د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

انفجرت الفقّاعة وسقط الطاغية / بقلم محمد يوسف عدس
محمد يوسف عدس
1/24/2011


كما حلّق سقط:
انطلق كالصاروخ صاعدا إلى قمّة السلطة، فقد عيّنه الرئيس التونسى السابق الحبيب بورقيبة وزيرا للداخلية فى 28 إبريل 1986 ليكون ساعده الأيمن فى لجم الآضطرابات التى أحاطت به بعد حالة من التردّى الاقتصادي والسياسيي وغلاء المعيشة فى آخر عهده، وقد أصابه خرف الشيخوخة، وأقعده المرض. وبعد عام ونصف ترقّى وزير الداخلية إلى منصب الوزير الأول فى أكتوبر سنة 1987، ولكنه لم يمكث فى هذا المنصب أكثر من شهر واحد؛ ففى فجر السابع من نوفمبرش987 قام بانقلاب سريع وهادئ على بورقيبة واستولى على منصبه.. وهكذا برز زين العابدين بن على ثانى رئيس للجمهورية التونسية بعد الاستقلال.. ليبقى في منصبه ثلاثة وعشرين عاما متواصلة..
ولكنه فى طرفة عين أيضا فقد منصبه وتحول من دكتاتور رهيب إلى فأر هارب، أمام ثورة الشعب الذى أطاح به.. فى نفس اللحظة التى ظن فيها أنه قد بلغ قمة سطوته، وأحكم قبضته على كل شيء، وأمّن حياته ومستقبله حاكما لمدى الحياة، وضمن توريث حكمه لأسرته من بعده، من خلال عمليات طويلة معقّدة من تفصيل القوانين وتعديل مواد الدستور، وإحاطة نفسه وأسرته، بجهاز أمن وحرس خاص به، وبمجموعات من الأقارب والأعوان ومن الكتاب والمثقفين والإعلاميين المنافقين يسبحون بحمده.. ويضخمون فى إنجازاته التقدمية والاقتصادية التي تفخر بها تونس على كل بلاد العرب والمسلمين..
ولم يقصّر فى إقامة نظام خادع لديمقراطية زائفة مفرّغة من المضمون، يلوح بها أمام ناقديه فى الداخل والخارج..
وقد اتضح فيما بعد أن التقدم الاقتصادي المزعوم والأرقام المذاعة عنه لا علاقة لها بحياة الغالبية المسحوقة من الشعب التونسي، الذى يعيش بعيدا عن قلب العاصمة وعن السواحل التونسية التى تغص بالسياح الغربيين الذين جاءوا يتمتعون بشمس الجزائر وبالمصايف المخصصة للعرايا ..
أما المنتفعون الحقيقيون من هذا الازدهار الاقتصادي فينحصرون فى ثلاثة أسر من أقارب الرئيس وزوجته وأقاربهما.. و مع هؤلاء فئات من الأعوان والوزراء والمرتزقة من حولهم.. لقد استحوذت الأسر الثلاثة على الثروة والسلطة، ونهبوا كل شيء.. وكرّسوا الفساد فى جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وكان لها ميلشيات خاصة بها، وعيون وجواسيس منتشرون فى الجامعات والمكتبات والمساجد، ليجمعوا المعلومات ويرصدوا حركات الشباب ويتعرفوا على توجّهاتهم وانتماءاتهم..

كيف يتم إعداد عميل:
لقد تعلم بن على فى تونس تعليما متوسطا، ولكنه أُرسل إلى فرنسا لاستكمال تعليمه فى المدارس العسكرية، ثم ابتعثه حماهُ الجنرال (كـافـى) لدورة فى المدرسة العسكرية العليا للاستخبارات فى بلتيمور بالولايات المتحدة، وكأنه كان يدّه إعدادا ليقوم بدور ما فى تونس..
وهكذا بدأ بن على مشروعه التنويريّ فور توليه السلطة: فقد انفتح على أوربا بكل قوته، وحارب التيار السياسي الإسلامي حتى مزقه وأجبر قادته على الحياة فى المنافى مثل زعيم حزب النهضة الشيخ راشد الغنوشى.. ومن بقى منهم لفّق لهم التهم وأودعهم فى السجون.. ولكنه لم يكتفِ بذلك بل شرع يحارب الإسلام نفسه تحت عناوين مضللة منها: تنظيم مواعيد فتح المساجد ومحاربة الظلاميين والمتخلفين، وتجفيف منابع الإرهاب الديني، ومحاربة الحجاب باعتباره رمزا للطائفية البغيضة. ولكى يمتص الطاقات الدينية للشعب المسلم أفسح المجال واسعا لنشاط الفرق الصوفية والدروشة، ودعّم الكنيسة...
ولنكمل الصورة.. نشير إلى واقعة صغيرة مر الناس عليها مرورا سريعا، دون أن تلفت نظرهم، فقد استطاع شاب تونسي أن يخترق نظام معلومات القصر الجمهوري، واكتشف وجود خبراء إسرائيليين هناك يعملون ضد جبهة التحرير الفلسطينية، التى اتخذت تونس مقرّا لها بعد تدمير مواقعها فى بيروت .. ونحن نعلم كيف اغتالت إسرائيل أبا جهاد فى تونس.. ونعلم أيضا أن الشاب التونسي اختفى من الوجود فى حادثة غامضة...!


محمد البوعزيزى:
كانت الشرارة التى أطلقت ثورة الشعب التونسى البطل مجرد حادثة صغيرة لم تكن الأولى من نوعها فقد أشعل بائع خضراوات متجول النار فى نفسه واسمه محمد البو عزيزى، كان يمارس البيع كالعادة فى ركن من الشارع عندما هبط عليه شرطي فخاشنه وحاول مصادرة عربته وبضاعته بحجة أنه لا يحمل ترخيصا من البلدية، فلما أظهر المقاومة صفعه الشرطي وبصق على وجهه وسبّه بكلام مقزع أمام المارة .. فاستشاط الشاب المقهور غضبا، خاصة وأنه هو العائل الوحيد الذى ينفق من تجارته البسيطة على أمه وإخوته الصغار.. فأسرع إلى المسئولين يقدّم شكواه إليهم ولكنهم سخروا منه ولم يكلّفوا أنفسهم بتسلمها منه.. هنا جُنّ جنون الشاب .. وانطلق يعدو ليصب البنزين على ملابسه ويشعل النار فيها أمام مبنى المحافظة، احتجاجا صارخا مروّعا لإنسان أحاط به القهر والظلم الجائر، ولم يجد من ينصفه فى هذا العالم.. الله وحده يعلم ماذا كان يجرى فى عقله المضطرب وهو يرى الدنيا كلها من سِمّ الخياط، ولعله كان يرى بما تبقى من إدراكه المشوّش بصيصا من أمل أن يعطف عليه إنسان فيسارع بإنقاذه من الموت فى آخر لحظة، ويساعده فى استرداد حقه وكرامته المُهدرة .. ولكن الموت كان أسرع إليه من هبة الريح.. هذه الميتة المأساوية المروّعة كانت هى الشرارة التى فجرت الغضب المطمور فى قلوب الشعب التونسي فهب فى ثورة عارمة خرجت من مدينة بوزيد وأخذت تتعاظم و تتسع رقعتها وتمتدّ إلى مدن أخرى، حتى وصلت إلى العاصمة لتزلزل الأرض تحت أقدام الطاغية..
الجيش يعفّ عن التدخل:
لقد سقط الشهداء صرعى برصاص قوات الأمن كل يوم ولكن ظلت الثورة مشتعلة بإصرار على مدى شهر كامل.. فلما وجد الطاغية أن قوات أمنه قد فشلت فى احتواء الثورة الزاحفة، وفوجئ برفض الجيش أن يتدخل بالسلاح لقمع الثورة.. فالجيش فى تونس حرص دائما على أن يقصر مهمته على الدفاع عن البلاد من أى عدوان خارجي، ولا يتدخل فى الاضطرابات الساسية وقد شاهد بنفسه أن ثورة الشعب ثورة سلمية وأنها تعتمد على المظاهرات الاحتجاجية والعصيان المدنى ولا تقوم بأى أعمال عنف أو تخريب فى البلاد.. فالتزم منها بموقف المحايد.. عندئذ أدرك الطاغية أنه لا سبيل أمامه غير الفرار من العاصفة التى اقتربت من قصره..
سلطة أم عقد عِمالة:
لو رأيت صورة الطاغية فى آخر خطاب له على شاشة التلفاز التونسي لدهشت للتغيير الهائل الذى طرأ عليه فبعد أن كان يظهر منتفخ الأوداج متكبرا شامخا إذا به يتحول إلى فأر ذليل مذعور يتوسل لإلى شعبه أن يمنحه فرصة أخرى ليصلح ما أفسده..! ولكن هيهات فالثورة لم يعد فى مقدور أحد أن يوقفها أو يتصدّى لها وقد تبدّدت كل حيل السحرة والمشعوذين...!
توجّه بن على إلى طائرته وهو يمنى نفسه بالوصول إلى باريس فى أسرع وقت ممكن ليستقر فى شقته الفاخرة مع أفراد أسرته ويتمتع بملياراته التى نهبها من أموال الشعب التونسي.. ولكنه يضطرإلى البقاء فى الجو ساعات ينتظر الإذن من أصدقائه فى باريس الذين اعتادوا أن يستقبلوه بالأحضان والقبلات، ولكنهم فى هذه المرة رفضوا أن يمنحوه مأوى يملكه بالفعل فى أرض فرنسا..
لم يفهم بن على أن ما بينه وبين هؤلاء الأصدقاء ليس أكثر من عقد عَمَالة، وأن هذا العقد معلق بشرطه وقد انتفى الشرط فبطل العقد، وأصبح الرجل عديم الفائدة لفرنسا بل أصبحت المشاكل من ورائه واردة بل محققة.. فرفضوا استقباله.. تماما كما فعلت أمريكا مع صديقها الحميم أو عميلها المخلص شاه إيران عندما خلعته الثورة الشعبية الإيرانية، فلم تسمح له أمريكا بالذهاب إلى أرضها واقترحت له عميلا آخر يأويه خارج أمريكا..
وهكذا بقيت طائرة بن على معلقة فى الجو ساعات لا تجد من يقبل هبوطها فى أرضه .. حتى سمعنا بأنه نزل فى أراضى المملكة السعودية، وقيل فى أول الأمر، أنه ذاهب لأداء العمرة فى مكة المكرمة، بعد أن اغتسل فى بركة من دماء الشهداء.. ولم أفهم حينها أهى حقيقة أو نكتة أطلقها بعض الظرفاء...! اللهم لا شماتة...

عدوى الثورة هل يمكن أن تنتقل ..؟!:
مشاهد الثورة الشعبية التونسية، ارتبطت فى الذاكرة بصورة كتلة من النار متوهجة، نتبيّن فى أعلى جزء منها ملامح وجه الضحية المظلوم محمد البوعزيزى، وستظل هذه الصورة الملتهبة معلّلقة فى مخيّلة الملايين من أبناء الأمة العربية، تتفاعل مع عقولهم وأعماق ضمائرهم إلى أمد بعيد، وسيكون لها، آثارها وتداعياتها على الأحداث فى هذه المنطقة؛ ستؤجج غضب الجماهير، وتدفع الشعوب المقهورة المستنزفة إلى الصدام عاجلا آوآجلا مع الأنظمة المستبدّة المغتصبة لإرادة هذه الشعوب وثرواتها.. وستكون علامة فارقة فى تاريخ العرب..

ومن يستبعد تأثيرها أو انتقال عدواها إلى بلاد أخرى محدود فى فكره وفهمه لتاريخ المجتمعات الإنسانية، أو صاحب هوى لا يُعتدّ بكلامه، مثل ذلك الوزير الذى قال: إن انتقال الثورة التونيسية إلينا "كلام فارغ" .. وهو نفسه لم نسمع منه فى كل تصريحاته إلا كلاما فارغا من المعنى.

على هذا المنوال ينسج كتبة السلطة ومنافقيها أحاديثهم عن الثورة التونسية، فيخوّفون الناس من أخطارها، ويرسمون لها صورة بشعة تنفرهم منها ومن الفوضى والدمار الذى يمكن أن يترتب عليها، والهدف من بث هذا الرعب فى نفوس الناس واضح : أن يقْنعَ الناس بحظهم على قلّته، ويتقبلوا حالة العبودية التى هم فيها، ويسلّموا أقدارهم للطاغية.. فلا أمان لهم ولا بقاء فى العيش (كما يزعم المنافقون) إلا تحت ظلّه وفى حظيرته المباركة...!

من أبرز هؤلاء الكتاب وأشهرهم وربما أكثرهم ذكاء، ذلك الكاتب الذى يستبعد إمكانية أن تنتقل عدوى الثورة التونسية إلى مصر، بزعم أن الأوضاع فى البلدين مختلفة، ويركز بصفة خاصة على دعوى أن العلمانية والعلمانيين فى مصر أقل تطرفا من نظرائهم فى تونس.. ولأن الحقائق الموضوعية تدحض هذه المزاعم ، لذلك نحاول أن نسعرض بإيجاز أبرز العناصر المشتركة، لنرى مدى التطابق المذهل فى جوهر النظامين التونسي والمصري:

(*) مظهر خارجي لديمقراطية زائفة’ خالية من المضمون، هدفها الأساسي تغطية حقيقة الاستبداد السياسي وحكم الفرد الواحد.
(*) منظومة اقتصادية خاضعة لتوجّهات أجنبية، تنفذ روشتة البنك والصندوق الدوليين: الهيكلة و إلغاء دعم السلع الشعبية.. وخصخصة ممتلكات الدولة ببيعها للأجانب، وتعويم العملة المحلية، وتخفيض الانفاق الحكومي: فى التعليم والصحة والمرافق العامة..
(*) تركيز السلطة والثروة فى حوزة أقلية من الأسر والأفراد، مصالحهم مرتبطة بمصالح أجنبية، وتكييف التشريعات والقوانين المالية والضريبية لضمان استمرار وازدهار هذه الأقلية على حساب الشعب المقهور.. وحرمانه من القوت الضروري، ومن التعليم ومن العلاج..
(*) توجيه السياسة الداخلية لحصار المعارضة مع التركيز على المعارضة الإسلامية، بتشويهها وتصفية رموزها، وتجفيف منابعها الاقتصادية والروحية، ومنع أبنائها من الوصول إلى أى مراكز فى الجيش.. أو الشرطة.. أوالتدريس فى الجامعات...
(*) محاربة الإسلام نفسه كعقيدة وشريعة وممارسة، وحشد كل الشخصيات الكارهة للدين والأخلاق لقيادة أجهزة الثقافة والتعليم والإعلام..
(*) توجيه السياسة الخارجية لخدمة المصالح الأمريكية الصهيونية.. على حساب الأمن القومى، والمصالح الوطنية.

وقد قام النظامان التونسي والمصري بتنفيذ هذه السياسات بحماس منقطع النظير.. وتسأل عن الدافع ..! فأقول لك: أنه فى مقابل هذا الحماس تَـعِدُ القوى الأجنبية أنها ستضمن استمرار هذه الأنظمة فى السلطة ضد إرادة الشعب، وتتجاوز عن استئثارها بالحكم واالثروة، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتتغاضى عن فسادها وطغيانها.. وتغمض عينيها عن مخططات التوريث فى الأسر الحاكمة ..

تشابه أم تطابق..؟:
لا يهم فالنتيجة واحده .. فالتشابه أو التطابق إن شئت بين الأوضاع فى كل من تونس ومصر واضح وقوي، سواء من ناحية التطرف العلماني، أو من ناحية الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هو الذى أفرخ هنا وهناك: بطالة متوحّشة وجوع قاتل، وإحباط للشباب الذى حاصرته الدولة بأدوات القمع البوليسي، وامتهنت كرامته ، وأهدرت حقوقه الإنسانية فى العمل والزواج والمسكن، وفرضت عليه العنوسة، والمذلة.. فى نفس الوقت الذى يرى بعينيه مظاهر الترف الفاحش والثراء المستفز لفئات من المجتمع لا تكدح ولا تكسب مالها من طرق مشروعة، وإنما استمرأت الكسل والتنطّع، بل كرّست جهدها لنهب الأرض والثروة، ونشر الفساد فى المجتمع..
لكل هذا ثار التونسيون.. وليست الثورة ببعيدة عن مصر.. إنها تدق الأبواب وستفاجئ الجميع ، وعندها سيعلم الذين ظلموا أىمنقلب ينقلبون...!

وشائج غير منظورة:
يعلم قلة من المثقفين الذين لا يزالون على قيد الحياة إلى اليوم أن بين الشعبين التونسي والمصري بالذات، وشائج ملحمية راسخة الجذور فى العقل الجمعي للشعبين، استمرت لعدة قرون؛ إنها ملحمة بنى هلال..أو السيرة الهلالية التى عمّقت الوحدة الوجدانية بين الشعبين التونسي والمصري، فقد كنا نجلس ونحن أطفال ساعات طويلة نستمع إليها على أنغم الربابة، وتتعلق قلوبنا لهفة على أخبار أبطالها: شجاعتهم ومعاركهم، ومعاناة بعضهم فى السجون وتحريرهم من الأسر، مزيج من قصص الحب والتضحية والخيانة، الشجاعة والخسّة، الظلم و والنضال من أجل العدالة.. ملحمة شعبية رائعة تجرى أحداثها على طول الطريق بين مصر و [تونس الخضراء].. تتألف من مليون بيت من الشعر الملحمي الآسر.. فليقرأها من أراد أن يفهم، لماذا يمكن أن تنتقل الثورة من تونس إلى مصر..؟! وإن ما يُقال عن استحالة ذلك إنما هو مجرد وهم يُعشّش فى عقول المنافقين والمنغلقين...

عندما يفيض الكيل:
إن أكثر الذين فاجأتهم الثورة التونسية هم الذين كرّسوا كل حياتهم وجهدهم فى التحصّن من احتمالات وقوعها: فقد قضوا على كل معارضة وحوّلوا النشاط الحزبى إلى مظاهر شكلية محنّطة، أو ديكورات لا حياة فيها ، ووضعوا كل مقاومة تحت السيطرة القمعية لقوات الأمن، ودمروا بصفة خاصة التيارات الإسلامية المعارضة إما بالحبس أو التشريد أو التصفيات الجسدية.. لقد أخلوْا الساحة تماما من كل ذى لحية وكل ذات حجاب، وتحكّمت وزارة الداخلية فى المساجد فأصبحت تفتح وتغلق لا فى مواعيد الصلاة المشروعة، وإنما بمواعيد يحددها وزير الداخلية.. وانقطع الأذان من المآذن.. وأصبح لكل مصلٍّ رقيب يرصد عليه حركاته وعلاقاته وعدد مرات حضوره لصلاة الجماعة..

وبدا أنّ كل شيئ قد أصبح فى قبضتهم الحديدية.. ولكن فى اللحظة التى ظن جبابرة السلطة أن كل شيء فى هذه الدنيا قد أصبح طوع بنانهم، انطلقت ثورة الشعب.. فمن الذى أطلقها..؟ إنهم شباب لا علاقة لهم بحزب النهضة الإسلامي ولا بأى حزب آخر محظور، إنهم أبناء هذا النظام الذين نشأوا وترعرعوا فى كنفه، وتحت تأثير أجهزته الإعلامية المضللة، وتعرضوا لغسيل مخ متواصل عبر السنين.. أشعل الثورة أناس عاديون من الفقراء والبسطاء.. فجر الغضب الكامن فى أعماقهم شرارة أطلقها محمد البوعزيزى.. و من هنا كانت المفجأة.. ولعل فى هذا درس تعيه أذن واعية...ّ!

كيف تتسارع الخطى نحو الثورة:

ألخّص الأمر كله فى هذه الواقعة الكاشفة، رواها شيخ فاضل من عدّة سنوات.. كان ينتمى إلى جمعية خيرية مشهورة، تقدّم مساعدات لمن يحتاجونها، وكان يظن أن هذا العمل لا بد ان يكون محمودا من جانب الحكومة، لأن جمعيته تقوم بمهمة قصّرت أو عجزت الحكومة عن أدائها..

يقول الشيخ: استُدْعيتُ يوما من قِبَل مباحث أمن الدولة.. سألونى لماذا أقدّم مبلغا شهريا لأسرة أعْتقل عائلها..؟، وهو شاب طيب، كل تهمته أنه مواظب على صلاة الفجر، وكنا نعلم أنه لا علاقة له بالسياسة ولا الأحزاب.. سألنى الضابط: لمَ تدفع أموالا لأسرة المجرم فلان..؟ فأجاب الشيخ: إن هذا الشاب لم يحاكم ولم تثبت عليه جريمة ما.. ومن ناحية أخرى رأينا أن من واجبنا أن نساعد أسرة وأطفال صغار حتى لا يموتوا من الجوع.. وحتى لو ثبت على أبيهم أنه ارتكب جريمة وعوقب عليها.. فما ذنب زوجته وأطفاله أن يعاقبوا وهم أبرياء، ما ذنبهم أن يُفرض عليهم الجوع والحرمان..؟!
قال الضابط غاضبا دعهم وشأنهم.. ولتشتغل المرأة لإطعامهم.. فقال الشيخ: إن المرأة لا تجيد أى عمل، ولا تستطيع ترك أطفالها الأربعة وحدهم فليس لهم من يرعاهم سواها.. ونحن نساعدها حتى لا تقع مقهورة فى الرزيلة.. أليس هذا أفضل من أن تبيع عرضها لتطعم الأطفال...؟!
فرد الضابط بغضب أكثر: نحن نريدها أن تكون مومسا.. فما شأنك أنت...؟ّ!
انتهت الواقعة.. وهى لا تحتاج إلى شرح ولا تعليق.. سوى أن السلطة التى تطلق كلابها تنهش فى كرامة الناس وأعراضهم، وتضيّق عليهم سبل الحياة.. وتغلق فى وجوههم أبواب الأمل فى مستقبل أفضل ..هذا الظلم البيّن هو سبب الإحباط والجنون والانتحار.. و هو الذى يجعل خطوات الشعوب نحو الثورة تتسارع .. حتى تقع الطامة على رؤوس الطغاة...!
myades34@gmail.com






العلماء والعوالم !
‏كشف_حساب_الجنرال (1) الحريات
ثقافة الحمير وأدبهم
مأساة المسلمين فى مصر (٢)
مأساة المسلمين فى مصر
هلايل ودابوديه .. نحو صومال جديد
الفُقّاعة الكبري توشك على الانفجار
مشروع الدستور حدث سياسى.. وليس عملًا قانونيًا
ديباجة الدستور
أخى الحبيب الدكتور محمد عباس
مستقبل الأبْلَسة
صحيفة فيترانس تو داي ويهودية السيسي
مصر إلى الكارثة
هجرة الحضارة نحو الشرق سنة تاريخية وفرصة للنهضة
عن الاخونة والقضاء والاعلام ومعارك التطهير
إنسان الثورة والنهضة
على هامش الحدث
23 نصيحة للرئيس قبل خطابه إلى الأمة!
السياسة المصرية من التبعية إلى النِّدّية
الإصلاح ونظرية (مستر بطاطس )
المزيد

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان