د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

جدار الفصل العنصري
محمد يوسف عدس
12/4/2010


(1) "المرض الذي يهدد مستقبل الولايات المتحدة هو وجود سكان سود في أراضيها .. فالبيض والسود يعيشان في وطن واحد ولكن في مجتمعين منفصلين غريبين .. هذان الجنسان مرتبطان أحدهما بالآخر ولكن بدون إمتزاج .. ومن ثم فهما لا يستطيعان الانفصال كلّية ولا يستطيعان الاتحاد".
وردت هذه العبارات في كتاب بعنوان "الديمقراطية في أمريكا" لمؤلف فرنسي إسمه "أليكسيس دى توكفيل"؛ كان معجباً بالديمقراطية الأمريكية فرحل إلى أمريكا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر وعاش هناك يبحث تلك التركيبة الإنسانية الاجتماعية الفكرية التي أثمرت هذه الديمقراطية العظيمة، كان مدقّقاً ثاقب النظر ولكنه ألّف الكتاب بروح المحب العاشق، ومن هنا إكتسب أهمية تاريخية ومرجعية متصلة، فقد لاحظت كما لاحظ قبلي الصديق الدكتور جلال أمين الذي تفضل مشكوراً بإهدائي هذا الكتاب – أن الاستشهادات المرجعية والاقتباسات من كتاب "دى توكفيل" لا تزال يتردد صداها في الكتابات الأمريكية والإنجليزية المعاصرة.
وسوف نرى في هذه المقالة أن عبارات "دى توكفيل" التي صورت الحالة العنصرية في أمريكا منذ أكثر من قرن ونصف القرن تنطبق على الأوضاع العنصرية الجارية، والتي شهدت تفجّراً مثيراً في تسعينات القرن العشرين.
وقد تناولت أجهزة الإعلام الأحداث والصدامات الدموية التي جرت في لوس أنجلوس سنة 1992 وصّورت كاميرات التليفزيون كيف انهالت الشرطة البيضاء بالضرب على شاب أسود حتى كاد أن يفارق الحياة، وكان رد الفعل من جانب الأمريكيين السودعنيفاً، تجلّى فى المظاهرات الغاضبة التى اجتاحت أمريكا..
(2) لا بد أن نتوقّف عند هذه النقطة قليلا لنزيل إلتباسا طارئا قبل أن نمضى فى هذا المقال.. فقد يعترض معترضٌ زاعما بأن هذا الكلام قد مضى زمنه، و أن جدار الفصل العنصري قد سقط ، فقد انتخب الشعب الأمريكى مؤخّرا رئيسا أسود من أصل إفريقيّ.. هو باراك أوباما..! من هنا جاء الالتباس.. ولكن لى تعليق عليه..
أولا: دع عنك مسألة أن الشعب الأمريكيّ قد اختار.. وأن اختياره عن طريق الانتخابات الحرة.. فهذه حقيقة لا يجادل فيها إلا مكابر، فهم لا يزوّرون الانتخابات ولا يبدّلون صناديق الاقتراع بصناديق أخرى مزيفة كما نفعل.. ولكنهم يغسلون الأدمغة أوالعقول قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع بأساليب علمية بالغة الدقة بحيث ينتخب أكبر عدد من الناس من يقع عليه اختيارأصحاب السلطة الحقيقية فى أمريكا . أما من هم هؤلاء وماذا يفعلون وكيف ينجحون فى الوصول إلى أهدافهم..؟ فهذه قصة طويلة تناولتها فى العديد من المقالات.. إقرأ مثلا مقال: "الفاشية الناعمة".
ثانيا: كان اختيار أوباما الأسود لهدف مرحلى ومهمة مؤقته وقد انتهت مهمته وأصبح وجوده خاضعا للعدّ التنازلىّ، واقرأ فى ذلك مقال: "عصر الفقاعات الكبرى".
ثالثا: الذى يريد أن يتأكّد من حقيقة التلاعب بالعقول ومدى عمقها وأبعادها وتأثيرها فى الرأى العام الأمريكيّ، فليفحص محتوى الرسائل الإعلامية فى الحملة الدعائية لانتخابات التجديد النصفى لأعضاء الكونجرس هذا العام 2010، فسيجد أنها تركّز على أوباما شخصيا، والسخرية به فى كمّ هائل من رسوم الكاريكاتيرالتى تطفح بالعنصرية.. وقد خُصِّصت لهذه الحملات مئات الملايين من الدولارات.. وجاءت النتيجة لصالح خصومه الجمهوريين.. ولنعلم أن أصحاب السلطة الحقيقية فى أمريكا هم الذين يدفعون الأموال اللازمة للحملات الانتخابية لكلا الحزبين، وقد فاز من حصل على النصيب الأكبر من هذا المال. وتلك حقيقة جوهرية لا تتخلف أبدا فى المشهد الأمريكيّ: مثلا.. فاز من قبل بوش الأحمق على "آل جور" الذكي، لأنهم أرادوا لبوش أن ينجح رغم غبائه.. وربما بسبب غبائه.. ومن ثم تدفقت الأموال على حملاته الانتخابية.. أكثر بكثير مما حصل عليه منافسه.. ومرة أخرى تمكّنّ أصحاب السلطة الحقيقية من تنفيذ مخططهم السابق إعداده فى الحرب على أفغانستان والعراق.. ولم يكن بوش أكثر من بصمجيّ.. أما الرئيس الحقيقيّ الذى وُكِّلََ بتنفيذ الخطة فقد كان ديك تشينى نائب الرئيس.. إقرأ فى هذا مقال "ديك تشينى هو الرئيس" منشور بمجلة الهلال سنة2003م..
أودّ أن أضيف نقطة رابعة بالنسبة لأوباما: فأنا أتصور أن اختياره لدوره الحالى قد تم الإعداد له من وقت طويل؛ حيث أُجريت على شخصيته عمليات صياغة معينة و وُضع تحت سلسلة من الاختبارات، اُنْتُزِعَ فيها من جذوره الفكرية والثقافية السوداء، ورُقى فى السلم الاقتصادى والاجتماعى إلى درجة رأسمالى صغير، وأستُبدل دينه الأ صلى، كسلم كما فهمنا، إلى مسيحي كما أُخْبِرْنا.. وأصبح واحدا من خيول اسطبل أصحاب السلطة الحقيقة الحاكمة فى أمريكا؛ فلا هو أسود ولا فقير ولا هو مسلم، وإنما خادم مطيع لأسياده.. أرجو أن أكون قد استطعت إزالة الالتباس .. لننتقل إلى لب الموضوع...!

(3) فقر ينتزع الروح:
الصحفي الانجليزيّ "جافين إيسْلر" فى كتابه "ولايات الغضب المتحدة" يصف حالة مجموعة من السود المشرّدين في شوارع واشنطن بلا مأوى وقد إجتمع منهم ثلاثة وثمانون شخصاً في بيت من بيوت الصدقة .. يقول: "كلهم (بلا استثناء) يعانون من أمراض أعجزتهم عن الحركة .. من بينها الالتهابات الرئوية والدرن والسكري وأمراض أخرى متنوعة منها الإيدز .. بعضهم قُطعت إحدى قدميه بسبب ضربة صقيع في شتاء واشنطن المهلك .. لا تستر أجسادهم سوى مزق من ملابس قديمة .. وقد اعتادوا أن يجلسوا في الطرقات يتسوّلون من المارة بينما تمر عليهم سيارات ليموزين مكيّفة وفاخرة، مزّودة بزجاج ملوّن يحجب مناظرهم عن أعين ركاب هذه السيارات، وهم أقوى وأشهر رجال السياسة في العالم. كأنهم لا يريدون أن يروا حقيقة ما يجرى في شوارع المدينة، وهي ليست كغيرها من المدن وإنما عاصمة أعظم دولة في العالم، ويقال أنها أعظم دولة في التاريخ الإنساني كله...!.
يحكى إيسلر على لسان الطبيبة "د. جويتشوس" المشرفة على العلاج في بيت الصدقة.. تقول: "أنا هنا منذ سنة 1976 .. ولا أرى أمامي حتى الآن سوى أوضاع تتفاقم سوءًا يوماً بعد يوم .." .. وتقارن بين خبرتها في واشنطن وبين خبراتها الطبية في بعثات بالعالم الثالث فتقول: "لقد شاهدت فقراً مدقعاً في زائير مثلاً، ولكنني كنت أرى أملاً في عيون الناس هناك، أما هنا فلست أرى بصيصاً من أمل في عيون هؤلاء الضحايا .. إنما أرى فيها يأساً مقنطاً .. إننا نتحدث فيما بيننا ونصف مدينتنا هذه بأنها جزء من العالم الرابع، ونقصد بذلك أنها مدينة موجودة في قلب رخاء مفرط لا حدود له.. ولذلك فإن الفقر فيها ينتزع الروح من صدور البشر".

(4) ويعلق إيسلر قائلاً: ليس في الولايات المتحدة شئ يماثل في قدرته على إشعال الغضب بسرعة الريح الهائجة ، كالمشكلة العنصرية، خصوصاً عندما يصاحبها ( كما هو حادث بالفعل) ذلك الفقر المُذل،ّ والخوف المروّع من العنف والجرائم، ثم يضيف: "ما من واحد تحدثت معه خلال سنوات طويلة من إقامتي في الولايات المتحدة عن هذه القضية إلا وقد أبدى استياءه من إستمرارها وتطورها إلى الأسوأ حتى بلغت ذروتها في عقد التسعينات .. إن خطر نشوب صراع دموي بين السود والبيض هو هاجس مستمر في عقول الأمريكيين كأنه كابوس مرعب".
ويؤكد هذا أحد المواطنين السود فيقول: "من المحتمل جداً أن يصبح عندنا هنا بوسنة أخرى .. أعنى حرباً أهلية بين البيض والسود، فالرجل الأبيض مسلح حتى أسنانه".

(5) أمريكا منقسمة على نفسها:
صدر في الولايات المتحدة ،منذ أكثر من قرن ، إعلان تحرير العبيد، ثم تلا ذلك نضال طويل مرير حتى أصدر كيندى إعلان الحقوق المدنية في ستينات القرن العشرين، وظن الناس في خارج أمريكا أن عذابات الأمريكيين السود قد انتهت، وأن القضية العنصرية قد أصبحت مجرد تاريخ تجاوزه الزمن، ولكننا نفاجأ بأحداث جسام تزلزل المجتمع الأمريكي، فنشهد سلسلة من الاغتيالات يذهب ضحيتها الزعيم الزنجي القس مارتن لوثر كنج صاحب النهج السلمي ونبذ العنف في المطالبة بالحقوق المدنية للسود؛ إذ تمتد يد خفية لتنهى حياته وهو على المنصة أمام عشرات الآلاف من مناصريه ، يلقى خطابه التاريخي الشهير "عندي حلم..!"، ثم لا يلبث زعيم زنجي آخر "مسلم" أن تغتاله اليد الخفية على نفس النمط.. ومن قبل ذلك تم إغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي صاحب المبادرات الشهيرة في إعلان الحقوق المدنية للسود، واغتيل بعده أخوه روبرت كيندي أثناء حملته الانتخابية ً للرئاسة الأمريكية، ربما خشية أن يتابع سياسة سلفه وأخيه التحررية، في كل هذه الاغتيالات بدأت التحقيقات وانتهت إلى نتائج هزيلة وتقارير مشبوهة ومثيرة للجدل، خصوصاً بعد اغتيال "أزوالد" المتهم بقتل الرئيس كنيدى وهو في حماية رجال الأمن الذين ألقوا القبض عليه، إغتاله شخص مريب سرعان ما تبخر، وكأن هناك إصراراً على تبديد الحقائق ودفن معالم الجريمة مع أدلتها إلى الأبد...!
(6) في هذا المناخ المتوتر المظلم تجد الشائعات وقصص المؤامرات طريقها إلى عقول الناس الذين لا يفهمون ما الذي حدث وكيف حدث ولأي سبب حدث..؟! وتتولّى الأفلام السينمائية تفسير المستغلقات فتشير بأصابع الاتهام إلى متآمرين في داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية.. وإلى شخصيات في مراكز عليا.. وإلى مراكز قوى عنصرية ذات نفوذ هائل في المجتمع تعمل من وراء ستار، وتظل أمريكا منقسمة على نفسها إلى أمّتين منفصلتين غير متساويتين أمريكا البيضاء وأمريكا السوداء على حافة حرب عنصرية. ولقد صدق أحد المعلقين السياسيين عندما قال: "إن الهوة العنصرية في أمريكا لم تتلاشى، وإنما إزدادت عمقاً وخطراً حتى بلغت ذروتها في التسعينات وأصبح اجتيازها أمراً مستحيلاً"...
(7) ينابيع الغضب:
يظل الكلام عن القضية العنصرية في أمريكا كلاماً نظرياً حتى تدعّمه الحقائق والأرقام والدراسات الميدانية، وفي هذا الإطار يحشد لنا الصحفي والكاتب جافين إيسلر فيضاً من الحقائق والإحصاءات ضمن كتابه "ولايات الغضب الأمريكية" تعزّزه دراسات أخرى جادة وإحصاءات رسمية موثقة.. من بين الإحصاءات أن 90% من الأطفال السود يعيشون في أحياء فقيرة ترعاهم الأم وحدها، أما الآباء فلا وجود لهم إلا فيما ندر، وأن ثلثي المواليد في أمريكا من أمهات سود جاءوا من طريق غير شرعي .. يعنى خارج إطار العلاقات الزوجية، وأن أكثر من 40% من الأسر السوداء يعيش أفرادها تحت خط الفقر، بينما لا تزيد النسبة عند البيض على 7% فقط، وهناك إحصاءات وحقائق أخرى مذهلة سترد في سياقها المناسب. والمهم هنا أن نؤكد أننا نتحدث عن مجتمع تفشّت فيه البطالة والمخدرات والفقر والجريمة، لدرجة أن الرجال والأطفال فيه يعيشون في حالة من الخوف الدائم من الموت المفاجئ الذي قد يحل بأحدهم في أي لحظة.
ولابد أن اعترف أن أي مقالة بل أي كتاب مهما أفاض في هذه الحقائق لا يمكن أن يستوعب المشهد العنصري في أمريكا بكامل تفاصيله، وعلى أحسن الفروض قد نتمكن من إطلالات سريعة خاطفة على الوجه الغاضب للعلاقات العنصرية المزمنة في المجتمع الأمريكي.
من هذه الإطلالات الخاطفة نذكر ما حكاه "جافين إيسلر" عن خبرة شخصية صادفته أو صادفها وهو في تاكسي يقوده شاب أسود إسمه "بِـنْ" يقول: توقّف "بِـنْ" ليسمح لسيدة بيضاء يزيد عمرها على الستين عاماً أن تعبر الطريق. فلما اقتربت منه نظرت إلى وجهه.. فلم تشكره وإنما تغيّرت ملامح وجهها وامتلأت عيناها بمزيد من مشاعر الخوف والسخط .. فعلق "بن" بمرارة قائلاً: آه من تلك النظرة التي تطلّ من عيني شخص أبيض إذا وقع نظره على وجه أسود..! كأنه قد رأى لصاً أو مغتصباً أو قاتلاً أو مثيراً للشغب في منطقة بيضاء آمنة .. وكأن هناك رابطة لا فكاك منها بين السلوك وبين لون البشرة...!.

الأسود والأخضر: توجد دراسات أمريكية عديدة تتناول جوانب عميقة في المسألة العنصرية تتفق في مجموعها على ثلاثة أمور رئيسة:
أولاً: يوجد إجماع على أن المحاولات التي اتّخذت لمواجهة الفقر والخوف المتفشيين في المجتمعات السوداء قد باءت جميعها بالفشل الذريع وتجلّى انهيارها التام فى عقد الستّينات . . واتّضح أن ستين سنة من السياسات المعلنة والتصريحات السياسية عن شن حملات جادة على الفقر والجريمة كانت أضغاث أحلام أو وعوداً إنتخابية فارغة.
ثانياً: ليست الدراما العنصرية ذات لونين أسود وأبيض فقط وإنما هناك لون ثالث يفصل بينهما هو(الأخضر) ذلك هو الدولار الأمريكي ذو الوجه الأخضر، فقد حفر المال في الولايات المتحدة خطاً فاصلاً بين البيض والسود وأصبح الأغنياء البيض ومعهم قلة قليلة من السود الأغنياء في جانب من هذا الخط ، وعلى الجانب الآخر يعيش الشعب الأسود اليائس يتلظى بنار الفقر، والرعب من القتل المتربص في كل ركن.
ثالثاً: تصديقاً لتنبؤات "أليكسيس دى توكفيل" منذ قرن ونصف القرن لا تزال هناك أسباب واقعية متراكمة من الشك وعدم الثقة، والخوف من أن الطرف الآخر يمتلك قدرة كامنة على الثورة والعنف تتفجر مع أوهى إثارة فإذا الشرارة الصغيرة تتحول إلى حريق هائل...
هذه العوامل الثلاثة يتداخل بعضها في بعض لتصنع ينبوعاً من الغضب لا ينضب في قلب العلاقات العنصرية بين الأمريكيين السود والبيض..

المسيرة المليونية السوداء: في عقد التسعينات من القرن العشرين دعا لويس فَرَخان الزعيم الزنجي إلى مسيرة مليونية إحتجاجاً على الأوضاع المتردّية للشعب الأسود، بسبب الإهمال والعنصرية الكامنة. و كانت واشنطون هي وجهة المسيرة، فتدفق إليها مئات الآلاف من الشبان السود من جميع أنحاء الولايات المتحدة، قيل وقتها إنها أكبر مسيرة إحتجاج سوداء على العنصرية البيضاء في كل التاريخ الأمريكي، وهذا هو القدر الذي علمناه من الإعلام الأمريكي والعالمي.
أما التفاصيل المهمة ذات الدلالة فقد تكفّل بها الصحفي الإنجليزي "جافين إيسلر" الذي حضر المسيرة وتابعها وكتب تقارير مفصلة عنها .. يقول: كان سكان واشنطون البيض يشعرون بقلق شديد وتبدو في سلوكهم وأحادثيهم عصبية ظاهرة .. كانوا يخشون أن يتفجر الموقف لأي إثارة غير منظورة فتتفجر ثورة عارمة ودمار وتخريب كالذي حدث في لوس أنجلوس.
ويضيف: قبل المسيرة بيومين علم أحد جيراني البيض أنني ذاهب لمتابعة المسيرة وتصويرها فنظر إلىّ بدهشة واستنكار قائلاً: "لا أظنك جاداً في الذهاب إلى المسيرة!. ألا تخشى وأنت رجل أبيض أن تحدث اضطرابات فيصيبك مكروه؟". وقال لي صحفي أبيض: "من المفروض أن أذهب أنا أيضاً لتغطية أحداث المسيرة ولكني سوف أترك حافظة نقودي في المكتب احتياطاً من حوادث السرقة".. وحذّرني صديق ثالث قائلا: "من المؤكد أن تقع حوادث عنف في مثل هذه الحشود السوداء ولذلك فكرت في الحصول على إجازة من العمل هذا اليوم حتى لا أخاطر بالخروج إلى الشارع"...
وذكرت امرأة أن ابنها كان على موعد لتدريبات رياضية مع فريقه في هذا اليوم، ولكنها علمت أن الملاعب كلها قد أُغلقت وأرجئت جميع التدريبات.
"أما في القطاع التجاري فقد أُغلقت جميع الأعمال والمحلات في شمال غرب واشنطون كلها تحسّباً لأعمال عنف .. وأصبحت الشوارع خاوية على عروشها .. منظر لم أشهد مثله من قبل على مدى سنوات طويلة من إقامتي في واشنطون".
كانت الرسالة المتداولة بين جميع البيض أن هذه المسيرة ليست مجرد اجتماع لمئات الآلاف من إخوانهم الأمريكيين المتضررين يعبّرون عن استيائهم ومطالبهم العادلة، وإنما هو غزو أسود لواشنطون تقوم به عصابات مخيفة لإثارة الرعب والفوضى في الولايات المتحدة .. شباب سود .. مليون مجرم من أمثال(ويلى هورتون) قد انفلتوا من عقالهم ..
وبالمناسبة "وِيلِى هورْتونْ" هذا هو شاب أسود أثار عاصفة إعلامية عندما اعتدى على شاب أبيض واغتصب صديقته البيضاء .. وعلى الرغم من أن هذه حادثة عادية تقع كل يوم في أمريكا يرتكبها السود والبيض على السواء، إلا أنك لا تفهم لمَ كان التركيز بالذات على هذا المجرم الأسود..؟! حتى أن جورج بوش الأب استغل التضخيم الإعلامي لهذه الحادثة في إنتخابات الرئاسة ضد منافسه "مايكل دوكاكيس" ، الذي كان حاكماً لولاية "ماسا شوسيتس" حيث وقعت جريمة القتل والاغتصاب.. فعيّره بوش بها كنقيصصةٍ تقلّل من قيمته..!
يقول إيسلر: عندما وصلت المسيرة إلى واشنطون دخلتُ بين جموع المتظاهرين وتحدّثت إلى عدد كبير من الشبان السود الذين استقبلوني بترحاب ومودة.. لم تكن تنقصهم الثقافة ولا روح المرح والدعابة .. وكان من بين ما لفت نظري قميص يرتديه عدد كبير من الشبان مكتوب عليه بخط كبير عبارة:
Just Us ? ..Justice وفيها نوع من اللعب بالكلمات فى صيغة استنكار يحمل هذا المعنى: "هل تقف العدالة ضدنا فقط..!؟".

دراسات إحصائية: من أفضل الدراسات الإحصائية ما قام به "أندرو هاكر" وضمّنه في مقال نشر في "واشنطون بوست" (30 يناير )1977 معتمداً على إحصاءات لجهاز الاستخبارات الفيدرالية، نستخلص منه الحقائق التالية:
أن الأمريكيين السود يشكّلون 12% من سكان الولايات المتحدة، و13% من عدد المدمنين على المخدرات و35% من المقبوض عليهم في تهم الاتجار بالمخدرات و55% من الذين ثبتت إدانتهم، ويمثلون 74% من الذين صدرت ضدهم أحكام بالسجن في مختلف الجرائم، وقد بلغ عدد السود المسجونين سنة 1995 رقماً مذهلاً: (مليون وستمائة ألف رجل) وهذا العدد يساوى عدد الرجال والنساء الذين يعملون في مختلف فروع القوات المسلحة الأمريكية، ويجب أن نضيف إلى هذا ثلاثة ملايين وسبعمائة وخمسين ألفاً من السود تحت الإشراف والرقابة البوليسية.
ويؤكد علماء الجريمة أن أسوأ الأخبار لا تزال قادمة على الطريق فجرائم الأحداث بين السود في تصاعد مخيف...
ويتنبأ "جيروم ميللر" أحد علماء الجريمة أن نسبة المسجونين من الرجال السود البالغين سوف تصل إلى 50% عام 2010م. فإذا بدت هذه النسبة الآن غير قابلة للتصديق فينبغي أن نتذكر أن نسبة الأبناء غير الشرعيين بين المواليد السود التي تنبأ بها الخبراء في الستينات وكانت حينئذ غير قابلة للتصديق – تحققت في عقد التسعينات.
وفي دراسة قام بها مجموعة من الباحثين في جامعة كورنيل بعنوان "حال الأمريكيين" وُجد أن ثلثي الرجال السود في منطقتين فقيرتين يتاجرون في المخدرات، وأن ما يكسبه الرجل منهم في اليوم الواحد يتراوح بين 800 إلى 900 دولار، حتى الأطفال الصغار ابتداء من سن الثامنة، يمكن أن يكسب الواحد منهم خمسين دولاراً فى مهمة بسيطة؛ هى أن يقوم بمراقبة الطريق لينبّه تاجر المخدرات عندما تقترب سيارة الشرطة من المكان، ولأن الأطفال منخرطين في هذه التجارة الخطيرة، فإنهم معرّضون أيضاً للقتل في أي لحظة، عندما تشتعل الحرب بين العصابات المتنافسة.. وقد تبيّن أن هؤلاء الأطفال مضطرون للقيام بهذا العمل، لظروف أسرهم التعيسة، فبحسب ما كشفت عنه دراسة كورنيل يتّضح أن ثلث أطفال أمريكا السود يعيشون في حالة من العوز والضّنك...

الرعب و الموت: إلتقى إيسلر بعدد من رجال العصابات السود الذين يجوبون الشوارع فينشرون فيها الموت والرعب، يُدعى أحدهم "سويت بى" .. كان يلبس في أصابعه أربعة خواتم ذهبية كبيرة، فهو رئيس عصابة .. أراه منديلاً أصفر هو رمز عصابته وشرح له أنها من أكبر وأنشط العصابات في شيكاغو وعندما تطرّق الحديث إلى العنف قال: أستطيع أن أبيع لك مسدساً "نصف أوتوماتيكي" 9 ملليمتر بثمانين دولاراً فقط .. وإذا رغبت في بندقية كلاشينكوف أبيعها لك بمائتين وخمسين دولاراً ..
و قداعترف بأن رصاص أعدائه إستهدفه مرتين الأسبوع الماضي، ولكنه رفض أن يدخل في تفاصيل هذا الهجوم .. قلت له هل أبلغت الشرطة..؟ قال مندهشاً: ولِمَِ أفعل هذا..؟! .. لا طبعاً .. قلت له ولم لا تفعل..؟ فقال سوف أعتني أنا وأتباعي بهذا الأمر بأنفسنا.. ولا حاجة لنا بالشرطة...!
يقول إيسلر: منطقة ليتل روك، وهى منطقة نفوذ "سويت بى" عبارة عن بلدة صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن 180 ألف شخص، تقع فيها 67 جريمة قتل في السنة، ومقارنة بأيرلندا الشمالية – في أثناء الحرب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت خلال التسعينات – كان عدد القتلى مائة قتيل بينما يبلغ تعداد سكانها مليونا وسبعمائة ألف، فإذا طبّقت نسبة القتلى في ليتل روك على بلفاست لتوقعنا ثمانمائة قتيل فى السنة لا مائة فقط.
وعموماً إذا كنت في أمريكا فأنت معّرض للقتل خمس مرات أكثر مما إذا وجدت في أيرلندا الشمالية .. ففي هذه البلاد العجيبة يموت ستون أمريكياً بالرصاص كل يوم. لقد أصبح إنتشار الأسلحة والمخدرات وجرائم القتل أوبئة أشد خطراً من الإيدز في المجتمعات السوداء.
فإذا أضفت إلى ذلك الفقر والتشرّد والبطالة المتفشية والأسر المتهرّئة، وقطعان الأطفال الذين لا يعرفون لهم أباً ولا يجدون بجوارهم أماً ترعاهم ،إذا فعلْت ذلك تكتمل أمامك صورة مجتمع تتصدع أركانه وتنهار قوته ويوشك على الاندثار .. كأنه يمارس عملية إنتحار منظمة، أو قل إنها واحدة من قصص المؤامرات السرية غير المستغربة على العقل الأمريكي، لتدمير القوة السوداء حتى لا تتحول إلى خطر على مستقبل الولايات المتحدة..!.
من قصص المؤامرات الخفية التي يتداولها بعض الأمريكيين السود، مما له مغزى في هذا الإطار، أن الطائرة التي حملت أسلحة إلى عملاء أمريكا في نيكاراجوا، فيما عرف بفضيحة "إيران / كونترا جيت" كانت تحمل في عوْدتها مخدرات، سرّبتها كالعادة أجهزة المخابرات إلى المجتمع الأسود..!.
ومن الحقائق المخفيّة التى يتم التعتيم عليها أن الحكومة الأمريكية قامت بإجراء تجارب طبية عرفت باسم Tuskegee ، وهي تجارب غير نمطية ولا يتم الإعلان عنها، في هذه التجارب ترك الباحثون متعمّدين رجالاً من السود يصارعون مرض "السّفْلس" بدون علاج لدراسة تطور المرض في الجسم البشري حتى قضى عليهم جميعاً...!
وهكذا نجد أنفسنا أمام حالة عنصرية نمطية يحكم العلاقة فيها بين الأسياد والعبيد قدر هائل من الكراهية المتراكمة وانعدام ثقة مزمن وخبرات مريرة أليمة .. قد تبدو هادئة لبعض الوقت .. ولكنها كامنة كالبراكين المزمنة . .قابلة للتفجر في أي لحظة .. إنها حقاً كما قال "دى توكفيل": مرض عضال يهدد مستقبل الولايات المتحدة...


العلماء والعوالم !
‏كشف_حساب_الجنرال (1) الحريات
ثقافة الحمير وأدبهم
مأساة المسلمين فى مصر (٢)
مأساة المسلمين فى مصر
هلايل ودابوديه .. نحو صومال جديد
الفُقّاعة الكبري توشك على الانفجار
مشروع الدستور حدث سياسى.. وليس عملًا قانونيًا
ديباجة الدستور
أخى الحبيب الدكتور محمد عباس
مستقبل الأبْلَسة
صحيفة فيترانس تو داي ويهودية السيسي
مصر إلى الكارثة
هجرة الحضارة نحو الشرق سنة تاريخية وفرصة للنهضة
عن الاخونة والقضاء والاعلام ومعارك التطهير
إنسان الثورة والنهضة
على هامش الحدث
23 نصيحة للرئيس قبل خطابه إلى الأمة!
السياسة المصرية من التبعية إلى النِّدّية
الإصلاح ونظرية (مستر بطاطس )
المزيد

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان