم يكن معلوما زمن الصحابة ولزمن بعيد بعده حتى ظهور ابن تيمية وسياسته الشرعية، وإبن القيم و"أعلام الموقعين"، وحسن البنا و"الإسلام هو الحل". لوأرادها الله دولة إسلامية لخلق هؤلاء زمن الدعوة ليجلسوا حول الرسول ويشيرون عليه بما يقولونه لنا اليوم، ويعظونه به كما يعظوننا، ولقامت الدولة مواكبة لقيام الدين". ثم مرة سادسة فى ذات المقال أن الإسلام "لم تكن الدولة ضمن أهدافه بالمرة ". ومرة سابعة، وفى نفس المقال أيضا: "الدين الإسلامى طلب منا الإسلام، ولم يطلب منا الدولة".

إذن فالقمنى قد انقلب على نفسه وقال ما قلناه من الصبح، ولكن بعدأن طلَّع روحَنا معه. ولنستمع إليه أيضا، فى الجزء الثالث من مقاله: "الوطن والمواطنة عند الإسلاميين" المنشور فى موقع "الحوار المتمدن"، يقرر بصريح العبارة دون أى لبس أن "الإسلام لم يأت لينشئ دولة ولا ليقيم إميراطوريات، ولا علاقة له بالوحدة والتعدد الاجتماعي، ولم يعرف أصلا معنى كلمة "دولة". وكانت "الدولة" عنده هى تداول الأزمان والأشياء، أى تحرُّكها وتبدُّلها: "وتلك الأيام نداولها بين الناس" ليس أكثر". أرأيت أيها القارئ مدى التخبط عند القمنى، أو فلنقل: فى الكتابات التى تحمل اسم ذلك البلبوص؟

والمضحك أن القمنى ذاته ينصحنا فى مقال آخر له عنوانه: "مشايحنا يصلحون" منشور أيضا بموقع "الحوار المتمدن" بأن نراعى السياق التاريخى والاجتماعى للفظ الذى نسمع أو نقرؤه فلا نفسره بالمعنى الذى يستخدمه عصرنا فيه. يقول: "وطالما أن الإسلام قد ظهر في جزيرة العرب وبلغتهم في القرن السابع الميلادي، وحتى نفهم مقاصده الحقيقية، فلا بد أن نتعامل مع الألفاظ بدلالات زمنها، كما كان يفهمها أهل مكانها البيئي وظرفهم الإجتماعي والاقتصادي، وليس كما يشرحها لنا وعاظ أيامنا ليحمّلوها بدلالات لم يقصدها السلف و لا أرادته اللغة، بل ولم تعرفه اللفظة أصلا". وهو ما كرره فى الجزء الثالث من مقاله: "الوطن والمواطنة عند الإسلاميين" المنشور فى الموقع المذكور حيث يؤكد أن "اللفظ هو ابن التاريخ و ابن الواقع الذي يعطيه المعنى و الدلالة". ألم يكن أحرى به أن يقول هذا الكلام لنفسه؟ اللهم إلا أن يكون قد نقل كلامه الحالىّ وكلامه السابق عن جهة من الجهات طلبت منه أن يتبناه ويؤديه كما هو لتحقيق غرض بعينه فى كل مرة دون مبالاة بالصواب والخطإ، فصدع بالأمر فى الحالتين دون إدراك لأبعاده أو فهم لمضامينه، وهو ما أرجّحه!

ثم ها نحن أولاء كذلك، فى الجزء الثانى من مقال له بعنوان "الوطن والمواطنة عند الإسلاميين" منشور فى هذا الموقع ذاته، نقرأ أنه "عندما جاء الإسلام لم ينشغل بالمرة بشئ اسمه الدولة والوطن لأنه لم يكن في مجتمع يعرف بعد معنى كلمة دولة"، وأن "الدولة لم تكن إطلاقا من صلب الدين الإسلامي". إذن فمحمد، فى رأى سيدنا البلبوصى لا رضى الله عنه، كان يدعو إلى دين ولا يريد إنشاء دولة: لا هاشمية ولا قمنية ولا باذنجانية ولا بلبوصية! كذلك لم يكن من الممكن أن يخطر للأعرابى الموهوم أو لعبد المطلب نفسه مفهوم "الدولة". فبأى رأى من الرأيين المتناقضين نأخذ؟ أفتونى ايها الناس! أنا أقول لكم: إنه يرفض الآن أن يكون فى الإسلام دولة، نكايةً فيمن ينادون بإقامة الدولة على أساس إسلامى، على حين يقول فى "الحزب الهاشمى" بأن محمدا إنما قصد إقامة دولة هاشمية من أجل أن ينفى نبوته. وهذا هو السر فى الموقف المتناقض الذى يقفه فى هذه القضية!

ولا أظن القارئ إلا تنبه إلى أن القمنى (حلاق الصحة الذى ظن أنه يستطيع أن يلحق بطبقة الدكاترة بمائتى دولار) قد فتح همزة كلمة "إعلام" فى اسم كتاب ابن القيم: "إعلام الموقعين" والصواب كسرها، إلى جانب بعض الغلطات الأخرى، وإن لم نكن هنا فى مقام مؤاخذته بأخطائه اللغوية والإملائية، وما أكثرها رغم أن مثل هذه المقالات تخصع للمراجعات اللغوية. فما بالنا لو لم تخضع؟ لقد أحصيت له مئات الأغلاط اللغوية والإملائية فى بعض المقالات المنشورة له بموقع "الحوار المتمدن"، فهو لا يستطيع أبدا التمييز بين همزة القطع وهمزة الوصل أو بين التاء المربوطة والهاء المقفولة، شأنه فى ذلك شأن أى تلميذ ابتدائى فى سنواته الأولى، ودائما ما يفتح همزة "إن" بعد القول، كما أنه كثيرا ما ينصب المبتدأ واسم "كان"، ويرفع المفعول به أو المضاف إليه، ويرتبك فى استعمال الضمائر وأسماء الإشارة، ويحذف نون الأفعال الخمسة فى حالة الرفع أو يثبتها فى حالة النصب، ويثبت الياء فى الاسم الناقص النكرة فى حالتى الرفع والجر، ولا يستطيع استعمال تركيب "بعضهم بعضا" أبدا، فضلا عن الركاكة المخزية التى تدل على أنه عديم الذوق فى اللغة والأدب والأسلوب وأنه يجرى على طريقة "كله عند العرب صابون"! مع ملاحظة أننا إنما نتحدث هنا عن الكتابة. والكتابة، كما نعرف جميعا، تخفى كثيرا من الفضائح والمخازى بسبب خلوها من التشكيل.

ويكفى أن يسمعه الإنسان منا على التلفاز مرة واحدة بلغته الفظة ولسانه الطويل وعباراته الشوارعية التى يوجهها إلى العلماء وحركاته السوقية وشتائمه المنهمرة من فمه كالسيل لا يستطيع أن يتحكم فيها حتى يدرك أنه لا علاقة لهذا الشخص بالفكر والأدب واللغة الراقية على الإطلاق. ولعل من المناسب أن ننقل هنا ما قاله القمنى (فى مقال له يرد به فى موقع "الحوار المتمدن" على نادر قريط المدوّن العراقى) عما نصحته به والدته إذا أراد أن يهين شخصا محترما: "تذكرت المرحومة أمى الحاجة صفية، وهى تحذرنى: خد بالك يا سيد يا ابنى. إذا عايز تبهدل راجل محترم سلّطْ عليه مَرَه شَرْشُوحه". ويا لها من نصيحة غالية! ويا له هو من ابنٍ بارٍّ مطيعٍ ينفذ نصائح والدته بنفسه بمنتهى الإخلاص دون الحاجة إلى امرأة شرشوحة! وآخر هذه الفظاظات ما ذكره الصحفى بسيونى الحلوانى فى جريدة "المصريون" الضوئية بتاريخ 5/ 8/ 2009م من أن "المفكر المبدع الحاصل على جائزة الدولة التقديرية من وزارة فاروق حسنى قال لصحيفة "نيوزويك" العربية إنه سيقف "بلبوصا" أي عاريا أمام كل الذين انتقدوه وهاجموه"، وهو ما علق عليه الحلوانى قائلا إننا "يجب أن نأخذ الشطر الأخير من التهديد على محمل الجد، فليس بغريب على كاتب عَرَّى نفسه فكريا وثقافيا وارتكب كل الحماقات ضد شريعته وهويته الإسلامية أن يعري نفسه جسديا ويكشف عوراته وسوءاته الجسدية للناس". وهذه ثمرة الدكتوراهات المزيفة أم مائتى دولار!

ولم يقف أخذ سيد القمنى فى "الحزب الهاشمى" من الكتب الأخرى دون نَصٍّ عليها عند هذا الحد، بل هناك أشياء أخرى وأشياء، منها زعمه أن من بين ما لجأ عبد المطلب إلى استغلاله بغية إقامة الدولة الهاشمية دون أن يكون له أصل فى الواقع التاريخى دعواه أنه هو والعرب أبناء لإبراهيم وإسماعيل. وهذا كلامه نصا: "ويبدو أن أخطر شأن في هذه الملة وفي أمر عبد المطلب جميعه هو إدراكه للنسب وخطورته بين الأعراب بحسبانه العامل الجوهري في تفككهم السياسي لاعتزاز كل قبيلة بنسبها القبلي، والذي ظل مستبطنا في بطن التحول الجديد للبنية الاجتماعية المكية. ومن هنا كان إعلانه أن العرب جميعا، وقريش خصوصا، يعودون بجذورهم إلى نسب واحد. فهم، برغم تحزبهم وتفرقهم، أبناء لإسماعيل بن إبراهيم. لذلك، ولأنه ينتمي إلى هذه السلالة الشريفة، فقد أعلن في الناس تبرؤه من أرجاس الجاهلية، وعودته إلى دين جده إبراهيم. ودين إبراهيم هو الفطرة الحنيفية التي ترفض أي توسط بين العبد والرب. فإذ أهل رمضان صعد إلى غار حراء متحنفا، ثم عاد ينادي قومه أنه قد حرم على نفسه الخمر وكل ضروب الفسق، حاثا على مكارم الأخلاق، داعيا الناس لاتباعه، مؤمنا بالبعث والحساب والخلود، هاتفا: والله إن وراء هذه الدار دارا يُجْزَي فيها المحسن بإحسانه، ويُعَاقَب فيها المسيء بسيئاته. ثم لا يلبث أن يبشر قومه بقرب قيام الوحدة السياسية، فيشير إلى أبنائه وحفدته الذين أصبحوا له عزوة وشدّ أزر، ويقول: "إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء"، أولئك الأبناء الذين كاد يقدم أحدهم ذبيحا: ابنه عبد الله أب النبي عليه السلام كما كاد يفعل جده البعيد إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل عليه السلام".

فهذه التهمة المفزعة إنما سطا عليها ونتشها من طه حسين وفلهلم رودلف، اللذين أشار، فى كتابه عن إبراهيم الخليل، إليهما وإلى كتابيهما: "فى الشعر الجاهلى" و"صلة القرآن باليهودية والمسيحية" وما ورد فيهما حول هذه النقطة إشارة تامة الوضوح بما يدل على أنه مدرك لما فى الكتابين وأبعاد ما فى الكتابين وبحيث لا يستطيع هو أو أى من أبواقه المنافحين عنه بالباطل على طول الخط أن يعطسوا فيها مجرد عطسة، إذ نراه يتحدث بأنه ليست هناك دلائل تاريخية على وجود إبراهيم عليه السلام أصلا، وأن عدم وجود هذه الدلائل دفع باحثا مثل فلهلم رودلف إلى إنكار وجوده تماما وإلى القول بأن محمدا قد زعم أنه هو جَدّه البعيد وجَدّ جميع العرب، والمسلمين على وجه الخصوص، وذلك بعد هجرته إلى يثرب تألفا لقلوب اليهود هناك. كما رصد أيضا التشابه بين كلام رودلف وما قاله طه حسين فى كتابه المشار إليه آنفا من أن ما ذكره القرآن عن إبراهيم وإسماعيل إنما هو نوع من الحيلة لإثبات صلة بين اليهود والعرب، وكذلك بين اليهودية والإسلام (سيد القمنى/ النبى إبراهيم والتاريخ المجهول/ مدبولى الصغير/ 17).

وهذا الزعم يلقاه القارئ أيضا لدى مكسيم رودنسون المستشرق الفرنسى اليهودى الذى كتب فى مادة "محمد" فى طبعة 2009م من "Encyclopaedia Universalis: الموسوعة اليونيفرسالية" أن فكر محمد قد تطور فى المدينة جَرّاء ما نشب بينه وبين اليهود من خلاف بحيث تعرَّب الدين الذى يدعو إليه، فاكشتف أن إبراهيم هو أبو العرب عن طريق ابنه إسماعيل مثلما هو أبو اليهود من خلال ابنه الآخر إسحاق، وأنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، بل كان مثله حنيفا مسلما. وبالمثل نُسِب إلى إبراهيم وابنه إسماعيل أنهماهما اللذان أسسا الكعبة: "Pendant ce temps, ses idées avaient évolué, et la religion qu/il prêchait s/était nettement arabisée. Il se rattache directement à Abraham (Ibrāhīm), dont il a découvert qu/il était l/ancêtre des Arabes par Ismaël (Ismā،īl) aussi bien que des juifs, qu/il n/était ni juif ni chrétien, mais comme lui un monothéiste pur. Il s/agit pour les Arabes de retrouver cette foi, non de s/aligner sur les religions étrangères. À Ismaël et à son père se trouve attribuée la fondation de la Ka،ba, l/énigmatique maison située au centre du sanctuaire mekkois".

هذا، ولا أحب أن يفوتنى إدخال شىء من الترويح على قلب القارئ العزيز فأقول له إن سيد القمنى قد لحس أيضا، فيما لحس، ما كان قد قاله عن الحيلة التى ادعى أن عبد المطلب جد النبى لجأ إليها فى سبيل إقامة الدولة الهاشمية، ألا وهى الزعم بأن إبراهيم هو جد العرب عموما، وقريش على وجه خاص، إذ نجده فى كتابه: "النبى إبراهيم والتاريخ المجهول" يهاجم كتبة العهد القديم، الذين عبثوا بكتابهم المقدس وأَخْفَوْا ذهاب إبراهيم إلى بلاد العرب وإصهار ابنه إسماعيل إليهم. وهذا الموقف الجديد المناقض للموقف القمناوى القديم متاح لمن يود الاطلاع عليه بنفسه فى الفصل المسمى: "الرحيل جنوبا" من كتابه المذكور بدءًا من ص71، وكذلك فى بعض صفحات الفصل التالى. ومع هذا فقد عاد البلبوص الأعظم إلى تشكيكاته، إذ تساءل: كيف يقول القرآن فى موضع إن إبراهيم قد ترك ابنه إسماعيل عند بيته المحرم بما يدل على أن البيت كان موجودا أوانئذ، ثم يذكر فى موضع آخر أنه هو وإسماعيل قد قاما ببنائه بعد ذلك، وهو ما يعنى أنه لم يكن هناك بيت فى ذلك الوقت؟ ومع أنه قد تولى بنفسه سَوْق الرد الذى قدمه العلماء، وهو أن البيت كان موجودا قبل ذلك، إلا أنه احتاج من إبراهيم وابنه عليهماالسلام إلى أن يرفعا قواعده مرة أخرى، نراه يبدى حيرته وتشككه فى جدوى هذا التفسير رغم وجاهته الشديدة. إن المسافة الزمنية بين عمر إسماعيل الرضيع حين تركه أبوه مع أمه فى بَرِّيّة الحجاز وبين السن التى يستطيع فيها معاونة والده فى رفع قواعد البيت ليست بالقليلة، فيمكن أن يحدث للبيت خلالها تصدُّعٌ لسبب أو لآخر يستلزم رفع قواعده. أو ربما كان البيت منذ البداية محتاجا إلى إعادة بناء، إلا أن إبراهيم لم يكن يستطيع القيام وحده بتلك المهمة، فانتظر إلى أن كبر إسماعيل وأضحى قادرا على معاونته. فالمسألة، كما يلمس القارئ الأمر بيده لمسا، هى لدى أبى البلابيص: سمك، لبن، تمر هندى!

وهذا "السمك اللبن التمر هندى" موجود أيضا فى موقفه من إسرائيل والصهاينة. وذلك واضح من المقارنة بين ما كتبه فى كتاب "رب الزمان" عن خطاب إسحاق شامير رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت، إذ يمطر ذلك الصهيونى العريق فى الإجرام ويمطر معه دولة إسرائيل وقادتها وشعبها كله بما يستحقونه من تهم الإرهاب والغش والتضليل وسفك الدماء واغتصاب الأرض وتدمير البيوت وتقتيل البشر، مستشهدا فى كل ما يقول بنصوص من العهد القديم، لا يتحرج فى ذلك ولا يتردد، وبين ما أصبح يكتبه بعد ذلك من تمجيد لإسرائيل ولشعبها ولأمريكا والغرب كله المناصر لإسرائيل على طول الخط، فى الوقت الذى لا يجد فى العرب والمسلمين أى شىء طيب على الإطلاق. ومع هذا يقولون عنه إنه مفكر (مفكر فقط؟ لا بل مفكر كبير)، وإنه وإنه!

والطريف أن سيد يفرد عضلاته على الباحثين جاعلا من نفسه أستاذا يعطيهم دروسا فى المنهج العلمى وما يستلزمه من انضباط صارم. فهو مثلا فى مقال "رب الزمان"، الذى يناقش فيه ما كتبه د. سيد كريم فى مجلة "الهلال" فى فبراير 1982م من القرن البائد عن قدماء المصريين وبناء الكعبة "ينجعص" إلى الوراء ثم يتفلحس مخاطبا الدكتور بقوله: "واضح من البداية أني لن أكون مجاملا، وفق حسابات بسيطة تماما: أولها أن ميدان البحث العلمي ميدان لا يصح فيه لفارس تجاوُز شروط الفروسية وقواعد اللعبة لتحقيق قصب السبق. وأعتذر عن استخدام تعبير "اللعبة" في حديثي عن العلم وشروطه، لأن الموضوع برمته كان عند د. كريم مجرد لعبة. وثاني هذه الحسابات هو أن القارئ أمانة، والكلمة أمانة، وأول شروط البحث العلمي هي الأمانة. ورغم بساطة الحسابات، فإنها لم تترك لنا بصرامة حقوقها (وهي لوجه الحق حق، وأحق أن تتبع) أيّ فرصة للمحابات أو المجاملة". يا بجاستك يا أخى! فكيف بالله عليك زوَّرت الشهادة إياها أم 200 دولار؟

وهناك فكرة أخرى قد لحسها أيضا أبو البلابيص، فكرة أخذها هو و"وِنْجُه" الشمال خليل عبد الكريم من طه حسين، الذى سبق إلى لحسها والانقلاب بزاوية 160 درجة ليقول كلاما ينقضها تماما، ألا وهى تأكيده أن العرب الجاهليين لم يكونوا جاهلين، بل كانوا مثقفين ثقافة عالية. وهو يزعم أن المسلمين هم الذين أشاعوا عنهم سمة الجهل حتى يثبتوا أن الإسلام هو صاحب الفضل عليهم فى انتقالهم من حال التخلف إلى حال التقدم. فهو يريد أن يقول، من طَرْفٍ خفى، إن الإسلام ليس له فضل على العرب، أىّ فضل. وقالا هما وراءه نفس الكلام. قاله خليل عبد الكريم فى كتابه: "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"، الذى يسخر فيه من تسمية العصر السابق على الإسلام بــ"الجاهلية" (ط. سينا للنشر/ 1990م/ 7)، مع أن الذى سماها كذلك هو القرآن قبل غيره.

وقاله القمنى فى كتابه: "العرب قبل الإسلام"، وهذه عبارته نصا: "دأب بعض مفكرينا في شؤون الدين، عافاهم الله، على الحط من شأن عرب الجزيرة قبل الاسلام وتصويرهم في صورة منكرة، وسار على دربهم أصحاب الفنون الحديثة في القصة والسيناريو والأعمال الفنية السينمائية، بحيث قدموا ذلك العربي عاريا من أية ثقافة أو حتى فهم أو حتى انسانية، حتى باتت صورته في ذهن شبيبتنا، إن لم تكن في أذهان بعض المثقفين بل والكتاب أيضا، اقرب الى الحيوانية منها الى البشرية. وقد بدا لهؤلاء أن القدح في شأن عرب قبل الإسلام وابرازهم بتلك الصورة المزرية هو فرش أرضية الصورة بالسواد لابراز نور الدعوة الاسلامية بعد ذلك، وكلما زادوا في تبشيع عرب الجاهلية كلما كان الاسلام اكثر استضاءة وثقافة وعلما وخلقا وتطورا على كل المستويات. وان الامر بهذا الشكل يبعث اولا على الشعور بالفجاجة والسخف، ثم هو يجافي ابسط القواعد المنطقية للايمان، فالإيمان يستدعي بدايةً قيمته من دعوته ومن نصه القدسي وسيرة نبيه، فقيمته في ذاته قيمة داخلية، وليست من مقارنته بآخر. اما الأنكي في الأمر فهو ان تتم مقارنة الالهي بالانساني لابراز قيمة الالهي ازاء نقص الانساني. في تلك الحال ستكون ظالمة لكليهما: الإلهي والإنساني. فالإلهي لا يقارن بغيره، كما ان مقارنة الإنساني به فداحة في التجني على الانساني بما لا يقارن مع الالهي. وقد فطن الدكتور طه حسين الى ذلك الامر وعمد الى ايضاحه في كتابه: "الادب الجاهلي" مبينا مدى تهافت الفكرة الشائعة حول جاهلية العرب قبل الاسلام، وكيف أن تلك الفكرة أرادت تصوير العرب كالحيوانات المتوحشة لإبراز دور الاسلام في نقله الاعجازي هؤلاء الاقوام المتوحشين، فجأة ودن مقدمات موضوعية، الى مشارف الحضارة فجمعهم في أمة واحدة فتحوا الدنيا وكونوا امبراطورية كبرى. هذا بينما القراءة النزيهة لتاريخ عرب الجزيرة في المرحلة قبل الإسلامية تشير بوضوح إلى أن العرب لم يكونوا كذلك في تطورها الانساني. اما الركون الى عقائدهم لتسفيههم فهو الامر الاشد فجاجة في الرؤية، فيكفينا ان نلقى نظرة حولنا، على الانسان وهو في مشارف قرنه الحادي والعشرين، لنجده لم يزل بعد يعتقد في أمور هي من أشد الأمور سخفا. والمطالع لاخبار ذلك العصر المنعوت بالجاهلي، في كتب الاخبار الاسلامية ذاتها، سيجد في الاخلاق مستوى رفيعا هو النبالة ذاتها، وسيجد المستوى المعرفي يتساوق تماما مع المستوى المعرفي للامم من حولهم، وان معارفهم كانت تجمع الى معارف تلك الامم معارفهم الخاصة. فقط كان تشتتهم القبلى وعدم توحدهم في دولة مركزية عائقا حقيقيا دون الوصول الى المستوى الحضاري لما جاورهم من حضارات مركزية مستقرة. وهو الامر الذي اخذ في التطور المتسارع في العصر الجاهلي الاخير نحو التوحد في احلاف كبرى تهيئة للامر العظيم الآتي في توحد مركزي ودولة واحدة كبرى".

ومن أمور طه حسين المفرطة الغرابة أنه يعود، كما قلنا، فيمسح بممحاةٍ ما كان قد تغزل به فى ثقافة العرب وعقل العرب وتحضر العرب حين كان يريد، من وراء هذا الغزل، إنكار الشعر الجاهلى كما أنكره أستاذه مرجليوث، إذ أراد من وراء هذا التراجع أن يؤكد أن العرب قبل الإسلام لم يتركوا لنا أية آثار أدبية نثرية البتّة. ذلك أن النثر، فى رأيه، يحتاج إلى بيئة ثقافية متقدمة لم تكن متوفرة فى جزيرة العرب قبل الإسلام (طه حسين/ فى الأدب الجاهلى/ دار المعارف/ 1964م/ 329- 332). وقد قَفَشه د. محمد عبد العزيز الموافى قفشةً بارعةً حين لفت الانتباه إلى أن طه حسين فى إنكاره لوجود الخطابة الجاهلية إنما كان اعتماده فى ذلك الإنكار على خُلُوّ العصر الجاهلى من الحضارة والحياة المدنية الراقية، مع أنه سبق أن أقام إنكاره لصحة الشعر الجاهلى على القول بأن ذلك الشعر لا يمثل الحياة العقلية الراقية لدى الجاهليين (د. محمد عبد العزيز الموافى/ قراءة فى الأدب الجاهلى/ ط7/ دار الثقافة العربية/ 1424هـ- 2003م/ 286- 287).

ونفس الشىء لدى القمنى، ففى مواضع أخرى من كتاباته ينهال على العرب فى ماضيهم وحاضرهم هجاءً وتلويثًا وتشويهًا وتجريدًا من كل فضيلة وقيمة. والسبب؟ السبب أنه يريد أن يزرع فى رُوع القراء أن الإسلام كان وبالا على مصر والمصريين وعلى كل البلاد التى فتحها وكل الشعوب التى اعتنقته. أليس الإسلام قد جاء عن طريق العرب؟ بل أليس الإسلام نتاجا عربيا؟ وبما أن القمنى يدعو بدعاية الأمريكان ويعمل بكل قواه وجهوده لتعبيد الطريق أمام دباباتهم التى أقبلت من بعيد لتهرسنا وتسوِّىَ بنا وببيوتنا وثقافتنا الأرض، وبما أن هذا يستلزم التقليل بل التحقير لما فى أيدينا مما أتانا به العرب، فلا بد إذن أن يكون العرب فى الدَّرْك الأسفل من الحضارة، بل فى الدَّرْك الأسفل من البشرية ذاتها. وهذا هو مفتاح تفسير الأمر كله! ومرة أخرى نجد خليل عبد الكريم هو أيضا، فى كتابات له أخرى، يقول فى العرب الفاتحين ما قاله مالك فى الخمر، فهم جماعة من المتوحشين المتخلفين ما دخلوا بلدا إلا دهسوه وقَضَوْا على عوامل الحضارة فيه، وهو ما فعله عمرو بن العاص بجحافله التى قضت على كل ما هو جميل وعظيم فى مصر. قال هذا رغم ما أنبأنى به بعض من يعرفونه، إذ أكدوا لى أنه هو وأسرته ذوو أصول عربية، فهم ينتسبون إلى بعض القبائل اليثربية التى أتت بعد الإسلام إلى مصر.

كذلك من تدليسات سيد القمنى، سيد المزورين والمدلسين، قوله عن زيد بن عمرو بن نُفَيْل: "وفي "السيرة النبوية" لابن هشام نجد زيدا دخل الكعبة قال: "اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك لعَبَدْتُك به، ولكنني لا أعلمه"، ثم يسجد على الأرض. ويؤكد ابن هشام أنه حرم على نفسه أمورا نقلها الناس عنه من بعد كتشريعات لانبهارهم بشدة ورعه وعلمه وتقواه، مثل تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله من ذبائح تُذْبَح على النُّصُب. نعم، لقد أصبحت هذه التشريعات لمجرد امتناع زيد عنها، وربما كان امتناعه عن بعضها لا لعيب فيها، وإنما لأنه كان لا يسيغها، ومع ذلك كان لإعجاب الناس به دور كبير في تحولها إلى قوانين متعالية. وتروي لنا الأخبار أن زيدا قد عاصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه إلتقاه. عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيدا بأسفل بلدح، فدعاه إلى تناول طعام مما يذبح للأرباب، فقال زيد للنبي: إني لست أكل ما تذبحون على أنصابكم. ويعلل ابن هشام أكل النبي قبل بعثه نبيا لأضحيات أو قرابين الأصنام بقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يأكل مما ذبح على النصب، فإنما فعل أمرا مباحا، وإن كان لا يأكل فلا إشكال!".

وهذا معناه أن تحريم الإسلام ما ذُبِحَ لغير الله هو من عنديات زيد بن عمرو بن نفيل، وليس وحيا سماويا، وأن الأمر قد يكون راجعا إلى أنه ذوق شخصى له، ولا موضع فيه لحرام أو حلال. لكننا نقرأ فى "صحيح البخارى" أنه عليه الصلاة والسلام "لقي زيد بن عمرو بن نُفَيْل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها. ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكِر اسم الله عليه". وهناك رواية أخرى للحديث تقول إنه صلى الله عليه وسلم قد "لقي زيدَ بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدِّمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه". والفرق بين الروايتين كبير كما ترى. وقد يُفْهَم من الروايتين، إذا ضممناهما معا، أن القوم كانوا قد قدموا إلى رسول الله ذلك الطعام فرفضه، ثم بدا له أن يعرضه على زيد، فرفض زيد كذلك، فاتفقت إرادتاهما على عدم الأكل منه.

وفى "فتح البارى" أن العلماء قد فسروا الأمر "بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقدمها لزيد، فقال زيد مخاطبا لأولئك القوم ما قال". ويؤكد هذا ما ورد فى حديث ثالث، إذ رُوِىَ "أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذُكِر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إنكارا لذلك وإعظاما له".

كذك فالرواية الأولى تخلو مما يدل على أن اللحم كان من أضحية قدمها النبى إلى وثن من الأوثان، بل كل ما هنالك أنه عليه السلام كان معه لحم فقدمه إلى زيد، فرفض زيد أن يأكل منه، وهذا كل شىء. وفضلا عن ذلك قد يكون معنى كلام زيد أنه لا يرفض بالذات الأكل من السفرة التى قدمها النبى وزيد بن حارثة له، بل يعرض شروطه فى الأكل حتى إذا كان الطعام المقدم له متحققة فيه هذه الشروط أكل منه، وإلا فلا. وأتصور أن الأخير هو أقوى الاحتمالات لأنه لا يوجد ما يدل على ما ذهب إليه أبو البلابيص لا من قريب ولا من بعيد. فكما هو واضح قد أورد القمنى ما يظن أنه موصِّله إلى ما يريد من تشويه صورة النبى عليه السلام، وتجنَّب عن عمد وسبق إصرارٍ الأحاديثَ الأخرى التى تنفى أكله صلى الله عليه وسلم من لحوم الأنصاب.

وحتى لو أخذنا بحديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما، وقد أورده ابن حجر فى "فتح البارى، ونصه: "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مُرْدِفِي، فذبحنا شاة على بعض الأنصاب فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو... فقال زيد: إني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه"، فليس معناه بالضرورة أنهما قد ذبحا الشاة باسم وثن من الأوثان، بل كل ما يدل عليه هو أنهما ذبحاها على نُصُبٍ من الأنصاب، والأنصاب هى الحجارة التى كانت قريش تذبح عليها عند الأوثان، فهى مواضع مهيأة لذبح الذبائح عليها. إنها فى هذا كالمسالخ هذه الأيام.

وأنا وأمثالى كثيرا ما نصلى فى مساجد ذات أضرحة، ولا يعنى هذا أبدا أننا نشارك من يؤمنون بــ"الأولياء" فى إيمانهم ذاك المغبَّش، بل يعنى أننا نصلى فى تلك الجوامع فقط رغم أن هناك فريقا ممن يصلى معنا يعتقد فى الشيخ المدفون بضريح المسجد اعتقادات لا يستريح إليها دين محمد عليه الصلاة والسلام. فرغم أن الفريقين يصليان جنبا إلى جنب فإن قلوبهما فى هذه النقطة غير متفقة. والعبرة بالنية والتوجه، وإلا فصلاة طوائف كبيرة من المصريين باطلة وفيها شرك بالله، أستغفر الله، لأن كثيرا من مساجد مصر يحتوى على أضرحة ومزارات. ومن يقول بهذا إلا أحمق ضيق العطن؟ ولقد سمح الرسول للنصارى أن يؤدوا شعائر صلواتهم فى مسجد المدينة، فهل صاروا بذلك موحدين؟ لقد كانوا قبل ذلك، وظلوا أثناء ذلك وبعد ذلك، من المثلثين رغم كل هذا. ويقال، حسب رواية أوربية، إن فرانسيس الأسيزى، وهو راهب إيطالى عاش فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر الميلاديين ووفد إلى مصر لمقابلة الملك الكامل الأيوبى أثناء الحروب الصليبية، قد صلى، بناء على اقتراح الملك الكامل، فى أحد المساجد المصرية قائلا إن دعاء الله مقبول فى أى مكان. فهل جعلته صلاته فى المسجد مسلما؟ كلا وألف كلا. بل لقد جاء إلى الملك وحاشيته كى يعرض بضاعته النصرانية على المسلمين لا ليدخل دين محمد عليه الصلاة والسلام. كما أن بطرك القدس، عند فتح المسلمين لها وحضور الفاروق مراسم تسليمها إليهم، قد عرض عليه أن يقيم صلاته داخل الكنيسة. ولولا أن عمر رضى الله عنه وأرضاه خشى أن يطالب المسلمون بتحويل الكنيسة مسجدا جَرّاء صلاته فيها لاستجاب للبطرك. وعندذاك ما كانت صلاته لتنقص عن مثيلتها فى أى مسجد بسبب ذلك، إذ العبرة بالنية والتوجه كما ذكرنا مرارا. ولماذا نذهب بعيدا، ولدينا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تقيم كل عام إفطارا لكبار رجال الدولة وعلماء الإسلام داخل الكاتدرائية، فضلا عن صلاتهم المغرب هنالك، ويقوم بالخدمة أثناء ذلك رجال الكنيسة؟ فهل يصح الزعم بأن الصيام والصلاة غير مقبولين لأنهما تما داخل البطركية؟

أما قول ابن الكلبى: "وقد بلغنا أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ذكرها يوما فقال‏:‏ لقد أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي‏" فثم طائفة من الأسئلة تنبثق فى الذهن تو قراءتنا له وتريد جوابا، وهى: بَلَغَه عَمَّنْ؟ ومن روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف قاله رسول الله بهذه البساطة؟ وكيف لم يثر ذلك الكلام استغراب أحد من الصحابة؟ ثم متى قدّم رسول الله الشاة؟ وفى أية ظروف كان ذلك؟ ومن كان معه؟ ولماذا لم يَرْوِها إذن صاحبه الذى كان بصحبته؟ ولم سكتت قريش فلم تعيّره بهذا حين نزل القرآن يهاجمهم ويهاجم اللات والعزى ومناة وغيرها من الأوثان، ويحمل حملة شعواء على الأكل مما ذُبِح لتلك الأوثان على النُّصُب؟

وأرجو من القارئ أن يتمعن النص التالى: "عن ابن إسحق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، أن عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد قالا: يا رسول الله، نستغفر لزيد؟ فقال: نعم، فاستغفرا له، فإنه يُبْعَث أمة وحده... عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه وزيد بن عمرو فقال: يا رسول الله، إن أبي زيد بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك. فلو أدركك آمن بك. أفأستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفرْ له، فإنه يجيء يوم القيامة أمة وحده. وكان، فيما ذكروا، يطلب الدين فمات وهو في طلبه". وليس فى كلام سعيد بن زيد ما يشى، ولو على سبيل التوهم، بأنه كان فى ذهنه أىّ شىء عن تناول رسول الله قبل البعثة طعاما من لحوم الأنصاب، بل بالعكس نرى سعيدا وهو يحاول نيل رضا الرسول على أبيه لأنه تُوُفِّىَ قبل بعثة النبى عليه السلام فلم يكتب له الدخول فى دين الله. ولو كان الأمر كما زعم سيد المدلسين والمزورين من أكل النبى من ذبيحة الأنصاب ورَفْض زيد لها لما كانت بسعيد بن زيد حاجة إلى طلب الاستغفار من النبى لأبيه، إذ إن أباه فى هذه الحالة قد عرف طريقه إلى الهدى لا يُعْوِزه دعاءٌ ولا ترضٍّ من أحد، بل لما دخل سعيد فى الإسلام أصلا ويعرض نفسه للأذى والإهانة والخوف والتخفى بدينه الجديد وهو يرى أباه قد سبق النبى فى هذه الأشياء!

ترى هل انتهى الأمر؟ كلا، فما زالت هناك بعض المسائل التى لا بد من مناقشتها: ذلك أن أبو السِّيد يقول: "لقد أصبحت هذه التشريعات لمجرد امتناع زيد عنها، وربما كان امتناعه عن بعضها لا لعيب فيها، وإنما لأنه كان لا يسيغها، ومع ذلك كان لإعجاب الناس به دور كبير في تحولها إلى قوانين متعالية". أى أن تحريم ما ذبح للأصنام فى الإسلام إنما يرجع إلى أن زيد بن عمرو بن نفيل كان يرفض الأكل منها، فضلا عن أن هذا الرفض قد يكون مسألة ذوق شخصى لا أكثر. وهذا معناه أن أفيقوا يا مسلمون من السَّطْلة التى أنتم فيها، فليس هناك وحى سماوى ولا يحزنون. لكننى أُرْجِع الأمر ببساطة إلى أن الرجل كان، مثلما هو الحال مع سائر الحنفاء، يتبع دين إبراهيم، وهو دين توحيدى نقى غاية النقاء، وإن كان علماؤنا القدامى يقولون إن ما كان محرما فى دين إبراهيم هو أكل الميتة فحسب لا الذبح للأوثان رغم أن العهد القديم يحرم ذبح أى شىء لها على ما هو معروف. ولقد ذكر ابن هشام عن زيد نفسه قوله إنه يعبد الله على دين إبراهيم. ولم يقل الإسلام يوما إنه مبتوت الصلة بشرائع الأنبياء الخالين، بل هو امتداد للأديان السماوية السابقة. وهذا مذكور فى القرآن والحديث النبوى ويدركه الجميع. وعلى هذا فتحريم الإسلام ذبح أى شىء للأوثان هو أمر طبيعى تماما، وإلا فما معنى دعوته إلى الوحدانية والحملة على الشرك والوثنية؟ أم تراه يغلق الباب فى وجه الوثنية لتدخل من النافذة براحتها دون أى تثريب؟

المسألة الثانية هى تدليس القمنى على ابن هشام، إذ زعم أنه قد علل "أكل النبى، قبل بعثه نبيا، من قرابين الأصنام بقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل مما ذبح على النصب، فإنما فعل أمرا مباحا". فابن هشام، طبقا لشهادة ابن القمنى المزورة كشهادة الدكتورية أم 200 دولار، يقر بأن النبى كان يأكل فعلا مما ذُبِح على الأنصاب، مع أن ابن هشام لم يتطرق إلى هذه المسألة قط، بل الذى تطرق إليها هو السهيلى صاحب "الروض الأُنُُف"، والسهيلى لم يقل هذا الكلام، بل الذى فى كتابه هو قوله تعليقا على حديث للبخارى فى الموضوع: "وفيه سؤال يقال: كيف وفق الله زيدا إلى ترك أكل ما ذُبِح على النُّصُب وما لم يُذْكَر اسم الله عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت الله؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أنه ليس في الحديث حين لقيه ببلدح فقُدِّمَتْ إليه السُّفْرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منها، وإنما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة: لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه. الجواب الثاني: أن زيدا إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم. وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام. وبعض الأصوليين يقولون: الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة. فإن قلنا بهذا، وقلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل مما ذبح على النصب فإنما فعل أمرا مباحا. وإن كان لا يأكل منها فلا إشكال". فانظر الفارق بين الصدق والتدليس!

ويطنطن القمنى حين يقرأ أن هاشما جدَّ الرسول الثانى قد أصهر إلى بعض سكان يثرب فيتصايح مهللا، وكأنه وضع قدمه على كوكب المريخ ولا يستطيع أن ينازعه ملكيته أحد، بأن "هاشما أعطى الوضع المتأزم أبعادا جديدة عندما دعم قوي حزبه العسكرية برجال الحرب والدم والحلقة من بني النجار والخزرج في يثرب فشد الوثاق بهم بأنْ تزوَّج سلمى بنت عمرو من بني النجار من الخزرج ليكون ذلك لحزب عبد الدار وعبد شمس إعلانا صريحا عن قيام التحالف بين الحزب الهاشمي وأهل الحرب اليثاربة، وترك ولده شَيْبَة المعروف بعبد المطلب ينمو ويربو ويرضع الفروسية بين أخواله، وحيث كان كل التاريخ الديني يتواتر هناك في مقدسات اليهود". يريد أن يقول إن هاشما جرى هنا أيضا على اصطناع كل ما من شأنه أن يبلّغه أمله فى إنشاء دولة يكون هو وذريته ملوكا عليها، فأصهر إلى أهل يثرب كى ينجدوه ساعة اللزوم، وهو ما نجح فيه فى نهاية المطاف حفيده محمد، الذى تحيَّل بحيلة النبوة من أجل ذات الغرض. وهذا، كما يرى القارئ، تفكير الحمقى، إذ أين يثرب من مكة إذا قامت حرب بين هاشم وأية قبيلة من أهل بلده؟ يقينا لسوف تكون بصرة قد خربت قبل أن يتحرك اليثاربة من مدينتهم. ولقد قرأت فى المجلد الثالث من "الطبقات الكبرى" لابن سعد أن بعض الأوسيين فى الجاهلية كانوا قد قصدوا مكة للتحالف مع بعض القبائل القرشية ضد بنى الخزرج، فما كان من القرشيين إلا أن أجابوهم: بَعُدَتْ داركم منا. متى يجيب داعينا صَرِيخَكم؟ ومتى يجيب داعيكم صَرِيخَنا؟

وعلى أية حال لم يكن هاشم هو وحده الذى أصهر إلى اليثربيين، بل صنع ذلك أيضا ناس من بنى عبد شمس الذين كانوا خصوما له ولعشيرته منهم سفيان بن أمية وأبو عزة الجمحى الشاعر وحبيب بن الحكم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة بن ربيعة. وبالمثل جرى على هذه الخطة رجال من بنى عبد الدار ومن البطون القرشية الأخرى من الظواهر والبطاح جميعا، ومنهم على سبيل التمثيل أبو بكر الصديق، وكذلك رجال لا ينتسبون إلى قريش بل من حلفائهم ليس إلا. وبعضهم تزوج من يهوديات، كما تزوج بعضٌ آخَرُ نساءً يثربياتٍ كن متزوجاتٍ من رجالٍ هاشميين. وعلى الناحيةالمقابلة نجد أن رجالا من يثرب قد تزوجوا هم أيضا بنساء من قريش (انظر بحثا بعنوان "العلاقات الاجتماعية بين مكة والمدينة منذ ما قبل الإسلام حتى فتح مكة" لإلهام أحمد عبد العزيز البابطين منشورا فى مجلة جامعة الملك سعود/ م ١٨/ الآداب (2)/ ١٤٢٦ ه/ ٢٠٠٦ م/ 281 فما بعدها)، فما قول عبقرينا فى ذلك؟

ومما ألفيته مضحكا فى كتاب "الحزب الهاشمى" أيضا ما فى النص القصير الذى أسوقه الآن من تناقضٍ أبلقَ وخَلْطٍ سخيفٍ بين المراحل التاريخية المختلفة ولَىٍّ لحقائق الأوضاع عن وجهتها المستقيمة، وهو يجرى على النحو التالى: "تقول سيرة ابن هشام إن محمدا صلى الله عليه وسلم لما بادأ قومه بالإسلام لم يجدوا في دعوته غضاضة، ولربما لم يكترثوا لها. ولعل مرجع ذلك إلى حرية الاعتقاد التي كانت عرفا مسنونا، عرفا حتمته المصالح التجارية في مكة، فكان المسيحي فيها يعيش إلى جوار الحنفي إلى جانب اليهودي مع الصابئ والزرادشتي وعبدة النجوم وعبدة الجن وعبدة الملائكة وعبدة الأسلاف وتماثيل الشفعاء دونما قهر أو فرض أو إجبار حتى أن العبد كان يظل على دين يخالف دين سيده دون أن يخشى في ذلك مساءلة أو ملامة.

وبرغم أن محمدا صلى الله عليه وسلم من الفرع الهاشمي فإن حزب عبد الدار، عبد شمس، نوفل لم يهتم كثيرا في البداية للدعوة الجديدة، خاصة أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يخرج آنذاك عن اطُر عُرْفهم المسنون في حرية الاعتقاد، فلم يجبر أحدا لاعتناق دعوته، كما لم يحاول فرضها أو اعتبارها الديانة الوحيدة الواجب اعتناقها. وتشهد بذلك الآيات الكريمة: "أفأنت تُكْرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين" (٩٩ يونس)، "إِنْ أنت إلا نذير" (٢٣ فاطر)، "وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل" (١٠٧ الأنعام)، "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا" (١٠ المزمل).

ومع أن المناوشات الكلامية التي دارت بين المكيين ومحمد صلى الله عليه وسلم لم تصل بالقوم إلى حافة شفير الحرب مرة أخرى، فإنها نبشت الجمر الثاوي في القلوب بعدما أعلن محمد صلى الله عليه وسلم دعوته مطالبا أهل مكة باتباعه، فكان حتما أن يتساءل الناس. لكن تساؤل الوليد بن المغيرة (الملقب بـ"الوحيد" لمكانته بين سادات مكة)، والأخنس بن شريق (كبير رؤوس ثقيف) كان تساؤلا مهينا لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قالا: أمفتون محمد أم مجنون؟ فكان أن ردت لهما الآيات الكريمة الصاع صاعين: "بأيكم المفتون"، "همَّاز مشَّاء بنميم. منَّاع للخير معتدٍ أثيم. عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم" (٦- ١٣ القلم). و"الزنيم" هو ابن الزانية. ثم يخاطب الله نبيه في شأن الوحيد قائلا له: "ذرني ومن خلقتُ وحيدا. وجعلتُ له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صَعُودا. إنه فكر وقدَّر. فقُتِل كيف قَدَّر. ثم قُتِل كيف قدَّر" (١١- 20 المدثر). وفعلا مات الوليد قتيلا بسهم مسموم، قتله الله. ثم قامت الآيات تشبّه رؤوس القوم الذين لم يدركوا أبعاد الدعوة العظمى ومراميها الكبرى بالحمير، فتقول: "فمالهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حُمُرٌ مستنفِرَة. فَرَّتْ من قَسْوَرَة" (٤٩- ٥١ المدثر).

حتى ذلك الحين كانت قريش لا تزال في هدوء وترقب، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم، الذي صمم على إتمام الأمر مهما تكلف من مشقة، قام يؤلب العبيد على أسيادهم يناديهم: "اتبعوني أجعلكم أنسابا. والذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسري وقيصر". وهنا بدأ القوم يشعرون بحجم الخطر الآتي، فالأرستقراطية القرشية حتمت مصالحُها وجودَ العبيد، بل أن يتكون جيشهم الذي يحمي التجارة من هؤلاء العبيد في أغلبه، وبات الأمر أمر حياتهم ومعاشهم. ثم إن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جعلهم أنسابا التي تمثلت في عتقه لعبده زيد بن حارثة ثم إعطائه أفضل النسب وأشرفه بتبنيه إياه كان يعني لبقية الدهماء من الأعراب أملا عظيما لما كان للنسب من خطورة وأهمية تعطي صاحبها حماية عشائرية وقبلية. ثم إنه يعدهم بأموال أعظم، بأموال كسري وقيصر إن هم تبعوه. وعندما وصلت قريش إلى ذلك الفهم أصبح النبي صلى الله عليه وسلم في نظرهم، وحسب منطقهم المصلحي، مجرد مغامر طموح يهدف لغرض سياسي يبدأ بضرب قريش في مقتل في مصالحها. حتى إذا تهيأ له الأمر امتلك أمر الحجاز، وزحف على ممالك الروم والعجم، وما يتبع ذلك بالضرورة في منطق العشائر من رفع شأن بيت هاشم، وخفض شأن بيت عبد الدار وعبد شمس ونوفل. هكذا تصوروا الأمر العظيم!

ثم ها هو ينزع عنهم صفة أخرى ترتبط تماما بمصالحهم التجارية، تلك الصفة التي أكسبها لهم انكسار حملة الفيل على حدود مكة، صفة أنهم "أهل الله "، وينادي أهل مكة: "قل يا أيها الكافرون... لكم دينكم ولي ديني" (سورة الكافرون). نعم، ما زالت الآيات تبرز التسامح الديني: "لكم دينكم ولي ديني"، لكنها نعتت أهل مكة بأنهم الكافرون برغم تأكيدها من قبل أنهم قوم يؤمنون بالله رب العرش خالق السماوات والأرض: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأني يؤفكون" (٦١ العنكبوت)، "قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجبر ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأني تُسْحَرون" (86- ٨9 المؤمنون)، "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم" (٩ الزخرف). وسعيا وراء تعليل اكتشفت قريش أن إيمانها بالشفعاء هو الكفر، خاصة عندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيب أربابهم، فاستنتجوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جعل شرط الإيمان به كرسول لإله واحد انطلاقا من قرن الشهادة له مع الشهادة لله في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فهو في فهمهم العنيد إنما يطلب منهم الاعتراف بسيادته عليهم بهذه الشهادة، ويطلب توحدهم جميعا تحت راية قيادته وحده بسلخ كل الشفاعات إلا شفاعته.

ويذكر لنا الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما دعا قومه لما بعثه الله لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم. وهو ذات ما أوضحته رواية عن لقاء وفد قريش، وفيه أبو الحكم، بأبي طالب وابن أخيه صلى الله عليه وسلم ليطلب من محمد صلى الله عليه وسلم (أن يكفّ عن آلهتهم، فَرَدَّ) عليهم: "أي عم، أو أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ قال: وإلام تدعوهم؟ قال: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين بها لهم العرب، ويملكون بها العجم! فقال أبو جهل (التسمية الإسلامية لأبي الحكم) من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعَشْر أمثالها". وكانت الكلمة هي الشهادة الإسلامية، فنفروا منه وتفرقوا. وهنا تحول أرق الحزب المناوئ وترقبه إلى تحفز واستنفار، خاصة عندما أخذت الآيات الكريمة في فواصل قصيرة مؤثرة تؤجج الحمية القتالية، وما يحمله ذلك من احتمال وقوع المجابهة العسكرية، وتقول هذا مع التحول الذي بدأ يطرأ في سلوك النبي تجاههم، وتحوله عن الصبر الجميل إلى الهجوم، وما جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص عندما غمز أشراف قريش من قناة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة، فكان أن التفت إليهم هاتفا: "أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح". وبَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقسمه في بدر الكبرى!".

ومن الواضح الذى لا يمكن أن تخطئه عين كل ذى عين أن كاتب هذا الكلام يريد إدانة النبى عليه السلام وإسناد البدء بالعدوان إليه، إذ يؤكد أن الكفار كانوا يتسامحون مع مخالفيهم فى الدين تمام التسامح لولا أن النبى قد ألجأهم إلى تغيير خطة التسامح المشهورة عنهم إلجاءً. إلا أن كاتب هذا الكلام قد وقع مع هذا فى تناقض مضحك حين عاد فقال إنه ما إن بدأ محمد دعوته حتى انقلبت عليه قريش يؤذونه. فأين الحقيقة هنا؟ ثم إن كاتب هذا الكلام يعزو انقلاب قريش على الرسول إلى أنه قد هددهم فى مصالحهم مع أنهم قد انقلبوا عليه منذ البداية بمجرد أن أعلن دعوته. ثم لو كان الأمر كما يزعم كاتب هذا الكلام فلماذا يا ترى كان النبى عليه السلام يستخفى بتلك الدعوة قبل ذلك، ولم يكن فيها شىء مما يزعم الكاتب أنه يهدد مصالح الأرستقراطية القرشية من عتق للعبيد وما إلى هذا؟ ومن الواضح كذلك أن كاتب هذا الكلام قد سرق أيضا من الكتاب الذى يُنْسَب لأبكار السقاف، ففى ذلك الكتاب نقرأ عن القرآن المكى الذى كان يأمر المسلمين بالصبر أنه "من نفس هذا "الكَلِم" الذى انطلق ينفث فى الأتباع روح الصبر تأتينا، فى هذه الفترة الزمنية، صورة خاطفة للغزو وخيل الغزاة ونار الحباحب التى تنقدح من حوافرها والإغارة على العدو صباحًا. ففى هذه الفترة جاء هذا النغم الحار الملتهب يقسم قائلا: "وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا" العاديات)"، وأن "قريشًا إنما بطبيعتها، كما تذكر سجلات التاريخ الإسلامى، محبة للسلام لا تبدأ بالعدوان أحدًا، ومن ثم ليس إلا بدافع هذه الطبيعة راحت تفكر فى إيجاد طريقة لمهادنة هذه الدعوة لتهديها مطارق التفكير إلى فكرة ما تحددت فى جبينها بوضوحٍ منها المعالم إلا وهبت تتساءل: ماذا لو هادنت محمدًا وحاولت له استرضاءً ومنحته ما إليه يتوثب من وراء هذه الدعوة فتكف بذلك هذه العداوات المتأججة فى الصدور، وهو بعد إنما منها، وله فى النسب ما لها من المكانة؟".

ثم تقول أبكار السقاف: "من ثم كان حتمًا أن تبدأ يد الزمن تحريك الجمر الثاوى تحت رماد الأيام بين فرعي عبد الدار وعبد مناف من جهة وبيتي هاشم وعبد شمس من جهة أخرى، وأن يبدأ اللهب من هذا الجمر فى الاندلاع فيرتفع اللسان القريشى يرمى هذه الدعوة بأنها قد فرقت القوم فِرَقًا كما كان حتمًا أن يلتمع فى أفق المخيلة القريشية أمل حاكته شفتا العاص بن وائل، سيد بنى سهم، وتسجله تلك اللحظة التى تحول فيها إلى قريش لها مهدئا يقول: "دعوه! إنما محمد رجل أبتر. لو قد مات لقد انقطع ذِكْرُه واسترحتم منه". ومن الواضح مرة أخرى أن هذا الكلام هو هو ذاته الكلام الذى نقلناه آنفا من كتاب "الحزب الهاشمى" والذى يقول: "ومع أن المناوشات الكلامية التي دارت بين المكيين ومحمد صلى الله عليه وسلم لم تصل بالقوم إلى حافة شفير الحرب مرة أخرى، فإنها نبشت الجمر الثاوي في القلوب بعدما أعلن محمد صلى الله عليه وسلم دعوته مطالبا أهل مكة باتباعه، فكان حتما أن يتساءل الناس. لكن تساؤل الوليد بن المغيرة (الملقب بـ"الوحيد" لمكانته بين سادات مكة)، والأخنس بن شريق (كبير رؤوس ثقيف) كان تساؤلا مهينا لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قالا: أمفتون محمد أم مجنون؟ فكان أن ردت لهما الآيات الكريمة الصاع صاعين: "بأيكم المفتون"، "همَّازٍ مشَّاءٍ بنميم. منَّاعٍ للخير معتدٍ أثيم. عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم" (٦- ١٣ القلم). و"الزنيم" هو ابن الزانية. ثم يخاطب الله نبيه في شأن الوحيد قائلا له: "ذرني ومن خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صَعُودا. إنه فكر وقدَّر. فقُتِل كيف قَدَّر. ثم قُتِل كيف قدَّر" ١١- 20 المدثر). وفعلا مات الوليد قتيلا بسهم مسموم، قتله الله. ثم قامت الآيات تشبه رؤوس القوم الذين لم يدركوا أبعاد الدعوة العظمى ومراميها الكبرى بالحمير فتقول: "فمالهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حُمُرٌ مستنفِرَة. فَرَّتْ من قَسْوَرَة" (٤٩- ٥١ المدثر)".

الواقع أنه ما إن دعا النبى إلى الله الواحد الأحد حتى هب المشركون يعاندون ويؤلبون عليه ويشتمونه ويؤذونه. وما حكاية أبى لهب معه حين صعد الصفا أول الدعوة العلنية ودعا عشيرته الأقربين إلى الوحدانية، مجرد الوحدانية، بالتى يجهلها أى مسلم. فلماذا اللف والدروان وتشويه الحقائق؟ وهذه هى الآيات القرآنية بين أيدينا مكيها ومدنيها، فليدلنا كاتب هذا الكلام على شىء أزعج المشركين غير الدعوة إلى الوحدانية والزراية على الأصنام. وإن قوله تعالى فى أول نص قرآنى تقريبا بعد عودة الرسول من غار حراء حيث شاهد جبريلَ للمرة الأولى: "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا" لدليل على أنه عليه الصلاة والسلام قد وُوجِه منذ اللحظة الأولى بالتكذيب والأذى دون أى استفزاز من جانبه لهم، حقيقيًّا هذا الاستفزاز أو مدَّعًى. ومثله قوله تعالى فى تلك الفترة الشديدة التبكير من العهد المكى: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)" (سورة العَلَق)، مما يدل على أن الأذى القرشى لم ينتظر أى شىء يمكن أن يُتَّخَذ بوصفه استفزازا من جانب الرسول، بل بدأ مع بدء الدعوة، فكان الكفار يمنعونه صلى الله عليه وسلم من الصلاة، مجرد الصلاة!

ومن المضحك أن يقول الكاتب المسكين الذى لا يحترم علما ولا منطقا ولا تاريخا إن الآيات المكية المبكرة كانت تؤجج الحمية القتالية بما يحمله ذلك من احتمال وقوع المجابهة العسكرية. إى والله: المواجهة العسكرية حتة واحدة! وإذا كان الرسول حتى بعدما أصبح للإسلام دولة وجيش كان ينصح المسلمين ألا يتمنوا لقاء العدو، إلا إذا اضطروا إلى ذلك اضطرارا، فعندئذ فليثبتوا ثبات الرجال، فما بالنا والمسلمون يومئذ بمكة أفراد قليل مستضعفون لو فكروا مجرد تفكير فى قتال ومواجهة لافترستهم قريش افتراسا لا تبقى منهم بعده باقية؟ لا بل إن الكاتب العجيب يريد منا أن نصدق أن الكفار قد ارتعبوا منذ تلك البدايات المبكرة للإسلام، واستطاعوا أن يتوصلوا إلى ما سوف تبلغه الدعوة المحمدية آجلا من انتصار ساحق على الدول المحيطة بالجزيرة العربية وتكوين دولة هاشمية تنتشر فى آفاق الأرض، فمن ثم وقفوا فى وجهه صلى الله عليه وسلم حتى لا يفوز الهاشميون بهذا المجد دونهم، مع أن معظم الهاشميين هم، حسبما نعرف، أول من تصدى لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن من آمن منهم إلا بعد اللتى واللتيا، اللهم إلا على بن ابى طالب، الذى لم يك فى ذلك الوقت سوى صبى صغير لا يؤبه له.

وهذه الفكرة مسروقة سرقة مباشرة من الكتاب الذى يحمل اسم أبكار السقاف، ولكن دون أن يشير السارق إليه، إذ نقرأ فى كتاب "الدين فى شبه الجزيرة العربية" أن قريشا "آمنت أن هذا الفرد من بيت هاشم والذى احترف التجارة احترافها، وفى قوافلها التجارية سار، إنما يريد سيادة على العرب، وللعرب امتلاكا بملك لا تحده حدود الحيرة وغسان، بل إلى ما وراءهما سيمتد فيطوى الروم والعجم. فإنما العين من محمد تمتد إلى خارج أرضها. وعلى ذلك يأتي اللسان منه دليل، وهو ينطلق فى ترديد مناديا: "اتبعوني! والذى نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى وقيصر!". ومن الجلى أن الكاتب قد أغار على فكرة الكتاب المذكور وأخذها كما هى. حتى العبارة التى أوردها للنبى عن كنوز كسرى وقيصر موجودة فى الكتاب الذى يُنْسَب لأبكار السقاف. كذلك فإن كلامه عن خوف قريش من ثورة الصعاليك المسلمين هو هو نفسه الكلام الوارد فى كتاب "الدين فى شبه الجزيرة العربية": "وهكذا راحت الأيام تنفرط، وقريش عن عقيدة لها لا تتخلى، ففى المخيلة منها قد رسخت عن محمد هذه الفكرة ليزيدها بمنطقها إيمانًا استشعارها من أنفاس السور الأولى المكية النغمة الاجتماعية التى رأت أن فيها يمكن الخطر من أمر هذه "الدعـوة"، التى راحت لها تؤيد طوائف ممن وُعِدوا بامتلاك كنوز كسرى وقيصر وبأن يكون لهم نسبًا. وهؤلاء إنما هم من تنعتهم قريش "بالسفهاء". فإنه إلى جانب تلك الطبقة من السادة الذين إلى المرامى السياسية من هذه الدعوة كان قد هفا منهم الفكر كانت تقوم هذه الطبقة المؤلفة من الموالى والعبيد ممن إلى المرامى الاجتماعية من أمر هذه الدعوة كانت قد استجابت منهم الأفئدة. بهذا الاتباع الذى تجلى بالاتباع من كلا الطبقتين بدأت الدعوة المحمدية تتخذ مظهرها العملى، فإن محمدًا قد بدأ، وهو الذى كان قد اعتنق الدين الحنيف، يبادئهم بذكر شفعائهم. وكان من قبل لا يذكرها ويعيبها، وكان من قبل لا يعيبها. وهنا عظم الأمر على قريش وبدأ بهم جدى التفكير فى أمر محمد، لقد كان من قبل لا يهمهم حين قال إنه نبى بقدر ما يهمهم الآن، ومن ثم فلم يبق الأمر موضع سخرية واستخفاف وإنما موضع تفكير واهتمام. فالأمر إنما منذر بثورة سياسية قد تهب بهؤلاء السادة، وثورة اجتماعية قد يندلع لظاها بهؤلاء الموالى والعبيد. وهذا إنما أمر لَشَدَّ ما منه تفزع قريش، ولَشَدَّ ما منه تجزع".

ومما قاله مؤلف الكتاب فى التدليل على أن الأمر فى الإسلام إنما هو أمر تخطيط سياسى دنيوى لا صلة بينه وبين وحى السماء زَعْمُه أن عبدالمطلب "تمهيدا لما أزمع (من العمل على بلوغ مأربه السياسى من إقامة الدولة الهاشمية) أعلن في الناس أنه بينما كان نائما في الحِجْر بالكعبة أتاه رَئِيٌّ وغَتَّه ثلاث مرات، وأوحى إليه الأمر بحفر البئر المعروفة باسم "زمزم". وتقول كتب الأخبار الإسلامية إنه لجرهم بين صنمَيْ إساف ونائلة، دفنتها حين تركت مكة. نعم لقد تمثل تنافس بني العمومة من قبل في احتفار الآبار جذبا للقبائل وقوافل التجارة، فقديما حفر عبد الدار أم جراد، ولما حفر عبد شمس الطوي رد عليه هاشم بحفر بدر، فزاد أمية في الكرم وحفر الحضر، فرد عليه عبد المطلب بحفر زمزم". فهو، كما نرى، إنما يعزو الأمر كله فى حفر زمزم إلى كذب عبد المطلب من أجل الوصول إلى الغرض السياسى الذى صممت على بلوغه أسرته منذ قديم الأيام. ثم شىء آخر أخطر من ذلك وأَطَمّ وأدهى، ألا وهو الإحالة على ابن هشام فى مسألة التنافس بين الهاشميين وخصومهم من أقاربهم على حفر الآبار، وكأنه قد نقل ذلك فعلا من كتاب الرجل فى السيرة، مع أن ابن هشام لم يقل شيئا من ذلك البتة. وهذا هو التدليس بعينه الذى مَرَدَ عليه أمثاله!

على أن عبد المطلب لم يقف بكذبه فى رأى صاحب هذا الكلام الأخرق عند ذلك الحد، بل شفع كذبته عن زمزم بكذبة أخرى تتعلق بالأنساب مؤداها أن قريشا تعود بنسبها إلى إبراهيم عليه السلام رغم عُرْىِ ذلك الكلام عن الصحة جملة وتفصيلا. وكأن اليهود كان من الممكن أن يسكتوا على تلك الكذبة لو كان ما يقوله المؤلف البكاش النتاش صحيحا فلا يفضحوا النبى ويكذبوه فيما يقوله القرآن ويقوله هو صلى الله عليه وسلم عن بنوّة العرب لإبراهيم.

وثم شىء آخر تساخف فيه الكاتب وقلب فيه الحقائق على رؤوسها وساق من "الهجايص" ما باخ الأمر معه جدا. قال: "لكن الخزرج سرعان ما تراجعت عن تنصيب ابن سلول زعيما على يثرب إزاء التطورات الجديدة في مكة، وأرسلوا وفودهم إلى ابن أختهم محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، وقاموا بمحاولة إقناع الأوس بالأمر لما له من وجاهة من عدة نواح: الأولى أنه نبي مؤيد من الله، وفي ذلك كفالة النصرة. والثانية أنه طرف محايد، فلا هو أوسي ولا هو خزرجي. أما الناحية الثالثة والأهم سياسيا واقتصاديا فهي أنه، بخروجه من مكة إليهم، يمكنهم بقيادته شن الحرب على أهل مكة بل قطع خطوطها التجارية مع الشام التي تمر على المدينة. وفي ذلك لا لوم ولا تثريب، فهم إنما يتبعون أمر السماء. ثم إن قائدهم إنما هو فرد مكي ومن أهل مكة أنفسهم. ثم إن اليهود كانوا في تمام الرضا عن هذا التوجه حيث الآيات الكريمة تكرّم أنبياء بني إسرائيل وتفضّل النسل الإسرائيلي على العالمين".

وتعقيبا على هذا التساخف نقول إنه لم يكن ثم عداوة بين المكيين واليثربيين فى ذلك الوقت، وإلا لما جرؤ أهل يثرب على الذهاب إلى مكة فى مواسم الحج، ومنها ذانك الموسمان اللذان توافقا فيهما على هجرة النبى إلى بلادهم وحمايتهم له. أليس هذا هو ما يقوله المنطق والعقل؟ بلى، ولكن بعض الناس لا منطق لديهم ولا عقل. كذلك لم يكن ضمن بنود الاتفاقية بينهم وبين النبى أن يشنوا حربا على قوافل قريش، بل على حمايته صلى الله عليه وسلم فحسب. ولهذا توجس النبى ألا يوافقوا على الخروج إلى بدر باعتبار أن ذلك لا يدخل فى بنود الاتفاقية المذكورة. وعلى عادة كاتبنا الهماز اللماز لا يرضى أن يترك الموضوع دون وخزة سامة يظن أنه مستطيعٌ وخزها للرسول ودينه، إذ يقول إن الأنصار كانوا متأكدين أن القرآن سوف يسهل لهم الهجوم على قوافل قريش فينزِّل آيات تبارك لهم هذا، وكأنهم كانوا يشمون على ظهر أيديهم قبل الهنا بسنة!

أما قوله: "إن اليهود كانوا في تمام الرضا عن هذا التوجه حيث الآيات الكريمة تكرّم أنبياء بني إسرائيل وتفضّل النسل الإسرائيلي على العالمين" فهو كلامٌ متنطعٌ أشد التنطع، إذ كان الوحى المكى ينزل قبل ذلك كالصواعق على رؤوس بنى إسرائيل رغم ثنائه العظيم على رسلهم وأنبيائهم، لأن هذه نقرة، وتلك نقرة أخرى! ألم يرجمهم براجماته حين ارتدوا على أعقابهم وعبدوا العجل فى غياب موسى فوق الجبل؟ ألم يلعن منتهكى حرمة السبت منهم؟ ألم يسلق جلود من طلبوا من موسى غِبَّ عبور البحر أن يجعل لهم إلها كما للقوم الوثنيين الذين مروا بهم فى سيناء آلهة؟

وينتهى الكتاب بالفقرة التالية: "وهكذا قامت الدولة الإسلامية بجهود البيت الهاشمي، وفضل لا ينكر لأهل الحرب والحلقة اليثاربة وخئولتهم (ملاحظة سريعة: كلمة "اليثاربة" هى أيضا من الكلمات المشتركة التى يستخدمها كل من سيد القمنى وخليل عبد الكريم). لكن ذلك كله لم يَفُتّ في عضد الحزب الأموي، فظل هؤلاء يترقبون الفرص حتى ما بعد اتساع الدولة بالفتوحات، وعندما سنحت الفرصة اقتنصوها، واستولوا على الحكم استيلاء صريحا بعد أن كان ضمنيا باستبعاد عليٍّ بعد وفاة الرسول. وساعتها تجلت مشاعرهم تجاه بني عمومتهم في المجازر الدموية التي راح ضحيتها كل من أيد البيت الهاشمي، حتى امتدت يد الانتقام الحمقاء إلى حَفَدة المصطفى صلى الله عليه وسلم استئصالا لهذا البيت وأهله، ووصل بهم حد الهوس إلى ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق. مشاعر عبر عنها لسان يزيد بن معاوية الأموي منسوبا إليه عن قصيدة طويلة لابن الزِّبَعْرَي:

لعبتْ هاشمُ بالملك فلا * خبرٌ جاء، ولا وحي نَزَلْ

أو كما أورده ابن كثير:

لعبت هاشمُ بالملك فلا * مَلَكٌ جاء، ولا وحي نَزَلْ".

وهى فقرة لا تَسُوق لنا ما حدث من وقائع التاريخ، بل تعكس ما يزعمه مؤلف الكتاب بشأن الإسلام وما يريد ترويجه من أنه ليس دينا سماويا، بل سياسة ودهاء ومكرا وكيدا خبيثا فَتَشَه الأمويون فتصرفوا تجاهه بما يناسبه، فكان كفرهم بدين محمد، إذ كانوا يعرفون الفُولَة وقِشْرتها، فلذلك لم ينخدعوا كما ينخدع أمثالنا من الجهال والعوام الذين بلعوا طعم الهاشميين متمثلا فى الدين الذى اخترعه ابنهم محمد وزيف له قرآنا يضحك به على السُّذَّج الأغرار الذين لا يستطيعون تصور الدين من غير كتاب مقدس. وهى خاتمة منتنة تليق بالكتاب الدنس دَنَسَ من أوحى به وحرص على إفشائه بين المسلمين!

ذلك أنه لا ابن الزبعرى قال ذلك البيت ولا يزيد ردده. ولو كان يزيد قاله لكان هذا كفرا صُرَاحًا لا يمكن أن يسكت المسلمون عليه مهما كانت شدة وطأة الأمويين وقتئذ. ولقد حاولتُ أن أجده فى شعر ابن الزبعرى فلم أُوَفَّق، وما كان يمكن أن أوفق، إذ من المعروف أن ابن الزبعرى لم يقل ذلك البيت البتة، بل هو من وضع الشيعة ليسيئوا إلى يزيد ويخلصوا من هذا إلى اتهامه بالكفر. والكاتب الخبيث إنما نقله عن مرجع شيعى لا يصلح للنقل عنه، وهو "فاجعة الطف" لمحمد القزوينى، الذى لا يتنبه إليه وإلى أمثاله عادة إلا مستشرق أو مبشر يبحث عن إثارة الشغب. وإنما حاولت أن أحقق البيت رغم معرفتى تلك لا لشىء إلا لكيلا أكون قد أَلَوْتُ جهدا. ولقد وجدت فى بعض المواقع الشيعية البيت وبيتا آخر مختلقا على يزيد مع بيتين لابن الزبعرى، وواضح أنه قد وُضِع وضعًا فى هذا المكان لكى تَعْلَق تهمة الكفر، كماقلت، بيزيد والأمويين.

والحق أن ابن الزبعرى لا يمكن أن يكون قد قال هذا البيت: أولا لأنه غير موجود فى ديوانه ولا فى أى مرجع محترم نعرفه. ولقد درسنا هذه القصيدة حين كنا طلابا بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة، ولم يكن هذا البيت منها. وثانيا فإن الشاعر يتهكم بالخزرج، والمقصود بالخزرج هنا حسان بن ثابت، الذى كان قد نظم قصيدة يهجو فيها قريشا عقب هزيمتها فى بدر ويفتخر بالخزرجيين قومه وما أَدَّوْه من خدمات للإسلام، فلما انتكس المسلمون بسبب عصيان الرماة لأوامر الرسول فى أُحُدٍ عَمِلَ ابن الزبعرى هذه القصيدة ردا على قصيدة حسان من العام الفائت، فليس للسخرية من الهاشميين إذن موضع فى هذه القصيدة. ثم إنه لم يكن فى المدينة آنذاك حكم هاشمى حتى يقال إن الهاشميين قد لعبوا بالحكم، بل كانت هناك حكومة يرأسها النبى ويعاونه فى تدبير شؤونها أصحاب له من قبائل مختلفة مكية ويثربية. ولنفترض أنه كانت هناك حكومة هاشمية، أفيظن أى عاقل أن ابن الزبعرى او غيره يمكن أن يقول عن الرسول إنه يلعب بالحكم، وقد كان الأمر جدا كل الجد، بل مرا كل المرارة فى تلك الفترة التى تقعقع فيها السيوف وتتطاير الرقاب وتسيل الدماء؟ ومن هذا نرى أن مؤلف الكتاب الجاهل إنما يخبط خبط عشواء. ذلك أنه لا يفهم أصول المنهج العلمى فى التأليف، وكل همه أن يسىء إلى الإسلام بجميع الوسائل الممكنة بغض النظر عن سخفها وتفاهتها وحمقها وضلالها.

وإلى القارئ ما وجدته فى واحد من تلك المواقع الشيعية المذكورة: "من جملة الكلمات الدالة على الكفر الباطني ليزيد وبغضه للرسول صلى الله عليه وآله، إذ أنّه تغنّى بهذه الأشعار وهو في غاية الفرح والنشوة عندما أدخل عليه سبايا أهل البيت بعد مقتل الحسين قائلا:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأَسَلْ

لأهـلُّوا واستهلُّوا فرحًا * ثم قالوا: يا يزيدُ، لا تَشَلّ

قد قتلنا القِرْم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدلْ

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

حياة الإمام الحسين 187:2 و377:3)

أصل هذه القصيدة لعبدالله بن الزبعري، إلا أنّ إنشادها من قبل يزيد في ذلك الموقف ينم عن اعتقاده بمضمونها. وفي أعقاب الترنّم بهذه الأشعار نهضت العقيلة زينب عليها السلام وألقت خطبتها التي ابتدأتها بالآية الشريفة: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون" (الروم: 10)، وتلت أيضا ضمن حديثها: "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ" (آل عمران: 178). ويستدل من خطبتها خروج يزيد من حريم الإسلام وعدم اعتقاده بالدين، ويثبت كفره وفسقه أمام الملأ. لقد كشفت واقعة كربلاء عن الكفر الخفي للأمويين، وأزالت الستار عن حقيقتهم وأظهرتها للأمة وللتاريخ، وهذا من ثمار واقعة الطف الخالدة".

ثم خطر لى بعد هذا أن أراجع "البداية والنهاية" لابن كثير، وهو المرجع الذى يشير إليه الكاتب فى هذا السياق على أساس أنه أورد رواية أخرى للبيت الأخير منها، وأوعز فى نفس الوقت للقارئ أن ابن كثير يوافق على أن هذا البيت جزء من قصيدة ابن الزبعرى وأن يزيد بن معاوية قد قاله تشفيا وكفرا، وهو ما استبعدته تمام الاستبعاد. وهنا انكشف تدليس آخر حقير من تدليسات مؤلف الكتاب، فابن كثير لم يقل إن يزيد قد قال ذلك البيت، بل نفى أن يكون لابن الزبعرى أصلا، وكل ما كتبه هو ما توصلت أنا إليه قبل قليل حين قلت إنه من إضافات الشيعة، فالحمد لله أن جمعنى وهذا المؤرخ الكبير على ذات الرأى والحكم.

وإلى القارئ ما كتبه ابن كثير المفترَى عليه، لعن الله من يفترى على الصالحين الكرام كى يشفى حقده الأسود. قال ابن كثير تعليقا على حديث يحرّم فيه النبى ترويع أهل المدينة ويلعن من يقدم على ذلك: "وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية... وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد، وجوز لعنه. ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى لعن أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأوَّل وأخطأ. وقالوا: إنه كان مع ذلك إماما فاسقا، والإمام إذا فسق لا يُعْزَل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا. وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحا شديدا، فإنه كان يرى أنه الإمام وقد خرجوا عن طاعته، وأمّروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة. كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة كما تقدم. وقد جاء في "الصحيح": "من جاءكم وأَمْرُكم جميعٌ يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان". وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أحد، التي يقول فيها:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأَسَلْ

حين حلت بفناهم بَََرْكها * واستحرَّ القتل في عبد الأشلّّ

قد قتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ

وقد زاد بعض الروافض فيها فقال:

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء، ولا وحي نزل

فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على من وضعه عليه ليشنّع به عليه".

على أن المسرحية لما تنته فصولا، إذ دلس القمنى تدليسا شنيعا فى الاستشهاد بنص نقله عن د. جواد على من كتابه "المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام"، لكنه لم يؤده كما هو، بل أسقط منه بضعة عشر سطرا عامدا متعمدا دون أن يترك مكانها نقاطا كى يعرف القارئ أن هاهنا كلاما محذوفا (بغض النظر الآن عن أن هذا المحذوف لا يصح حذفه البتة لأنه يفسد المعنى ويقلبه رأسا على عقب)، ثم زاد على ذلك فلَحَمَ الكلامين بطريقة خبيثة لا يتنبه معها القارئ إلى عملية التلاعب الدنيئة التى تمت بلَيْل! والنص المذكور خاص بالكلام عن أمية بن أبى الصلت، وهل استعان بالقرآن فى نظم الأشعار المنسوبة إليه والتى تشبه آى الذكر الحكيم؟ أم هل النبى هو الذى استعان بشعره؟ أم ترى الأمر كله لا يخرج عن استقاء الاثنين من مصدر مشترك؟ وقد انتهى جواد على إلى أن أشعار أمية ذات الصبغة القرآنية الواضحة منحولة عليه بعد الإسلام، ومن ثم فلا تشابه بين شعره وبين كتاب الله على الإطلاق مما لا يعود معه مجال للحديث عن أثر شعره فى القرآن المجيد. لكن تدليس سيد القمنى يقلب القضية رأسا على عقب، إذ يُظْهِر جواد على فى صورة المشايع لما يردده ملاحدة عصرنا من أن الرسول قد استعان بشعر أمية، وهو عكس ما انتهى إليه الرجل فى كتابه.

ويمكن القارئ الرجوع إلى دراسة مطولة لى فى هذا الموضوع منشورة فى بعض المواقع المشباكية عنوانها: "القرآن وأُمَيّة بن أبى الصلت: أيهما أخذ من الآخر؟"، بيَّنْتُ فيها بالدليل الصارم القائم على وقائع التاريخ وتحليل النصوص واستشفاف الجو النفسى والاجتماعى فى ذلك العصر أن من المستحيل القول باقتباس القرآن من شعر أمية، وإلا لكان قد فضح النبىَّ عليه السلام هو ومن يشايعه على موقفه من مشركين ويهود، وبخاصة قومُه بنو ثقيف الذين دخلوا جميعا الإسلام ولم نسمع من أى منهم ولا حتى من أقرب المقربين إليه كأخته أو أبنائه أن هناك تشابها (مجرد تشابه!) بين شعره وبين القرآن الكريم، وأنه إذا كان لا بد أن نقول بالتشابه بين شعره وبين كتاب الله فلا بد أن يكون هو المقتبس من القرآن لا العكس. لكن القمنى قد تلاعب بالنص الذى نقله من كتاب "المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام" بحيث يبدو وكأن جواد على يقول بتأثر القرآن بشعر الشاعر الثقفى كما ذكرنا، وهو ما يجده القارئ مفصَّلا فى كتابى: "اليسار الإسلامى وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة" (مكتبة زهراء الشرق/1420هــ- 2000م/ 72 وما بعدها).


التاريخ المجهول للإسلام المقاوم: الفلبين
تعلموا من بوغوتا
انتفاضة المعتقلين في السجون المصرية
القرضاوي.. ضمير أمّة وصوت عالم
كل فكر.. واجهه السيف !
العراق اليتيم !
خرافة الدولة العميقة
لغز العسكر وكيف حلَّه رسول الله
هل الانقلاب محنة أم منحة؟
وإذا الموْءودة سُئِلَتْ..!
انهيار فضائيات الفاسدين
رجال فى حياتى
الطائرات الاسرائيلية قصفت معملا لا أسلحه منقولة
مؤتمر لنصرة الأحواز في مصر
جيش العراق نصر ذهبي وأسطورة دفاعية
نعم للدستور .. لا للعولمه
الربيع الديمقراطي العربي بداية عصر النهضة
شركاء السفاح في جرائمه في سورية
ربيعنا والعين الأمريكية التي لاتنام؟
مقارنة بين عمرو بن العاص ونابليون بونابرت
المزيد

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان