د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

القمنى بلبوصًا! (فضح مخازى القمنى فى كتاب الحزب الهاشمى) 3 من 3
د.إبراهيم عوض
8/15/2009

وهناك تدليس آخر يتعلق بدين عبدالمطلب، ذلك الذى جعله الكتاب الذى يحمل اسم القمنى حنيفا من الحنفاء بل زعيمهم وأستاذهم جميعا، كما يتعلق فى نفس الوقت بالدين الذى مات عليه ابنه أبو طالب عم الرسول وحاميه. ولسوف نعرض الأمر بتمامه حتى تتضح الصورة اتضاحا كاملا. لقد أكد القمنى أن عبد المطلب كان يتمتع ببصيرة سياسية عميقة لا تبارَى، وأنه استطاع أن يقرأ الواقع القراءة التى تبلّغه مطمحه فى إنشاء دولة لبنى هاشم، فتوسل بالدين إلى درك هذا الهدف، وشرع يتخذ من الخطوات الميكافيلية ما يوصله إليه، فادعى أن هاتفا أتاه فى المنام وأمره أن يحفر زمزم. كما أسس حركة الحنفاء حتى يعيش الدور كما ينبغى. ثم نقل البلبوص عن ابن كثير بعض النصوص.

يقول القمنى: "ويتضح لنا وعي عبد المطلب بن هاشم السياسي وبعد نظره وحسه القومي في قيادته وفدا إلى اليمن برفقة ابن أخيه أمية... وحلفائه: أبو زمعة جد أمية بن عبد الله بن أبي الصلت... وخويلد الأسدي بن أسد بن عبد العزي. ومن الواجب ملاحظة امتداد ذلك التحالف في زواج حفيد عبد المطلب، النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من السيدة خديجة بنت خويلد الأسدي رضي الله عنها، في الوقت الذي استمر فيه على التكتيك الهاشمي بأن سار على السنة الكريمة المعطاء بالجود حتى لقبه الناس: شَيْبَة الحمد. لكن الجديد في أمره هو عمله على وضع أيديولوجيا متكاملة لتحقيق أهداف حزبه، فكان إدراكه النفّاذ لسُنّة جَدّه قُصَيٍّ الدينية والسياسية مساعدا على تحديد الداء ووصف الدواء. والداء فُرْقَةٌ قبلية عشائرية، والأسباب تعدد الأرباب وتماثيل الشفعاء. ومن هنا انطلق عبد المطلب يضع أسس فَهْمٍ جديد للاعتقاد، فَهْمٍ يجمع القلوب عند إله واحد، ويتميز بأنه يلغي التماثيل والأصنام وغيرها من الوساطات والشفاعات لأنه لا يقبل من أحد وساطة ولا شفاعة إلا العمل الصالح. وتمهيدا لما أزمع أعلن في الناس أنه بينما كان نائما في الحجر بالكعبة أتاه رَئِيٌّ وغَتَّهُ ثلاث مرات، وأوحى إليه الأمر بحفر البئر المعروفة باسم "زمزم". وتقول كتب الأخبار الإسلامية إنه لجرهم بين صنمي إساف ونائلة دفنتها حين تركت مكة. نعم لقد تمثل تنافس بني العمومة من قبل في احتفار الآبار جذبا للقبائل وقوافل التجارة: فقديما حفر عبد الدار أم جراد. ولما حفر عبد شمس الطويّ رد عليه هاشم بحفر بدر، فزاد أمية في الكرم وحفر الحضر، فرد عليه عبد المطلب بحفر زمزم. لكن زمزم ليست ككل الآبار، فهي البئر الوحيدة التي قيل فيها إنها حفرت بأمر غيبي في حلم عبد المطلب، إضافة إلى ما شاع يتردد حول أمرها. فهي فعل إلهي لا إنساني فجرها الله قديما تحت خد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام ليشرب وأمه منها. وفي ذلك يقول ابن هشام في السيرة: "فَضْل زمزم على سائر المياه: فعفت زمزم على المياه التي كانت قبلها يسقي عليها الحجاج، وانصرف الناس إليها عليهما السلام". ويقدم لنا ابن كثير نص هذا الأمر أو الوحي بحفر زمزم، و هو "احفر زمزم. إنك إن حفرتها لن تندم. هي تراث من أبيك الأعظم. لا تنزف أبدا ولا تزم. تسقى الحجيج الأعظم. مثل نعام جافل لم يقسم. ينذر فيها ناذر بمنعم. تكون ميراثا وعقدا محكم. ليست لبعض ما قد تعلم. وهي بين الفرث والدم". ثم يعقب بالقول: إن عبد المطلب ساد في قريش سيادة عظيمة، وذهب بشرفهم ورئاستهم، فكان جماع أمرهم عليه، وكانت إليه السقاية والرفادة بعد المطلب، وهو الذي جدد حفر زمزم بعدما كانت مطمومة من زمن جرهم، وهو أول من طلى الكعبة بذهب في أبوابها من تَيْنِكَ الغزالتين اللتين من ذهب، وجدهما في زمزم مع تلك الأسياف القليعة. ثم يؤكد أن عبد المطلب كان مؤسسا لملة واعتقاد، فيروي عن ابن عباس وابن عمرو ومجاهد والشعبي وقتادة عن ديانة أبي طالب بن عبد المطلب: هو على ملة الأشياخ. هو على ملة عبد المطلب".

ومعنى ذلك أن عبد المطلب هو مؤسس الحنيفية، وأن أبا طالب حين مات إنما مات على هذا الدين. وقد أحال القمنى أو من كتب له الكتاب إلى كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير للتدليل على ذلك. فماذا عند ابن كثير فى هذا الموضوع؟ لنقرأ ما كتبه ابن كثير فى كتابه كى نرى مدى أمانة القمنى فى النقل والاقتباس. ولسوف يذهل القارئ من جرأته فى التدليس على ابن كثير. ولكن إذا وضع القارئ العزيز فى ذهنه أن القمنى قد دلس على واحد من المعاصرين دون خجل أو حياء أو تردد، فهل سيكون ابن كثير، الذى مات منذ قرون ولا يستطيع الرد على من يكذب عليه، بمنجاة من شيطانية القمنى ومن يوسوسون له فى أذنه وعقله وقلبه وضميره؟

يقول ابن كثير: "قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم. فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه.

فبعث إليه أبو طالب، فجاءه،فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات. قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: يا محمد، أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب. قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا. قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له: أي عم، فأنت قُلْها أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها. لا أقولها إلا لأَسُرّك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموتُ نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بإذنه. قال: فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرتَه أن يقولها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع.

قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط: "ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ... الآيات". وقد تكلمنا على ذلك في التفسير، ولله الحمد والمنة. وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس في هذا الحديث: يا ابن أخي، لقد قال الكلمة التي أمرتََه أن يقولها. يعني: لا إله إلا الله. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن في السند مبهما لا يُعْرَف حاله، وهو قوله: "عن بعض أهله". وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يُتَوَقَّف فيه لو انفرد. وقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، فذكره، ولم يذكر قول العباس. ورواه الثوري أيضا عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره بغير زيادة قول العباس. ورواه الترمذي وحسَّنه، والنسائي وابن جرير أيضا. ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءت قريش، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند رأس أبي طالب، فجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك، وشَكَوْهُ إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها الجزية العجم. كلمة واحدة. قال: ما هي؟ قال: لا إله إلا الله. قال: فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب! قال: ونزل فيهم: "ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ"... الآيات إلى قوله: "إِلا اخْتِلاقٌ".

ثم قد عارضه، أعني سياق ابن إسحاق، ما هو أصح منه، وهو ما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه رضي الله عنه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجّ بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفر لك مالم أُنْهَ عنك. فنزلت: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا اولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ". ونزلت: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ". ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد الله، عن عبد الرزاق. وأخرجاه أيضا من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه بنحوه، وقال فيه: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: "على ملة عبد المطلب"، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما لأستغفرن لك مالم أُنْهَ عنك. فأنزل الله، يعني بعد ذلك: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى"، ونزل في أبي طالب: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين".

وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عماه، قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا فزع الموت لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأُقِِرّ بها عينك. فأنزل الله عز وجل: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". وهكذا قال عبد الله بن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "لا إله إلا الله"، فأبى أن يقولها وقال: هو على ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. ويؤكد هذا كله ما قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أغنيتَ عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. ورواه مسلم في "صحيحه" من طرق عن عبد الملك بن عمير به.

وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذُكِر عنده عمه فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجْعَل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. لفظ البخاري. وفي رواية: تغلي منه أم دماغه. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أهون أهل النار عذابا أبو طالب. منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه. وفي "مغازي" يونس بن بكير: يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه. ذكره السهيلي. وقال الحافظ أبو بكر البزار في "مسنده": حدثنا عمرو، هو ابن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قيل له: هل نفعتَ أبا طالب؟ قال: أخرجتُه من النار إلى ضحضاح منها. تفرد به البزار. قال السهيلي: وإنما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: لم أسمع، لأن العباس كان إذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة. قلت: وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم. ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدم. وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع نفسا إيمانها. والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت ناجية بن كعب يقول: سمعت عليا يقول: لما توفي أبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن عمك قد توفي. فقال: اذهب فوَارِهِ. فقلت: إنه مات مشركا. فقال: اذهب فواره، ولا تحدثن شيئا حتى تأتي. ففعلت فأتيته، فأمرني أن أغتسل.

ورواه النسائي: عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة.
ورواه أبو داود، والنسائي من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن علي: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فَوَارِ أباك، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني. فأتيته فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء. وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، حدثنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا محمد بن هارون بن حميد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال: وصلتْكَ رَحِمٌ، وجُزِيتَ خيرا يا عم. قال: وروي عن أبي اليمان الهوزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وزاد: ولم يقم على قبره. قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي، تكلموا فيه. قلت: قد روى عنه غير واحد: منهم الفضل بن موسى السيناني، ومحمد بن سلام البيكندي. ومع هذا قال ابن عدي: ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة.

وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدفع عنه وعن أصحابه، وما قاله فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها، وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تُدَانَى ولا تُسَامَى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها. وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه. وفَرْقٌ بين علم القلب وتصديقه كما قرّرنا ذلك في شرح كتاب "الإيمان" من "صحيح البخاري". وشاهد ذلك قوله تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون". وقال تعالى في قوم فرعون: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم". وقال موسى لفرعون: "لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا ربُّ السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا". وقول بعض السلف في قوله تعالى: "وهم يَنْهَوْن عنه ويَنْأَوْن عنه" أنها نزلت في أبي طالب حيث كان يَنْهَى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.

فقد روي عن ابن عباس والقاسم بن مخيمرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار ومحمد بن كعب وغيرهم، ففيه نظر والله أعلم.
والأظهر، والله أعلم، الرواية الأخرى عن ابن عباس: وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به. وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد، وهو اختيار ابن جرير. وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به. ولهذا قال: "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ* وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ". وهذا اللفظ، وهو قوله: "وَهُمْ"، يدل على أن المراد بهذا جماعة، وهم المذكورون في سياق الكلام. وقوله: "وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون" يدل على تمام الذم، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال. ولكن مع هذا لم يقدِّر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها. ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه".

ومن الواضح أن ابن كثير لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أن عبد المطلب كان صاحب دين توحيدى أو أن ابنه أبا طالب قد مات على ذلك الدين، بل قال إن عم النبى قد مات على عبادة الأوثان دين أبيه خشية من انتقاد قريش له بأنه ترك دين آبائه، ومن ثم كان قول الرسول عليه الصلاة والسلام إنه سوف يعذب يوم القيامة، وإن كان عذابه سيخفف إلى أقل حد ممكن، وهو وقوفه فى ضحضاح من نار لا يبلغ سوى كعبيه ويغلي منه دماغه، نظرا لحمايته للرسول رغم كراهيته إعلان الإيمان به. ليس ذلك فقط، بل رد ابن كثير على الشيعة فى ادعائهم أن أبا طالب قد نطق بالشهادتين، اعتمادا على ما قاله العباس للرسول بعدما فاضت روح أخيه، إذ شكك ابن كثير فى تلك الرواية وأورد روايات أخرى واضحة الدلالة تماما فى أن أبا طالب لم يعلن إسلامه على فراش الموت. بل لقد ختم ابن كثير حديثه فى ذلك الموضوع قائلا إن أبا طالب، رغم أنه "كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال"، "لم يقدِّر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها"، ثم عقب قائلا: "ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه". وهو كلام حاسم فى إفحام كل بكاش نتاش. ومع هذا كله يدلس القمنى ويكذب على عالمنا الجليل زاعما أنه قال إن عبد المطلب كان صاحب دين توحيدى أنشأه، وأن ابنه أبا طالب قد مات على ذلك الدين. لكن لو أن أبا طالب كان موحدا فلم طلب منه ابن أخيه أن ينطق بالشهادتين؟ ثم لم رفض العم؟ بل لم كان العذاب فى نار جهنم أصلا؟ أرأيتم مثل ذلك التدليس القمناوى الذى على أصوله؟

وتدليس آخر نجده فى إحالة صاحب الدكتوراه الملفقة إلى "السيرة الحلبية" عقب كتابته السطور التالية التى يقول فيها: "وعن اليقين بعلم عبد المطلب بأمر حفيده (يقصد أنه سوف يكون نبيا) يتحدث كتبة التراث مسلّمين بالأمر، ثم يقصون أقاصيص تعبر عن هذا التسليم وذاك اليقين، فيذكرون عن ولده العباس رضي الله عنه قوله: قال عبد المطلب: قدمت من اليمن في رحلة الشتاء، فنزلنا على حبر من اليهود يقرأ الزبور، فقال: من الرجل؟ قلت: من قريش. قال: من أيهم؟ قلت: من بني هاشم. قال: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك؟ قلت: نعم ما لم يكن عورة. قال: ففتح إحدى منخريَّ فنظر فيها ثم نظر في الأخرى، فقال: أنا أشهد أن في إحدى يديك مُلْكًا، وفي الأخرى نبوّة. وإنما نجد ذلك، أي كلا الملك والنبوة، في بني زهرة. فكيف ذاك؟ قلت: لا أدري... فقال: إذا تزوجتَ فتزوج منهم. فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف، فولدت له حمزة وصفية، وزوَّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب أخي وهيب فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانت قريش تقول: فلح عبد الله على أبيه. أي فاز وظفر. ثم رأيت في"أُسْد الغابة" أن عبد المطلب تزوج هو وعبد الله في مجلس واحد. وجاز أن يكون الملك والنبوة اللذان تكلم عنهما الحبر هما نبوته وملكه صلى الله عليه وسلم لأنه أُعْطِيَهما".

هذا ما قاله القمنى، ومعناه أن عبد المطلب كان يعرف سلفا أنْ سيكون له حفيد ذو شأن وأنه سوف يعلن النبوة، على حين أن صاحب "السيرة الحلبية" لم يقل شيئا من هذا بتاتا. وإلى القارئ نص ما قال: "والسبب الذي دعا عبد المطلب لاختيار بني زهرة ما حدّث به ولدُه العباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عبد المطلب: قدمنا اليمن في رحلة الشتاء، فنزلنا على حبر من اليهود يقرأ الزبور، أي الكتاب، ولعل المراد به التوراة، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من قريش. قال من أيهم؟ قلت: من بني هاشم. قال: أتأذن لي أن أنظر بعضك؟ قلت: نعم ما لم يكن عورة. قال: ففتح إحدى منخريّ فنظر فيه، ثم نظر في الأخرى فقال: أنا أشهد أن في إحدى يديك، وهو مراد الأصل بقوله: في منخريك، مُلْكًا، وفي الأخرى نبوّة. وإنما نجد ذلك، أي كُلاًّ من الملك والنبوة في بني زهرة، فكيف ذاك؟ قلت: لا أدري. قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: الزوجة، أي لأنها تشايع، أي تتابع وتناصر زوجها. قلت: أما اليوم فلا. أي ليست لي زوجة (من بني زهرة إن كان معه غيرها، أو مطلقا إن لم يكن معه غيرها). فقال: إذا تزوجت فتزوج منهم. أي وهذا الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه، فيحكم على صاحبها بطريق الفراسة يقال له: "حَزّاءٌ" بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة. وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني عن شيخه سيدي علي الخواص، نفعنا الله تعالى ببركاتهما، أنه كان إذا نظر لأنف إنسان يعرف جميع زلاته السابقة واللاحقة إلى أن يموت على التعيين من صحة فراسته. هذا كلامه". واضح أن الحبر اليمنى، إن صحت هذه الرواية، هو الذى خبّره بأن حفيده سوف يكون له شأن، وبناء عليه نصحه أن يصهر إلى بنى زهرة. وهذا غير ما قاله القمنى أو من أَوْحَوْا إليه بوضع اسمه على الكتاب. على أننى لا أعطى مثل تلك الرواية أذنى أبدا ولو لثانية واحدة، إذ تقوم على أن هناك من البشر من يمكنه معرفة الغيب، وهذ مستحيل، فلا يعلم الغيب إلا الله، أما البشر جميعا فالغيب مستور عنهم تماما حتى لو كانوا رسلا وأنبياء. ومن المضحك أن يحرص الحبر على مصلحة رجل لا يعرفه ولا يهمه أمره ولم يقصده فى شىء فينصحه ويشدد النصح أن يتخذ زوجة من بنى زهرة. وهل كان عنده خريطة بقبائل العرب وأبنائها وبناتها يعرف منها مصير كل زواج يتم بين فلان وعلانة. ومن أين له بمثل تلك الخريطة يا ترى؟ ثم كيف يعرف ذلك الحبر الغيب، وقد كان يجهل مَنْ عبد المطلب، وإلى أية قبيلة ينتسب. ألم يسأله: من هو؟ ومن أية قبيلة؟

والقمنى حريص فى أى كتاب أو مقال يكتبه على الإساءة للرسول فى كل سانحة. ومما قصد به الإساءة له صلى الله عليه وسلم فى الكتاب الذى نحن بصدده اختياره من بين الروايات التى تقص خِطْبَته لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها الرواية التى تقول إن أبا خديجة قد سُقِىَ خمرا كى يغيب عن الوعى فيوافق على زواج محمد من ابنته حسبما يقول المبشرون الموتورون، ولولا ذلك ما وافق. أى أن الزواج تم بخديعة خبيثة لأن محمدا لم يكن أهلا لمصاهرة خويلد. وإلى القارئ عينة مما يقوله المبشرون وأتباعهم من السذج والدهماء فى هذا الموضوع، إذ وجدت فى أحد المواقع النصرانية المغربية كلمة بعنوان "خديجة تُسْكِر أباها ليزوجها من محمد!" كتب صاحبها ما يلى: "من المعلوم في حياة محمد أن أول زيجاته كانت من شريفة الحسب والنسب وأغنى أمراة في قريش، وهي خديجة بنت خويلد ابنة عم قس مكة ورقة بن نوفل! وكانت إحدى المشاكل المعيقة لهذا الزواج هو والد خديجة، الذي كان لا يريد محمدا زوجا لابنته رغم أنها تزوجت مرتين قبل محمد، الذي كان اسمه قُثَم. ربما بسبب فارق السن الذي تفوق به خديجة على محمد أو لأنه رأى "طمعا" من محمد في أموال خديجة، وهو الشاب العامل اليتيم راعي الغنم و المشكوك في قواه العقلية! وما كان لهذا الزواج أن يتم دون "كيد" النسوان! فدبرت خديجة الحيلة والمكيدة وقررت أن تضع أباها أمام الأمر الواقع فلجأت الى خدعة!". هذا، وقد صححتُ الأخطاء اللغوية والإملائية الكثيرة فى النص.

قال القمنى مزوّر الشهادات العلمية: "وعندما تزوج المصطفى صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها أكثر الناس من الكلام في هذه الزيجة. وهنا يروي لنا ابن كثير أن "عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عيه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها. إني كنت له تِرْبًا، وكنت له إِلْفًا وخِدْنًا، وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، حتى إذا كنا بالـحَزَوَّرة أَجَزْنا على أخت خديجة، وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أمَا بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لَعَمْرِي. فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: اغْدُوَا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حُلّة، وصُفِّرَتْ لحيته، أي صبغت بالحنّاء، وكلمت أخاها، فكلم أباه وقد سُقِيَ خمرا، فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه، وسأله أن يزوجه، فزوجه خديجة، وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه. ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال: ما هذه الحلة؟ وما هذه الصفرة وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمار بن ياسر: هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله خَتَنُك، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوّجته خديجة. فأنكر أن يكون زوَّجَه، وخرج يصبح حتى جاء الحِجْر. وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه، فقال: أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما نظر إليه قال: إن كنت زوجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. أما عمه أبو طالب فألقى في العرس خطبة منها قوله: فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا ينكر العرب فضلكم. ورغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم. وأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وفرح أبو طالب فرحا شديدا".

هذا ما كتبه القمنى أو من يتستر وراء اسم القمنى، أما ما كتبه ابن كثير فى "البداية والنهاية" فهذا هو: "قال ابن هشام: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم منهم أبو عمرو المدني. وقال يعقوب بن سفيان: كتبت عن إبراهيم بن المنذر: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوَّج خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمره خمسا وعشرين سنة، وقريش تبني الكعبة. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم: أنه كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين، وقيل: خمسا وعشرين سنة... وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس أن أبا خديجة زوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو، أظنه قال، سكران. ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، حدثني عبد الله بن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه، عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه أن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إني كنت له تربا، وكنت له إِلْفًا وخِدْنًا. وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، حتى إذا كنا بالحزوَّرة أجزنا على أخت خديجة، وهي جالسة على أُدُمٍ تبيعها، فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أمَا بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بَلَى لَعَمْرِي. فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: اُغْدُوَا علينا إذا أصبحنا،. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا أبا خديجة حلة وصفرت لحيته، وكلمت أخاها، فكلم أباه، وقد سُقِيَ خمرا، فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه، وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة، وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه. ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال: ما هذه الحلة؟ وما هذه الصفرة وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا: هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة. فأنكر أن يكون زوَّجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر. وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤه فكلموه. فقال: أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليه قال: إن كنتُ زوَّجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوّجته. وقد ذكر الزهري في سيره أن أباها زوجها منه وهو سكران، وذكر نحو ما تقدم. حكاه السهيلي. قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه، وهذا هو الذي رجحه السهيلي، وحكاه عن ابن عباس وعائشة. قالت: وكان خويلد مات قبل الفِجَار، وهو الذي نازع تُبَّعًا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش. ثم رأى تبع في منامه ما روَّعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه. وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعلم".

وواضح من الرواية التى أوردها القمنى، وهناك روايات أكثر منها شهرة وذيوعا وأقرب إلى المنطق، أنها رواية لا تقنع العقل. ذلك أنه لا يعقل أن يكون والد خديجة رجلا هزؤا بهذا الشكل الذى تصوره الحكاية، فيجرى فى الشوارع ويصيح وكأنه رجل لا حول له ولا قوة وأن عصابة من المجرمين قد اختطفوا ابنته الصغيرة منه وهربوا، فهو يريد من الناس أن يسرعوا وراءهم ويقبضوا عليهم ويستعيدوا له الابنة المختطفة. وتزداد عبثية الحكاية حين نرى خويلدا بعد كل تلك الضجة التى فضح فيها الدنيا يتراجع عما صنع ويقبل محمدا فى الحال. الحق أن هذا لبسلوك المخابيل أشبه، وما كان خويلد الأسدى الذى وقف لتُبَّع تلك الوقفة الرجولية يوما من المخبولين. ثم هل يمكن أن نقبل مثل تلك الرواية التى تريد أن تقول إن محمدا لم يكن أهلا لخديجة ونحن نسمع أبا طالب يذهب فى الفخر بعشيرته وبابن أخيه المذاهب فلا ينكر عليه أحد من أهل الخطيبة شيئا مما قال؟ بل هل من الممكن، لو كان الأمر على ما تقول الرواية، أن يخطر فى بال أبى طالب أن يفتخر بعشيرته وابن أخيه فى خطبة النكاح على هذا النحو؟

أقول هذا مع علمى أنه حتى لو حدث هذا فلن ينال من محمد بشىء. لماذا؟ إن تقديم الخمر لخويلد، لو كان قد وقع وافترضنا أنه تم من أجل تغيبب عقل خويلد، لهو مع إيعاز خديجة لأختها أن تعرض على محمد الزواج منها دليل على أن خديجة كانت واقعة فى هوى محمد وتريد أن تتزوجه، ولسوف تتزوجه حتى لو عارضها سكان الأرض جميعا. ومعنى ذلك أن محمدا مطلوب، ومطلوب بقوة لا يقف فى طريقها شىء أو شخص. وهذا مما يشرّف أى رجل. وعلى كل حال فإن محمدا لا علاقة له بإسكار الرجل ولا علم. ولقد كان شرب الخمر من المفاخر فى عرف الجاهليين، وكان العرب آنذاك يرون فيها باعثا قويا على الكرم والأريحية. فلو كان خويلد قد شرب فى تلك الليلة ما نال هذا محمدا ولا خويلدا بأى سوء. ولو افترضنا أن أبناء الرجل قد أسكروه إسكارا على غير علم منه ولا هوى، ولم يقدموا له الخمر فقط على عادتهم فى مثل تلك المناسبات وسكر هو لإفراطه فى الشراب على غير احتراس، وهو ما يُفْهَم من الحكاية لا ما يروجه المبشرون السفهاء ويتابعهم عليه بعض من المنتسبين إلى الإسلام، أفيعقل أن يكون هذا هو رد فعله عند اكتشافه الخدعة؟ ما كان أسهل عليه أن يرفض إتمام الزواج لو أراد دون أن يجرى فى الطرقات كالمجانين. والحمد لله أن راوى القصة لم يقل إن صبيان مكة قد هُرِعُوا وراءه يزفونه بعبارات السخرية ويرمونه بالحجارة كشأنهم مع المجانين الذين يَعْدُون فى الطرقات وهم يصيحون! ثم لقد كانت خديجة تاجرة شديدة الثراء مستقلة بنفسها وبشؤونها، وكانت تمارس أمور مالها وتجارتها وتستأجر محمدا وغيره مباشرة دون أن تستعين بأحد من أهلها لمفاوضتهم على العمل عندها. وهى، حين فكرت فى الزواج بمحمد، قد تولت بنفسها ترتيب ذلك. فلماذا كان عليها أن تخشى اعتراض والدها فتستعين بأخيها على ذلك النحو الهزلى لإقناعه بالموافقة على زواجها من محمد؟ وفوق ذلك أين كان أبوها من قبل فلم نسمع به قط فى أى شأن من شؤون أمورها مع محمد، الذى كان يشتغل لها بالتجارة؟ وهذا كله لو لم يكن قد مات قبل هذا كما تقول الروايات الأخرى، وهى الروايات التى يقبلها العقل ويراها أحرى بالتصديق من الرواية المضحكة التى نناقشها الآن.

وقد تناول ماكسيم رودنسون هذه القضية قائلا: ثمة رواية تقول إن خديجة قد سقت أباها خمرا كى يمر الزواج دون اعتراض، إلا أن أغلب الروايات تتفق على أن الوالد كان قد مات قبل ذلك بزمن طويل وأن عمها هو الذى كان يمثل الأسرة فى هذه المناسبة. وهذا نص ما قاله طبقا لما جاء فى الترجمة الإنجليزية لكتابه عن رسول الله بقلم آن كارتر (Pelican Books, 1971, P.50): "Some accounts added that this was not easy and that Khadija had to get her father drunk in order to obtain his consent; but most traditions say that by this time her father was long dead and it was her uncle who represented her family in the marriage". وبالمثل ذكرت د. سلوى بالحاج صالح- العايب فى كتابها: "دثرينى يا خديجة- دراسة تحليلية لشخصية خديجة بنت خويلد" (دار الطليعة/ بيروت/ 1999م/ 63) أن "أغلب الروايات تشير إلى كونها (أى خديجة) أحضرت عمها عمرو بن أسد". والمهم بعد هذا كله أن محمدا وخديجة كانا أسعد زوجين بما كان بينهما من حب واحترام متبادل أيها المزور المدلس ذا اللسان السفيه والبذاءات المنحطة التى تصيب جسمك بالـحُكَاك وتظل تهرشك وتعذبك ولا تدعك تهدأ أبدا.

وأيا ما يكن الأمر فقد ساق ابن كثير عددا من الروايات، ووقف ضد هذه الرواية بالذات التى لم يجد القمنى فيما كتبه ذلك العالم الجليل إلا إياها فأوردها على أنها هى رأيه وأنه لا يوجد روايات أخرى عنده سواها، وهذا تدليس. ومن المضحك، وكل ما يقوله القمنى مضحك، أنه كلما انتقد أحدهم ما يكتبه تحجج بأنه ليس إلا ناقلا لما فى كتب التراث. ومن ذلك أن الصحفى حسن عبد الله قد سأله فى حوار "النيوزويك" العربية الذى سبق أن أشرنا إليه قائلا: "لو قلت لك إنني قرأت عددا من كتبك، ومنها "الحزب الهاشمي" و"حروب دولة الرسول"، وأعتقد بأنها تحول الاسلام كله إلى مجرد لعبة أو حركة سياسية لا مكان فيها لوحي أو نبوة، فما ردك؟"، فكان جوابه ما يلى، ولاحظ عامية الذوق فى رده: "ياعمي، انا ماحولتش حاجة. قل هذا للمصادر التي أخذت منها في كتبي. أنا لم أقل شيئا من عندي. وإذا كانوا يريدون أن يلوموا أحدا فليلوموا الكتّاب والمؤرخين المسلمين الكبار مثل ابن كثير والنسفي وغيرهما، أو يقوموا بحذف هذه النصوص من الكتب كيلا نقتبسها ونضعها بين علامات تنصيص ونقول ابن كثير: قال كذا. لماذا يتشطرون علينا ياعمي؟ فالقاعدة الاسلامية تقول إن ناقل الكفر ليس بكافر، وأنا ناقل من كتب التراث الاسلامي وكتب الأمهات". فعاد الصحفى يكشف ألاعيبه قائلا: "أتحدث عن عملية الانتقاء وفصل النصوص عن سياقها العام"، فكان أن عاجله مقاطعا: "هذه تهمة في الامانة العلمية. أنا لا أنتقي تماما بل أحشد لكل جملة أكثر من ثلاثة مصادر تتفق عليها. والفهم والاستنباط يختلف من شخص إلى آخر. ارجع الى أمهات الكتب التراثية، وسترى ماذا تقول".

وهو رد أشبه بكلام المصاطب، وليس ميدانه المناقشات العلمية، إذ إن كثيرا من كتب التراث تسوق الروايات المختلفة لا رواية واحدة حتى لو كان صاحب الكتاب لا يؤمن من تلك الروايات إلا بشىء واحد. هذه طريقة الكثير من علمائنا القدامى، ومنهم ابن كثير، ومن ثم لا يصح علميا التحجج بما تحجج به القمنى. وفى موضوعنا هذا كان عليه أن يسوق جميع الروايات التى ساقها القمنى كما صنعت أنا ثم يختار منها ما يراه مقنعا، أو على الأقل: ما يراه أكثر إقناعا من سواه، ويقدم الحيثيات التى استند إليها فى هذا الإيثار. أليس هذا هو المنهج العلمى الذى يعرفه العلماء جميعا؟ أما أن يخدع القراء ويوهمهم أن الرواية التى أوردها إنما هى الرواية الوحيدة عند ابن كثير، فضلا عن أنها هى الرواية التى يتبناها هذا العالم الجليل، فهذا كذب وتدليس وخداع آثم. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد ورد فى كتاب ابن كثير، كما رأينا، أن خديجة حين تزوجها النبى كانت بنت خمس وثلاثين أو خمس وعشرين سنة، فلماذا أهمل القمنى هذه المعلومة التى لم يشكك فيها ابن كثير كما شكك فى حكاية سُكْر خويلد الأسدى، وبخاصة أن عالمنا الكبير لم يورد إطلاقا شيئا من الرواية التى تقول بأن عمر عميدة أمهات المؤمنين كان فى ذلك الوقت أربعين عاما؟ ألا يرى القارئ أن القمنى يداور ويناور طوال الوقت، وإن كانت مداوراته ومناوراته عبثية لا تؤدى إلى طائل؟

وما دمنا قد فتحنا هذا الموضوع فقد قرأت لماكسيم رودنسون رأيا وجيها مُفَاده أنه من المشكوك فيه أن يكون عمر خديجة عند زواجها من محمد قد بلغ الأربعين، وإلا كان معنى هذا أنها ظلت تنجب أطفالا حتى بعد تجاوزها الخمسين، وهو ما لا يمكن أن يكون، إذ من المعروف أنها أنجبت للرسول ستة أطفال على الأقل. يقول رودنسون فى دراسة له بعنوان "Mahomet"، وهى دراسة أوجز من كتابه الذى يحمل نفس العنوان:

"on dit qu/elle avait alors 40 ans, en 595 – mais, comme elle lui donna au moins six enfants, il est permis de douter de ce chiffre".

وعلى نفس الشاكلة يرتاب ديفيد صمويل مرجليوث المستشرق البريطانى فى كتابه: "Mohammed and the Rise of Islam" أن تكون خديجة تكبر الرسول بخمسة عشر عاما كما تقول كتب السيرة بوجه عام، مقررا أنها لا يمكن أن تكبره إلا ببضع سنوات فقط:

"She was some years older than Mohammed, but assuredly not forty, as Mohammed/s biographers assert" (J. P. Putnam/s sons, New York & London , 1905, P. 67).

أما موريس جودفروا ديمومبين المستشرق الفرنسى فإنه، فى كتابه: "Mahomet"، يسخر من الرواية التى تتحدث عن إسكار خويلد، واصفا إياها بأنها حكاية فلكلورية، مضيفا أن خويلدا كان قد مات قبل ذلك، وأن خديجة كانت فى ذلك الوقت سيدة أمرها (Albin Michel, Paris, P. 68):

"Khadîdja a une quarantaine d/années, un grand âge, pour une Mekkoise… Khuwaïlid refuse son consentement au mariage de sa fille avec un homme pauvre et on en est réduit à l/enivrer pour qu/il le donne; belle histoire, mais thème de folklore, et intervention inutile, car il semble que Khuwaïlid était mort à l/époque du mariage de Khadîdja et que celle-ci, qui avait été mariée antérieurement, était libre de sa personne ."

وبعد، فهذا كتاب "الحزب الهاشمى" كما هو فى حقيقته دون جعجعات أو تحشيشات. إنه كتاب سخيف تافه لا وشيجة بينه وبين أوليات البحث العلمى. وفوق هذا فهو قائم على التدليس "عينى عينك" دون حياء أو تردد كما هو الحال مع اللصوص المحترفين الذين يسرقون الكحل من العين دون أن يطرف لهم جفن ودون أن يبالوا بنظرات الناس المصوبة إليهم وهم يسرقون. ولقد رأينا كيف أن الكِتَاب هو هو ذاته كتاب خليل عبد الكريم، مما يدفعنا دفعا إلى ترجيح أن تكون هناك يد خفية تضع الكلام فى فم الاثنين آمرة إياهما أمرا واجب التنفيذ أن ينطقا به على أنه كلامهما هما حتى يكون القضاء على الإسلام بيد واحد ممن ينتسبون إليه لا بيد شخص غريب، تحقيقا لنصيحة ذلك المبشر الخبيث القائلة بأن الشجرة إنما ينبغى قطعها بفأس مصنوعة من أحد غصونها. وهو ما تنبه إليه د. عبد الرحمن بدوى، الذى روى بعض الصحفيين المصريين عنه أنه قرأ مقالا في صحيفة "اللوموند" الفرنسية عن الصنيعة الغربية سلمان رشدي فانفجر يسبه ويقول: هذا الفاجر الذي جنده الغرب للطعن في الإسلام حتى يقال: "وشهد شاهد من أهلها"، مضيفا أن سلمان رشدي ليس مسلما، ولم يكن يوما مسلما، بل التقط السم المدسوس له في الغرب. وإنى لأرجح ما قلته عن القمنى ترجيحا لأن ما يصدر عن القمنى فى مقابلاته التلفازية من ألفاظ وتصرفات وتطاولات على الضيوف والمذيعين، كل ذلك لا يوحى أبدا أننا بإزاء شخص يمت للفكر بأية صلة. وليس هذا هو رأيى وحدى، بل رأى كل المعلقين تقريبا الذين سجلوا حكمهم عليه فى المواقع المشباكية والمداخلات المرنائية المختلفة. ويزيد الطين بلة أن القمنى يتصور أنه يمكن أن يلبِّسنا العمة فنظن، ولو للحظة، أنه يقرأ باللغات الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والألمانية، إذ يشير دائما إلى كتب مؤلفة بتلك اللغات بوصفها مراجع قد قرأها، مع أنه لا يحسن حتى الإنجليزية، تلك اللغة التى أضحى يدرسها الآن تلاميذ المرحلة الابتدائية أنفسهم.

* * *

حاشية أولى: أود أن أورد هنا رأى سيد المزورين والمدلسين فى وفاء سلطان المرأة المسترجلة التى تتكلم فتذكّرك، حين تنطق بصوتها القبيح الغليظ الخشن بما حفّظوه لها تحفيظا، بالجَمَل الذى يضرب بالقُلَّة، والتى تشتم دائما الله والرسول والقرآن والإسلام، وتقول إنه دين الإرهاب والعدوان والتخلف والرجعية والكراهية والقتل والدموية، وتلعن سنسفيل المسلمين: القدامى والمعاصرين والذين لم يُخْلَقوا بعد، مؤكدة أنهم يستحقون ما ينزله بهم الغرب من دمار وتقتيل وتهجير وأكثر، وأنهم لا ينتمون إلى العالم المتحضر، فهم أمة بدائية تجرى على سنة رسولها الذى كان يمارس القتل والنهب والاغتصاب وكل الموبقات، وتاريخهم ينحصر فى الغزو والغنائم وما طاب من النساء والنكاح وتقطيع الأيدي والأرجل وشرب بول الإبل، وإلههم يثرثر فى القرآن.

وهذا نص ما قاله القمنى فى تلك المرأة الذَّكَر، وقد ورد فى سياق رده على انتقاد نادر قريط المدوّن العراقى لها لطول لسانها وسفاهتها وقلة أدبها وتعصبها البغيض المريض ضد الإسلام والمسلمين لا لأن قريط ذو اتجاه إسلامى، فهو ليبرالى أيضا، بل لأن كلامها فى هذا الصدد قد تجاوز الحدود، فضلا عن أن المسلمين ليسوا وحدهم المعيبين، كما أنهم ليسوا كلهم عيوبا. ويجد القارئ كلام قريط فى موقعه المسمى: "كتابات نادر قريط". قال القمنى: "أعترف أن هذه السيدة ترهبنى شجاعتها ويبهرنى منطقها، وتلسعنى لسعا سرعة بديهتها وحضورها. وهى، اختلفنا معها فى الوسائل أم اتفقنا، السيدة الأولى لـ"بَنِى لِيبْرَال". هذا رغم علمى اليقينى أنه فى البيت العلمانى سيدات يبرزنها (الصواب: "يبززنها"، ودعنا من الأخطاء الإملائية الشنيعة، وهى سمة قمناوية بامتياز) علما ومعرفة بالتراث الإسلامى وتمكنا منة. لكن لهذه السيدة طريقتها، وهى التى تضيف إلى رصيدها نقاط تعلو بها الدرجات. فهى تؤدى دورا نعجز عنه جميعا ربما خوفا من المجتمع (مثلى)، أو ترفعا وتكبرا على تلك السجالات (مثل أخى قريط). وفى رأيى أنها كلها طرق محترمة ما دامت تقوم على عمد من معرفة سليمة ومنطق محجوج، وتهدف إلى مبادئ وقيم المجتمع المدنى الحر فى النهاية".

وموقفه من تلك المرأة ورأيه فيها ينسجمان تمام الانسجام مع ما يقوله عن الحضارة الإسلامية، التى لا يعترف لها بشىء البتة، بل ينسب إليها كل الموبقات ولا يرى فيها شيئا طيبا بالمرة، مؤكدا أن كل ما فيها سواد فى سواد وتخلف ما بعده تخلف، وإرهاب وقتل ودمار وتجريف لكل شىء جميل وجهل وقبح وتسلط واستعباد وسرقة واغتصاب وتداوٍ ببول الإبل، ساخرا من كل شىء يتعلق بتلك الحضارة، ناسبا كل فضل إلى اليونان قديما، والغرب الأوربى حديثا، ومكررا ما تقوله المرأة الذَّكَر من أنه لا أمل للمسلمين إلا بالالتحاق بالغرب ونبذ ما عندهم كله، وهو ما كان طه حسين قد دعا إليه قديما، فهى عصبة بعضها من بعض. وقد مدح القمنى المرأة الذَّكَر، كما رأينا، بأنها شجاعة تقول ما لا يستطيع هو وغيره أن يقولوه. أنعم وأكرم!

* * *

حاشية ثانية- من كتابات سيد القمنى:

* الدولة عبر تاريخها القديم الابتدائي الأول كانت دولة دينية فعلا، لأن ذلك كان يناسب ظرفها الابتدائي الأول، لأنها كانت وثنية، والوثنية كانت تعني توافق المجتمع على آلهة بعينها تتفق مع بيئاتهم وظروفهم، فتجد مصر مثلا تقدس سوبك التمساح لوجوده في نيلهم بوفرة، بينما بدوالجزيرة يقدسون الخروف، ومصر تقدس من ظواهر الطبيعة أعظمها الشمس لدورها الهام في نضوج المحصول ودورتها الفصلية في البذار والحصاد، بينما بدو الجزيرة كانوا يقدسون القمر لدوره في إضاءة ليل الصحراء المقفر الموحش، كانت الأمم تصنع أربابها بنفسها لنفسها بما يوافق جغرافيتها ومصالحها وطريقة تفكيرها ومتطلبات عيشها، كذلك لم يحدث أن وقع صراع اجتماعي في المجتمعات الوثنية بسبب الدين، لأن الدين كان من إبداعهم على التوافق بينهم، أما الأديان الكبرى كاليهودية والمسيحية والإسلام المنسوبة إلى رب كوني فإنها ذات طابع صراعى لأنها لا تجيز اعتراف بعضها ببعض، فلا يمكن وصف الدولة ذات الأديان الكبرى المتعددة بأحد هذة الأديان وإلا وقع الصراع بين اطراف هذا المجتمع، صراعا لا زال يطل برأسه كل يوم حتى اليوم في بلادنا. لأن تلك الأديان لم يتم التوافق الإجتماعي والتواضع الشعبي عليها، وليست بنت بيئته الوطن التى يتشارك فيها جميع المواطنبن، إنما هي جاءت جميعا من خارج الحدود وتم فرضها فرضا على مختلف الأمم المفتوحة.

* دولنا القومية الوطنية عادت إلى ما كانت عليه قبل الاحتلال العربي، لأنها كانت أسبق في الوجود من هذا الاحتلال بألوف السنين وكانت أعلى تحضرا و أعمق قيمة، وأن جمعها تحت ظل الخلافة كان مآساة تاريخية لشعوب متحضرة عظيمة، كان كارثة إنسانية انتكست بالحضارة فى البلاد المفتوحة إلى البداوة، كارثة صحبها تطهير عرقي و دينى و جرائم في حق الإنسانية، ستظل لطحة عار فى الجبين الإنسانى حتى يعترف عرب الجزيرة و يعتذروا اعتذارا تاريخيا يسمعة العالم كلة، بعد أن آلت معهم مصرنا وكل أمصار حضارات حوض المتوسط الشرقى إلى ما هي عليه الآن، وبين تلك الحضارات القديمة وبين وضعها الآن … شتان!

* الإسلام بحالته الراهنة، وبما يحمله من قواعد فقهية بل واعتقادية، هو عامل تخلف عظيم، بل إنه القاطرة التى تحملنا إلى الخروج ليس من التاريخ فقط، بل ربما من الوجود ذاته.

* الشريعة تفرق طبقيا وطائفيا وعنصريا ومن قال غير ذلك إما جاهل جهلا مركبا وأما هو كذاب أشر نحلم بالماضى السعيد عندما كنا سادة الأمم نفتح ونغزو ونسبى وننهب ونستعبد الآخرين فى زماننا الذهبى، فهل كان زماننا ذاك ذهبيا حقا؟ كل زمن وله ممارساته، فكان الرقص وسكب بعض الماء على الأرض فى زمن السحر تحفيزا للطبيعة لتجود بمطرها على أساس أن الشبيه ينتج الشبيه.

* كانت صلاة الاستسقاء فى زمن الدين كممارسة شبه سحرية لكنها ارتقت من طلب الأرواح إلى طلب إله واحد، وقد تجاوز العالم المرحلتين. المبدأ الإسلامى الجهادى يقوم على تبرير العدوان الغازى لاحتلال البلاد المحيطة بالجزيرة بأنه أمر إلهى وليس بشريا لا يملك المسلم معه إلا الطاعة والامتثال للقرار الإلهى، فتصبح جريمة العدوان على الآمنين ليست بجريمة لأن من أمر بها هو الله. ويكون المدافع عن عرضه ووطنه وممتلكاته هو المجرم، لأنه يقف فى طريق نشر دعوة السماء. لذلك كان العدوان على غير المسلمين وحتى اليوم من وجهة النظر الإسلامية هو شرع مشروع. ونموذجا لذلك سفاح تاريخى لا مثيل له هو خالد بن الوليد الفاتح الدموى لبلاد العراق؛ الذى كان يتسلى ويتلذذ بلذة القتل للقتل. أعلى درجات التعبد هى الجهاد لاحتلال بلاد الآخرين،ونزح خيراتها إلى بلاد المسلمين.

* ردد الصحابة الأوائل الفاتحون شعارات جميلة من قبيل أن الناس يتساوون كأسنان المشط، وأنه لا فضل لعربى على أعجمى، ولم يطبق أى من هذه الشعارات فى حروب الفتوح بل الذبح والسلخ والنهب والأسر والسبى. باختصار الإسلام أو الجزية أو القتل. نعم لدرس تاريخ الإسلام، ليس بقصد الفخر برجال ليسوا منا بل كانوا لبلادنا فاتحين، ولعرضنا منتهكين ولأموالنا ناهبين ولأوطاننا محتلين.

* كان مفهوما أن يصاحب شعار الجهاد المسلمين الأوائل طوال عصر الفتوحات، وكان مفهوما وإن لم يكن مقبولا قيام الفقه الإسلامي بتنظيم قواعد الجهاد وتقنينها من حيث نسب توزيع الغنائم والفيء والمملتكات الخاصة بالمهزوم المفتوح، مع وضع قواعد لتنظيم الجباية وطرقها من زكاة إلى جزية إلى فدية لتوضع في بيت المال تحت سلطة الخليفة الذي يقوم بالتوزيع طبقا للشريعة على العرب وحدهم، لأن أبناء الأمم المغلوبة كانوا هم الغنيمة بشرا ومالا ومتاعا، كانوا هم من يدفعون. لذلك كان العدوان علي غير المسلمين وحتي اليوم من وجهة النظر الاسلامية هو شرع مشروع، وهو الخير نفسه، بل انه أفضل عبادة يتقرب بها المسلم الى ربه، لانها تصل الي قتل المسلم نفسه في حروب ذلك الزمان بالسلاح الابيض، الذي كان لابد فيه من افتراض موت المحارب، وفي حال موته فان موته يسمي استشهادا في سبيل الله يدخل بموجبه جنات الله السماوية عريسا تزفه الملائكة للحور العين.

* واقع الاسلام الاول الذي يريدون استعادته، لا يعرف شيئا عن المساواة ولا الحريات ولا حقوق الانسان فكلها مفاهيم معاصرة بنت زماننا اليوم. ناهيك عن كون تطبيقات المسلمين الاوائل لم تعرف لا المساواة ولا الحرية ولا الحقوق، حتي بمفاهيم زمانها و ماقبل زمانها كما في دساتير روما أو كمافى ديمقراطية أثينا مثلا.

* لقد كان النظام الإسلامي السياسي "الخلافة" حكما عربيا قرشيا أضفى عليه رجال الدين في حلفهم مع الخلفاء الصفة الدينية للاحتماء بمظلة الشرعية الدينية للدفاع عن نظام سياسي بشري لا علاقة له بما يريد الله ولا بالشريعة وأن الدولة الإسلامية عبر تاريخ الخلافة لم تعرف تطبيق الشريعة إلا بما يخدم السلطان وسيطرة رجال الدين.

* نعود للخلفاء الراشدين قدوة المسلمين والذين تحولت فعالهم في المذهب السني إلى سـُنة كسنة الرسول مكملة له بالضرورة، بحسبانها النموذج الذي يدعو له المتأسلمون على كافة ضروبهم لنجد الواقع ينطق بغير أقوالنا المأثورة، فالخليفة الذي قبل من الإعرابي قوله: أن يقومه بسيفه، هو من قوّم الجزيرة كلها بسيفه، فقتل أهلها شر قتلة، قتل من اعترضوا على خلافته وشكوا في شرعية حكمه وصحة بيعته، وقتل من قرر ترك الإسلام إلى دين قومه، فأمر برمي الجميع من شواهق الجبال وتنكيسهم في الآبار وحرقهم بالنار، وأخذ الأطفال والنساء والثروات غنيمة للمسلمين المحالفين لحكم أبي بكر، وهو ما دونته كتب السير والأخبار الإسلامية على اتفاق والخليفة الثاني العادل، هو من استعبد شعوبا بكاملها ومات مقتولا بيد واحد ممن تعرضوا للقهر والإستعباد في خلافته، أما الخليفة الثالث فكان واضحا من البداية في التمييز وعدم العدل خاصة في العطاء فكان أن قتله أقاربه وصحابته الذين هم صحابة النبي قتلا أقرب إلى المثلة، فكسروا أضلاعه بعد موته عندما نزوا عليه بأقدامهم، ورفض المسلمون دفنه في مقابرهم فدفن في حش كوكب مدفن اليهود.

* في دولة الراشدين كان الحكم يقوم كما قال أبو بكر على الكتاب والسـُنة، رغم أن الكتاب كان مفرقا بين الصحابة في الأكتاف والعظم والعسيب ولم يتم جمعه بعد في مصحف واحد، ورغم أن الحديث لم يكن بدوره حتى مسموحا بتدوينه، وكانت نصوصه غير معلومة لجميع أفراد الأمة وكذلك القرآن، فكيف كان يتم حكم تلك الدولة بالكتاب والسنة وهما غير مدونين وغير معلومين من الأمة محل تطبيق هذه القوانين؟ ناهيك عن واضعي الأحاديث المحترفين وأصحاب الفتاوى وكلها كانت تصب لصالح حلف الفقيه والسلطان. والملحوظ أن المواطن لم يطالب بحقوقه من حرية ومساواة وعدل وأمن بقانون وآليات لتنفيذه وحمايته، ولم تسع الدولة من جانبها لتوضيح تلك الحقوق له كما فعل الرومان. لأن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم أمر لا تعرفه الشريعة الإسلامية، إنما تعرف المراتب والمنازل حفظا لقيم المجتمع، ففيها السيد العربي وفيها المسلم المولي، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما، وفيها السيد المسلم وفيها الذمي، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما، وفيها السيد الرجل وتابعته محل متعته المرأة، ولا يجوز شرعا المساواة بينهما، وفيها السيد والعبد والسيد والأمة ولا يجوز شرعا المساواة بينهما، ولكل من أطراف هذه المعادلة حقوق غير الآخر وواجبات غير الآخر، بل أن السيد دوما كان هو صاحب الحقوق وغيره لا حقوق له. إن دولة الشريعة لا تساوي أبدا بين المواطنين ومن يقول بغير ذلك فقد أنكر معلوما من الدين بالضرورة... ها قد جاء الزمان وتقلبت بالإخوان انتهازيتهم لنقول لهم ما كانوا يقولونه لنا. بل أن المسلم العادي الحر في دولة الشريعة ليس له أيه حقوق إزاء السادة، هي دولة من له كل الحقوق وليس عليه أي واجبات، ومن عليه كل الواجبات وليس له أي حقوق، لأنها دولة جباية ريعية، وهذا هو طبعها التاريخي في كل دول العالم القديم.

* كانت دولة المدينة اتحادا فيدرالي للقبائل حرفتها جميعا الكر والفر ومهاجمة القوافل والدول الغنية المجاورة بالفتوحات. ولغياب آليات الدولة لإدارة هذه الرقعة الشاسعة تفككت الدولة وانتهت بمقتل جميع من حكمها. وكذلك من المعلوم أن نظام العبودية قد لازم الدولة العربية الاسلامية منذ ظهورها، فقوانين الجهاد الاسلامية نشطت عمليات الاستعباد، وأمدت أسواق الرقيق بالبضاعة طوال الوقت بتحويل أبناء الشعوب الحرة المفتوحة الي سلع بعد أن أباحت لهم قواعد الجهاد الشرعية استباحة شعوب بكاملها والاستيلاء علي الارض بمن عليها ملكا للعرب وورثتهم وقفا عليهم وعلي نسلهم من بعدهم حسبما انتهي اليه الخليفة عمر بن الخطاب بدلا من توزيع الاراضي بما عليها من بشر علي الفاتحين وتمزيقها فوقفها بمن عليها لصالح عرب الحجاز.

* * *

حاشية ثالثة: لفت أحد الأصدقاء انتباهى إلى مقال كتبه أسامة غريب فى "المصرى اليوم" بتاريخ 6/ 8/ 2009م بعنوان "الدكتور سيد القمنى والدكتور عصام شمورت"، فقرأته فلم أتمالك نفسى من عقد العزيمة على نشره هنا حتى يضحك القراء كما ضحكت فى هذه الأيام الغبراء التى أصبح الضحك فيها أندر من الكبريت الأحمر. وهذا هو المقال: "أثارت جائزة الدولة التقديرية التى منحتها وزارة الثقافة للأستاذ سيد القمنى لغطا كثيرا بين أوساط المثقفين وغيرهم فى المجتمع المصرى. فمن قائل إن القمنى هو إله التنوير عند المصريين الجالسين فى قهوة البستان وبين قائل إنه يستحق الرجم فى مِنًى والمزدلفة.

والحقيقة أن سيد القمنى هو حالة بذاتها تستحق التفكير والتأمل. والحقيقة أيضا أننى لست ذلك الشخص الذى يفكر فى سيد القمنى أو يتأمل فى سيرته، لكن هناك شخصا آخر هو الذى لا يكف عن تدوير أسطوانة القمنى كلما قابلته. ذلك الشخص هو طيب الذكر الدكتور عصام شمورت بياع البرشام وصاحب كشك السجاير المجاور لقهوة كوكو بالهضبة الوسطى.

ولعصام شمورت دقات جدعنة حفرت اسمه وسط مشجعى أبو صليبة (اسم صنف من المخدرات) بحروف من نور، منها أنه أول تاجر برشام (مخدر) يطهّر ماله ويزكيه بإذابة عشرين قرصا كل طلعة شمس فى الزير الذى يضعه سبيلا بجوار الكشك ويتركه للعابرين يروون ظمأهم منه، الأمر الذى جعل شعبيته ترتفع فى أوساط السواقين الذين كسروا الزير أكثر من مرة أثناء تدافعهم للشرب منه.

ولا يستغربن أحد من أن يسبق اسم شمورت اللومانجى لقب دكتور، ذلك أنه حاز اللقب عن استحقاق ومن حر ماله ولم يتكرم به أحد عليه. ولئن كان سيد القمنى قد حصل على الدكتوراه بمائتى دولار من جامعة كاليفورنيا الجنوبية، فإن الدكتور عصام شمورت قد حصل عليها من جامعة جنوب مقديشيو مقابل حلة محشى كاملة حصل عليها القراصنة الصوماليون الذين منحوه الدكتوراه!

والحكاية أن شمورت كان ذات يوم على مركب تهريب يتسلم شحنة مخدرات من المياه الدولية عندما اعترضهم زورق مسلح عليه جنود صوماليون قاموا بسحب المركب وأخذوهم رهائن. والثابت أن شمورت ورفاقه لم ينتظروا أن يتدخل الدكتور نظيف ويفاوض الخاطفين أو أن يتدخل أهل الخير ويجمعوا مبلغ الفدية بعد صلاة الجمعة، وإنما قاموا بافتداء أنفسهم بحمولة الكيف التى تخلَّوْا عنها كاملة للقراصنة مقابل حريتهم، وعند الرحيل ترك عصام لهم حلة المحشى التى طبختها له أخته عواطف شمورت وزودته بها قبل السفر.

وإزاء حركة الكرم هذه لم يجد زعيم القراصنة سوى أن يكافئه بمنحه الدكتوراه من جامعة جنوب مقديشيو التى يَشْرُف شخصيا بعمادتها. ومن يومها وعصام شمورت يعلق الشهادة فى الصالون. لكن الذى كهرب دماغ الدكتور شمورت وجعل نافوخه يشتعل هو أنه سمع أن صاحب دكتوراه مثل التى معه قد فاز بأرفع جائزة مصرية فى العلوم الاجتماعية، ومعها مائتا ألف ذهوب صاحى.

كذلك عرف أن الجهة التى رشحته للجائزة هى كوفى شوب فى وسط البلد يقدم أحلى سحلب بالبندق، وهو ما أثار أطماع شمورت فى أن تقوم قهوة كوكو بترشيحه فى العام القادم للحصول على جائزة مماثلة، خاصة وقد أخبروه بأن السادة الذين يمنحون أصواتهم للمرشحين أغلبهم موظفون إداريون، وبعضهم لم يقرأ كتابا فى حياته. وحتى المثقفين منهم لا يطلعون على الإنتاج العلمى للمرشح. والأهم أن أفقهم رحب للغاية، ولذلك لا يعنيهم إذا كان حاصلا على شهادة مضروبة من عدمه، ولا يَرَوْن فى شراء الشهادات المزورة ما يجرح نزاهة المرشح!

كل هذا كوم، والفرحة الأكبر التى عاشها شمورت عندما عرف أن الرجل قد فاز بالجائزة لأنه تطاول على دين المسلمين وتهكم على رسولهم، كذلك تطاول على دين المسيحيين ووصف السيدة العذراء البتول بأوصاف مشينة! كانت فرحة شمورت طبيعية لأن سب الدين كان جزءا أساسيا من مفرداته فى التعبير والإقناع وتبادل الحوار ووجهات النظر مع أخته السيدة عواطف شمورت وزوجها قدّورة.

هذا، وقد أعرب عصام عن ضيقه من السادة الذين هاجموا الرجل ويريدون سحب الجائزة منه، ولم يكتفوا بذلك وإنما حصلوا على فتوى من دار الإفتاء تدين الرجل وتستنكر حصوله على الجائزة. وأدرك، بفطرته الملوثة، أنهم بالضرورة من أنصار الظلام أعداء الإضاءة والكهارب والزينات، ولكن أعجبه موقف بعض المفكرين الأقباط الذين يحبون القمنى ويحتفون به وبآرائه العلمية عن وحشية الإسلام وبربرية أصحابه.

أعجبه موقفهم عندما ووجهوا بأن القمنى كتب عن السيدة العذراء مريم الطاهرة البتول أنها منذورة للعهر المقدس، وأسعده أنهم ترفعوا عن الغوغائية واتخذوا موقفا استناريا كلوباتيا يحفظ للدولة المدنية كيانها وقالوا: لا نستطيع التعليق على هذا الكلام لأننا لم نقرأه!

ورفض عصام شمورت الكلام الفارغ القائل إنهم كانوا سيغفرون ليوسف زيدان رواية "عزازيل" التى أغضبتهم لو أنه كتب إلى جانبها بضعة أشياء لطيفة عن تزوير الإسلام ووحشية نبى الإسلام كما فعل القمنى.

والآن هل هناك من يساند الدكتور عصام شمورت فى سعيه المشروع لنيل جائزة الدولة التقديرية للعام القادم؟ وهل إذا تخلت عنه قهوة كوكو نتيجة حزازيات قديمة ولم تقم بترشيحه، هل يستطيع الاعتماد على كيانات ثقافية أخرى فى وسط البلد مثل قهوة ريش والجريون والنادى اليونانى وأستوريل وأفتر إيت؟".




التاريخ المجهول للإسلام المقاوم: الفلبين
تعلموا من بوغوتا
انتفاضة المعتقلين في السجون المصرية
القرضاوي.. ضمير أمّة وصوت عالم
كل فكر.. واجهه السيف !
العراق اليتيم !
خرافة الدولة العميقة
لغز العسكر وكيف حلَّه رسول الله
هل الانقلاب محنة أم منحة؟
وإذا الموْءودة سُئِلَتْ..!
انهيار فضائيات الفاسدين
رجال فى حياتى
الطائرات الاسرائيلية قصفت معملا لا أسلحه منقولة
مؤتمر لنصرة الأحواز في مصر
جيش العراق نصر ذهبي وأسطورة دفاعية
نعم للدستور .. لا للعولمه
الربيع الديمقراطي العربي بداية عصر النهضة
شركاء السفاح في جرائمه في سورية
ربيعنا والعين الأمريكية التي لاتنام؟
مقارنة بين عمرو بن العاص ونابليون بونابرت
المزيد

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان